طاهر تيسير المصري يكتب لوطن: انتخابات مؤجَّلة قبل أن تُؤجَّل

ليس من المعتاد أن تكون الكلمات في البيانات السياسية بريئة تماما، خصوصاً عندما تتعلق باستحقاق بحجم الانتخابات التشريعية الفلسطينية، المنتظرة منذ عقدين تقريبا. ومن هذه الزاوية، يستحق بيان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الصادر في 25 أيلول قراءة تتجاوز ما يقوله صراحة إلى ما تركه مفتوحاً بين السطور. فالبيان أكد "التمسك" بالانتخابات، لكنه أحاطها بشروط تفتح هذا الالتزام على احتمال التأجيل إذا تعذر استيفاؤها.
المفارقة الأولى وهي أنه وفي اليوم السابق مباشرة، قال الرئيس محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بوضوح "نحن ذاهبون إلى الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر". كان هناك موعد محدد لا يحتمل التأويل. لكن اللجنة التنفيذية، وهي تجتمع في اليوم التالي لمناقشة الخطاب والإشادة به، لم تكرر هذا التاريخ، واكتفت بالقول إنها متمسكة بإجراء الانتخابات "وفقاً للقانون، في كامل ولاية دولة فلسطين: القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة". عدم تكرار التاريخ في بيان يفترض أنه يؤكد مضمون الخطاب لا يثبت وجود نية للتأجيل، لكنه بالتأكيد تفصيل سياسي لا ينبغي المرور عليه سريعاً.
الأهم من غياب التاريخ هو حضور الشروط. فالبيان لم يكتف بالتأكيد على أن الانتخابات يجب أن تشمل القدس والضفة وغزة، وهو أمر طبيعي ومطلوب، بل اعتبر مشاركة المواطنين في المناطق الثلاث وإجراء الاقتراع فيها بصورة متزامنة "شرطين أساسيين لوحدة العملية الانتخابية". ثم طلب من لجنة الانتخابات "تأمين شروط تنفيذ الانتخابات" وتحديد "المتطلبات العملية اللازمة لذلك". وهكذا تنتقل اللغة تدريجياً من موعد انتخابي مقرر إلى عملية يصبح تنفيذها مرتبطاً بتوافر مجموعة من الشروط، من دون أن يحدد البيان ما سيحدث إذا تعذر تحقيق أحدها.
وهذه ليست مسألة لغوية مجردة. فالذاكرة الفلسطينية لا تزال تحمل تجربة انتخابات عام 2021. يومها قطعت العملية الانتخابية شوطاً بعيداً، وشُكلت القوائم وانتهى الترشح، قبل أن يصدر قرار التأجيل "إلى حين توفر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس". الصياغة المستخدمة اليوم ليست مطابقة، لكنها تقترب منها في نقطة أساسية: ربط الاستحقاق الانتخابي مرة أخرى باكتمال الجغرافيا الفلسطينية وتوافر شروط إجراء الاقتراع فيها جميعاً. وإذا كانت القدس هي العقدة الأبرز عام 2021، فإن غزة اليوم تضيف مستوى من التعقيد السياسي والميداني واللوجستي أكبر بكثير.
ولا يعني ذلك أن المطالبة بانتخابات تشمل القدس وغزة موضع اعتراض. العكس هو الصحيح؛ فلا معنى سياسياً لانتخابات فلسطينية تستبعد القدس، كما أن انتخابات تقتصر على الضفة الغربية من دون قطاع غزة يمكن أن تعمق الانقسام بدلاً من تجاوزه. المشكلة ليست في المبدأ، بل في تحويله إلى شرط مطلق من دون طرح بدائل واضحة في حال منعت إسرائيل إجراء الانتخابات في القدس أو تعذر تنظيم الاقتراع المتزامن في غزة. عندها يصبح حق الفلسطينيين في تجديد مؤسساتهم الديمقراطية رهينة ظروف يملك الاحتلال قدرة كبيرة على تعطيلها.
ثم يأتي الحوار الوطني. الدعوة إلى "الشروع فوراً في حوار وطني فلسطيني شامل" يمكن أن تشكل فرصة حقيقية لإعادة بناء حد أدنى من التوافق الوطني، ولا يقول البيان إن هذا الحوار شرط سابق لإجراء الانتخابات. لكن وضعه في قلب المشهد، قبيل الحديث عن الاستحقاق الانتخابي، يجعل من الضروري الانتباه إلى المسار الذي سيتخذه هل سيبقى حواراً موازياً للعملية الانتخابية ومسانداً لها، أم يتحول تدريجياً إلى محطة سياسية يتوقف عليها المضي فيها؟ ويتعزز هذا الاحتمال مع استخدام تعبيرات مثل "تهيئة الظروف" للانتخابات، وهي تعبيرات مرنة سياسياً وقابلة لتفسيرات متعددة.
ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق القول إن قرار التأجيل قد اتُّخذ. الوقائع الرسمية حتى الآن تقول غير ذلك. فقد فتحت لجنة الانتخابات باب الترشح، وأكدت في 27 أيلول، بعد تعديل مدة الترشح، أن موعد الاقتراع في 28 تشرين الثاني "يبقى ثابتاً" وأنها ماضية في تنفيذ العملية وفق المرسوم الرئاسي. وهذه حقيقة يجب ألا تُهمَل في أي قراءة نقدية مسؤولة.
لكن المشكلة لم تعد في إعلان التمسك بالانتخابات، فهذا الموقف بات واضحا، وإنما في قدرة هذا الالتزام على الصمود أمام الشروط التي أحاطت به. فالبيان لا يوضح ما الذي سيحدث إذا أمكن إجراء الانتخابات في الضفة وتعذر ذلك في القدس أو غزة، ولا يطرح ترتيبات بديلة تضمن استمرار العملية الانتخابية إذا فشل أحد شروط التزامن. وهذه الفجوة تحديداً هي التي تجعل احتمال التأجيل قائما ومفتوحا سياسيا.
في واقع فلسطيني شديد الاضطراب، تتداخل فيه الإبادة والتهجير والاحتلال والانقسام مع أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، يصعب التعامل مع 28 تشرين الثاني بوصفه موعداً مضمونا. فكلما اتسعت الشروط اللازمة لإجراء الانتخابات، وضاقت قدرة الفلسطينيين على التحكم في تحقيقها، اتسعت في المقابل مساحة التأجيل. ورغم أن المسار الرسمي ما زال قائماً، وأن لجنة الانتخابات تؤكد ثبات الموعد، فإن لغة البيان تترك الباب مفتوحاً أمام العودة، عند أول تعذر جدي في القدس أو غزة، إلى منطق "انتظار توفر الشروط". وفي ضوء التجربة الفلسطينية السابقة والواقع القائم، أصبح احتمال ألا تصل العملية الانتخابية إلى يوم الاقتراع احتمالاً جدياً لا يمكن تجاهله. وإذا حدث ذلك، فلن تكون المشكلة في تأجيل موعد آخر فحسب، بل في إطالة أزمة نظام سياسي طال انتظاره لتجديد شرعيته عبر صناديق الاقتراع.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


