خالد فحل يكتب لوطن: حين يصبح الهاتف حاجزًا آخر: شركات التحصيل ولغة التهديد

29.09.2026 06:52 PM

لم يعد المواطن الفلسطيني يخشى فقط تأخر راتبه، أو تراكم أقساطه، أو عجزه عن الوفاء بالتزاماته في موعدها؛ صار يخشى أيضًا أن يرن هاتفه.

على الطرف الآخر صوتٌ لا يسأل كثيرًا عن أوجاع الناس ولا عن ظروفهم، بل يبدأ بالتذكير بالدين، ثم ينتقل إلى الضغط، وبعده إلى الوعيد، وكأن المواطن لم يعد إنسانًا يمر بأزمة مالية، بل ملفًا يجب إخضاعه بأي طريقة.

هذه ليست طريقة تحصيل أموال، هذه صناعة للخوف.

نعم، للدائن حقه، ولشركات التحصيل حق متابعة المستحقات وفق القانون، لكن لا أحد منحها حق تحويل الهاتف إلى غرفة تحقيق، ولا منح موظفيها سلطة التهديد والترويع، ولا جعل كرامة المواطن جزءًا من إجراءات استرداد الدين.

المشكلة ليست في أن يُطلب من المواطن أن يدفع ما عليه؛ المشكلة في الطريقة التي يُطلب بها ذلك.

فحين يتحول الاتصال إلى تهديد، وحين تصبح عبارة «سندفعك إلى ما لا تريده» جزءًا من الخطاب، وحين يشعر المواطن أن هناك من يطارده في هاتفه وبيته وعمله، فإننا لم نعد أمام تحصيل مالي طبيعي، بل أمام ممارسة ضغط نفسي تستحق أن تُراقب وتُحاسب.

المواطن الذي يعاني من أزمة مالية لا يحتاج إلى من يذكّره كل يوم بأنه محاصر. هو يعرف ذلك جيدًا. يعرف معنى أن ينتظر نصف راتب، وأن تتراكم عليه فاتورة الكهرباء والماء والتعليم والعلاج، وأن يصبح القسط الذي كان يستطيع دفعه بالأمس عبئًا يستحيل حمله اليوم.

ثم يأتيه صوت من شركة تحصيل ليقول له، بلهجة لا تخلو من التهديد: ادفع الآن.

من أين؟

هذا هو السؤال الذي لا يُطرح.

لا أحد يسأل من أين سيأتي الموظف الذي تقلص دخله بالأساس، ولا كيف ستدفع الأسرة التي أصبحت تقسم راتبها بين الضروريات، ولا ماذا يفعل الإنسان حين يصبح راتبه كله موزعًا قبل أن يصل إلى يده.

المطلوب منه فقط أن يدفع.

وكأن الأزمة الاقتصادية لا وجود لها، وكأن المواطن يعيش في فراغ، وكأن الدين نشأ من ترف أو رغبة في التهرب، لا من واقع اقتصادي قاسٍ يعرفه الجميع.

والأخطر من ذلك أن بعض أساليب التحصيل تستند إلى تخويف المواطن بما قد يحدث له إذا لم يدفع، بدل أن تضع أمامه حلولًا واقعية لإعادة الجدولة والتسوية. وهنا يجب أن تكون الجهات الرقابية أكثر حضورًا، لأن ترك الباب مفتوحًا أمام التخويف يعني ببساطة تحويل حاجة الإنسان إلى فرصة لممارسة الضغط عليه.

نحن لا نطالب بإسقاط الديون، ولا بإلغاء حقوق الدائنين، ولا بمنح أحد حصانة من التزاماته. نحن نتحدث عن قاعدة أبسط من ذلك كله: استرداد المال حق، وإذلال الإنسان ليس حقًا.

الاحتلال جعل الحاجز أداة للسيطرة على تفاصيل حياة الفلسطيني؛ يمنع، ويفتش، ويؤخر، ويهدد، ويترك الإنسان واقفًا أمام القوة لا أمام القانون. وما يجب أن يخيفنا اليوم أن تتسلل بعض أدوات الضغط نفسها، من حيث اللغة والممارسة، إلى حياتنا الاقتصادية والاجتماعية، فيصبح المواطن محاصرًا من الخارج ومن الداخل.

مرة من الاحتلال، ومرة من ضيق الراتب، ومرة من البنك، ومرة من شركة التحصيل.

إلى أين يذهب هذا المواطن؟

ومن يحميه عندما تتحول المطالبة المالية إلى مطاردة نفسية؟

إن كان هناك قانون ينظم شركات التحصيل، فليُطبق. وإن كانت هناك تجاوزات، فليكن هناك حساب. وإن كان المواطن متعثرًا، فليُفتح أمامه باب التسوية بدل أن يُفتح في وجهه باب التهديد.

لا يمكن أن نبني مجتمعًا عادلًا على الخوف.

ولا يمكن أن نطالب المواطن بالصمود في وجه الاحتلال، ثم نتركه وحيدًا أمام منظومة اقتصادية تضغط على عنقه كلما تأخر عن سداد قسط.

الإنسان ليس رقم حساب.

وليس ملف تحصيل.

وليس صوتًا ضعيفًا على الطرف الآخر من الهاتف يمكن إخافته بجملة أو تهديد.

إن كانت شركات التحصيل تريد أموالها، فلتذهب إلى القانون.

أما كرامة الناس، فليست دينًا مستحقًا لأحد.

فالمال يُسترد بالقانون، أما الخوف فلا ينبغي أن يكون أداة لتحصيله.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير