ثلاثة كيلومترات… وست ساعات للوصول إلى البيت

24.09.2026 07:05 AM

كتب م. غسان جابر: أمس اكتشفت أن ثلاثة كيلومترات في فلسطين يمكن أن تحتاج إلى ست ساعات.

لا، ليست نكتة.

ولا يوجد خطأ في الحساب.

كنت عائداً من رام الله إلى الخليل، في رحلة يفترض أن تكون عادية: سيارة، طريق، بيت، عائلة تنتظر. لكن الاحتلال قرر إغلاق مداخل ومخارج رام الله، وفجأة أصبحت العودة إلى البيت مشروعاً مفتوحاً على المجهول.

في طريق عودتي، لم أتمكن من قطع سوى ثلاثة كيلومترات.

ثلاثة فقط.

ثم توقف كل شيء.

أنا وعشرات الآلاف من الفلسطينيين وجدنا أنفسنا عالقين في الطرق الالتفافية، ننتقل من طريق إلى طريق، ومن التفاف إلى التفاف، وكلما ظننا أننا وجدنا مخرجاً، اكتشفنا أن المخرج نفسه مغلق.

بعد ساعة، كان السؤال: أي طريق نسلك؟

بعد ساعتين: هل هناك طريق آخر؟

بعد ساعات: هل سنصل أصلاً؟

وبعد ست ساعات، أصبح السؤال الأكثر واقعية: أين سننام؟

هكذا يمكن للاحتلال أن يعيد تعريف المسافة.

ثلاثة كيلومترات على الخريطة.

ست ساعات في السيارة.

وبيت الخليل يتحول من عنوان معروف إلى أمنية مؤجلة.

ولو كانت هذه مسابقة في «العودة إلى نقطة البداية»، لكنا حطمنا الرقم القياسي. بعد ست ساعات من محاولة الخروج، عدنا أدراجنا إلى رام الله.

نعم، عدنا إلى المكان الذي كنا نحاول مغادرته.

والأكثر عبثية أن لا أحد كان يبحث عن مغامرة.

بيننا عائلات، وعمال، وطلاب، ومرضى، وأناس يريدون شيئاً بسيطاً جداً: العودة إلى بيوتهم.

لكن في فلسطين، حتى العودة إلى البيت تحتاج أحياناً إلى معرفة رأي الاحتلال في الطريق.

انتظرنا الصباح.

ولم يكن الصباح بداية يوم جديد بقدر ما كان محاولة جديدة للوصول إلى البيت.

أنا أحكي تجربتي، لكنني لم أكن وحدي فيها. آلاف الفلسطينيين عاشوا ليلة مشابهة، كل واحد يحمل قصته، وقلقه، وهاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين، وعائلة تنتظر خبراً بسيطاً: «وصلنا».

وهنا تحديداً تتجاوز الحكاية الطريق.

لأن الاحتلال لا يحتاج دائماً إلى أن يضع جندياً أمامك كي تشعر بأنه يتحكم بحياتك. أحياناً يكفي أن يغلق مدخل مدينة ومخرجها، ويتركك تكتشف بنفسك معنى أن تكون المسافة بينك وبين بيتك ثلاثة كيلومترات… لكنها تحتاج ست ساعات.

وهنا، بصراحة، بدأت أفكر في الانتخابات القادمة.

سيبدأ موسم البرامج والوعود والشعارات، وسنسمع كثيراً عن المستقبل: الدولة، الاقتصاد، التنمية، الإصلاح، تحسين حياة المواطن.

كل ذلك مهم.

لكن بعد ليلة كهذه، يصبح المستقبل سؤالاً أكثر بساطة:

ماذا يعني المستقبل لمواطن لا يستطيع أن يضمن طريق عودته إلى بيته؟

ربما نحتاج في هذه الانتخابات إلى أن نتذكر أن السياسة ليست فقط ما يُكتب في البرامج، ولا ما يُقال فوق المنصات.

السياسة أيضاً هي الطريق الذي يسلكه العامل إلى عمله، والطالب إلى جامعته، والمريض إلى علاجه، والأب إلى بيته.

هي الوقت الذي تسرقه الحواجز والإغلاقات من أعمار الناس.

وهي تلك اللحظة التي تنظر فيها إلى الساعة بعد ست ساعات، فتكتشف أنك قطعت ثلاثة كيلومترات فقط.

لذلك، عندما يبدأ الجميع بالحديث عن الطريق إلى المستقبل، لن أطلب كثيراً.

ثلاثة كيلومترات فقط.

ثلاثة كيلومترات قطعتها في ست ساعات، ثم عدت إلى رام الله لأنني لم أستطع الوصول إلى الخليل. وفي الصباح اكتشفت أنني لم أكن عالقاً في الطريق فقط… كنت عالقاً في جغرافيا لا أملك مفاتيحها.

هذه ليست مشكلة مسافة.

هذه مشكلة حياة.

وفي موسم الانتخابات، قد يكون السؤال الأهم الذي تطرحه علينا هذه الليلة ليس: من سيقول كلاماً أجمل عن المستقبل؟

بل: ماذا سيفعل البرنامج السياسي عندما يكون الطريق إلى البيت نفسه خارج سيطرة المواطن؟

ثلاثة كيلومترات.

ست ساعات.

ثم العودة إلى نقطة البداية.

هكذا كانت رحلة الأمس من رام الله إلى الخليل.

وفي موسم الانتخابات سيحدثوننا كثيراً عن الطريق إلى المستقبل.

أما أنا، فأريد أولاً أن أعرف: من سيعيد لنا الطريق إلى البيت؟

لأن الاحتلال لا يحتاج دائماً إلى أن يأخذ منك بيتك…

يكفيه أحياناً أن يمنعك من الوصول إليه.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير