الانتخابات.. هل قرارها في القاهرة أم أن القاهرة تناقش أمراً محسوماً؟

كتب د. رياض حسان: لم تعد الانتخابات التشريعية مطلباً داخلياً خالصاً نابعاً من حاجة وطنية لتجديد الشرعيات بعد ثمانية عشر عاماً من التعطيل فحسب، بل تحولت إلى ضرورة ملحة تفرضها حسابات خارجية.
فمنذ عام 2023، ربطت تقارير وتصريحات الاتحاد الأوروبي، وهو الممول الأكبر للسلطة الفلسطينية، استمرار الدعم المالي بحزمة إصلاحات على رأسها إجراء انتخابات عامة وتشكيل حكومة تحظى بالشرعية. لقد توقف "الصراف الآلي" الدولي بانتظار وجود جسم منتخب يمكن مساءلته. انتخابات مطلوبة بمنطق الرقابة المالية أكثر منها بمنطق الممارسة السياسية.
وفي خضم هذا الضغط، جاء الحوار الحالي المنعقد في القاهرة بين الفصائل الفلسطينية ليطرح السؤال الجوهري الذي يتجنب الجميع الإجابة عنه:
*هل تملك الفصائل المجتمع في القاهرة فعلاً قرار تأجيل الانتخابات أو رفضها إذا لم تتوفر شروطها الوطنية؟ أم أن القرار قد حُسم مسبقاً في عواصم أخرى، وما يجري في القاهرة هو مجرد نقاش حول ترتيبات أمر واقع؟
كل المؤشرات تدل على أننا أمام السيناريو الثاني.
فجدول أعمال حوار القاهرة، كما تسرب من مصادر مطلعة، لا يناقش مبدأ إجراء الانتخابات من عدمه، بل يناقش آلياتها فقط: نظام التمثيل النسبي، والجدول الزمني، وضمانات إجرائها في القدس. أي أن النقاش انتقل من سؤال "هل نُجري الانتخابات؟" إلى سؤال "كيف نُجريها؟".
وهذا يعني أن القرار السياسي قد اتخذ، وما على الفصائل الفلسطينية إلا التوافق على إخراجه إلى النور والفعل بأقل الخسائر.
وهنا تكمن خطورة المشهد. لقد تم تحويل الفصائل من أصحاب قرار وطني يملكون حق دراسة البيئة وتهيئتها، إلى لجنة ترتيبات فنية مهمتها إضفاء الشرعية الفلسطينية على انتخابات مطلوبة دولياً ومحليا بالتأكيد ولكن ضمن أجواء مناسبه ورؤية واضحه . ولهذا ولعدم ذلك نرى المنافسة تأخذ شكل "كسر العظم" داخل البيت الواحد وبين الفصائل المختلفة، لأن الجميع يدرك أن القطار منطلق لا محالة، فمن الأفضل حجز مقعد فيه بدلاً من الوقوف على الرصيف والندم على ضياع تذكرة الركوب ولو حتى بالدرجة العاشره بالقطار .
إننا بهذه العقلية لا نذهب إلى انتخابات قررنا نحن توقيتها وشروطها، بل نذهب إلى انتخابات قرر لنا الآخرون توقيتها وشروطها. كمن أهمل الدراسة لسنوات، ثم استدعي فجأة إلى قاعة الامتحان لأن "المدرب الأجنبي" قرر موعد الامتحان.
إن أخطر ما قد يخرج به حوار القاهرة ليس فشله، بل نجاحه الشكلي. أن يخرج ببيان توافقي يزكي انتخابات شكلية ترضي الممول الخارجي، دون أن يضمن ثلاثة شروط جوهرية تجعلها شأناً داخلياً حقيقياً:
*أولاً:* ضمان إجراء الانتخابات في القدس ترشحاً وانتخاباً ودعاية، وليس مجرد صناديق رمزية.
*ثانياً:* تعهد مسبق وملزم من جميع الأطراف باحترام نتائجها في الضفة وغزة، حتى لا نكرر مأساة انقسام 2006.
*ثالثاً:* أن يكون هدف المجلس القادم هو حماية المشروع الوطني وإعادة بناء النظام السياسي، لا أن تكون وظيفته الأولى تقديم أوراق اعتماده للمانحين.
إذا لم يملك المتحاورون في القاهرة حق قول "لا" أو "ليس الآن"، فهذا ليس حواراً وطنياً، بل هو مراسم تسليم لتعليمات قادمة من الخارج بغطاء فلسطيني.
الانتخابات يجب أن تكون قراراً فلسطينياً جامع ويؤكد عليه المجتمعون في القاهرة، لا ترتيباً فلسطينياً في القاهرة لقرار اتخذ في بروكسل.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


