قــــراءة فـــي خطــــاب الخطــــوط الحمـــــراء .. المــــلك عبـــد الله الثاني يكســـر قواعــــد إدارة الصـــراع

كتب الباحث فـــوّاز إبراهيــــم عطيــــة: تميّز خطاب الملك الأردني الملك عبد الله الثاني يوم أمس، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، بوضوح صريح ونبرة تحذيرية غير مسبوقة، فتعابير خطابه وجوارحه وحواسه خير شاهد على ذلك، حيث ركّز بشكل مباشر على تداعيات السياسات الإقليمية الراهنة والتحديات المباشرة التي تمس الأمن القومي للمنطقة، ويمكن اجمال خطابه بالنقاط التالية:
1. تحذير صريح بشأن الأمن القومي الأردني والحدود الشمالية، فاعتبر الملك بوضوح لا يقبل اللبس بأن التحركات العسكرية الإسرائيلية التوسعية ووجودها في جنوب سوريا يشكلان تهديدا إقليميا خطيرا، معتبرا بأن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي، هو تهديد مباشر للأمن القومي الأردني، مؤكدا على أن الأردن لن يقف مكتوف الأيدي تجاه هذه التطورات.
2. انتقد المجتمع الدولي الذي يدير الصراع بدل حلِّه، فقد أشار الملك إلى أن المجتمع الدولي اختار لسنوات طويلة إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلا من معالجته جذريا، مما أدى إلى تحويل الإجراءات والممارسات المؤقتة والانتهاكات المستمرة إلى سياسات واقعية مفروضة.
3. تقويض حل الدولتين: نبه الملك في الخطاب إلى أن ما يشهده قطاع غزة والضفة الغربية من توسع استيطاني وتهجير قسري يهدف عمليا إلى تدمير أسس الدولة الفلسطينية وإحالة قيامها إلى أمر مستحيل.
4. تأكيد على الثوابت بحصوص الموقف الأردني والوصاية الهاشمية الوصاية على المقدسات: فقد جدد التأكيد على التزام المملكة التاريخي والقانوني بمواصلة حمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، والمحافظة على الوضع التاريخي القائم.
5. السيادة والحق الإنساني: كما شدد الملك على أن قيام الدولة الفلسطينية ليس مكافأة يتعين على الفلسطينيين إثبات استحقاقهم لها، بل هو حق أصيل وثابت لا جدال فيه.
6. النموذج الدبلوماسي: بيّن الملك أن الأردن يحرص على تقديم نموذج قائم على الانفتاح والثبات على المبادئ والقوانين الدولية، وأوضح أن التزام الأردن بالسلام والدبلوماسية نابع من رؤية راسخة، لكنه ليس علامة ضعف ولن يكون على حساب الحقوق العادلة أو القيم الإنسانية.
هذه المبادئ التي أمكن اجمالها في خطاب الملك، ما هي إلا حالة تعكس وتُعبر عن طبيعة الخطاب الكلي والشمولي والانتقالي من مرحلة اللهجة الدبلوماسية إلى مرحلة الحسم، حيث وضع الملك المجتمع الدولي أمام مسؤولياته المباشرة، لحفظ الأمن والاستقرار ومنع القفز فوق القوانين الدولية التي تحكم المنطقة.
لذلك أرى أن في خطاب الملك عبد الله الثاني امام الجمعية العامة للأمم المتحدة، له منظور قانوني دولي ودستوري وانساني، فالخطاب يؤكد على مفاهيم ومبادئ أساسية وردت في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية، إذ يمكن ابراز أهم تلك المفاهيم بما يلي:
أ- الخطاب وصف التهجير القسري كـ "جريمة حرب" (وهي جريمة وردت في القانون الدولي الإنساني)
• التكييف القانون: حيث أكد الخطاب السامي للملك على رفض التهجير القسري للفلسطينيين واعتباره "خط أحمر" و"جريمة حرب" يستند مباشرة إلى المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحظر النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص الخاضعين للاحتلال.
• نظام روما الأساسي: يُصنّف التهجير القسري والسعي لتغيير التركيبة الديمغرافية للأراضي المحتلة كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب المادتين 7 و8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ب- مفهوم "الحق الأصيل" في تقرير المصير واستقلال الدولة
• الطبيعة القانونية للحق: التشدد على أن قيام الدولة الفلسطينية "ليس مكافأة أو مشروطا بمسارات تفاوضية يتطابق مع المبدأ المستقر في القانون الدولي بأن حق تقرير المصير (Self-Determination) هو حق أصيل وقاعدة آمرة (Jus Cogens) لا تقبل التعطيل أو الشروط السياسية.
ت- الشرعية الدولية: الموقف الأردني يرسخ القيمة القانونية للقرارات الأممية (مثل قراري مجلس الأمن 242 و338، وقرارات الجمعية العامة) بوصفها سندا قانونيا ومرجعيا لإقامة الدولة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ث- الوضع القانوني والدستوري للوصاية الهاشمية على المقدسات
• المعاهدات الدولية: تستند الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس إلى أطر قانونية دولية وثنائية محددة، أبرزها:
1. اتفاقية وادي عربة (1994): المادة (9/2) التي تعترف بالدور الخاص للأردن في الرعاية والمحافظة على الأماكن المقدسة في القدس.
ج- اتفاقية عام 2013: الاتفاقية التاريخية الموقعة بين الملك عبد الله الثاني الرئيس محمود عباس بصفتها صيانة وتأكيداً قانونياً للوصاية الهاشمية.
ح- الوضع القائم (Status Quo): حذر الخطاب من أن أي مساس بـالوضع القانوني والتاريخي القائم في القدس، يعد خرقا لقواعد القانون الدولي والتزامات الدولة القائمة بالاحتلال.
خ- الدفاع الشرعي وحماية أمن الحدود (ميثاق الأمم المتحدة)
• المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة: التأكيد الصارم على حماية الحدود الأردنية الشمالية والأمن المائي الأردني يجد سنده القانوني في "الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن النفس" (Individual Self-Defense) المكرس في المادة 51 من الميثاق، متى ما تعرض أمن الدولة أو إقليمها لتهديدات مباشرة.
د- مبدأ احترام السيادة والتخوم: يعكس الموقف القانوني التزاما بمبدأ احترام عدم المساس بالحدود الدولية والسيادة الإقليمية للدول (Utis Possidetis Juris).
ذ- نقد "إدارة الصراع" وتآكل مبدأ وسيادة القانون الدولي
• انهيار مبدأ الامتثال: أشار الخطاب عمليا إلى ثغرة قانونية وسياسية حادة وهي أن الاعتماد على الاتفاقيات المؤقتة وإدارة الصراع، دون إنفاذ أحكام القانون الدولي، أدى إلى تحويل الانتهاكات (كالاستيطان والضم الفعلي) إلى واقع مفروض.
• المسؤولية الدولية: يضع الخطاب المجتمع الدولي وأجهزة الأمم المتحدة (مجلس الأمن والجمعية العامة) أمام مسؤولياتها القانونية الملزمة بموجب المادة 1 من ميثاق الأمم المتحدة الداعية إلى حفظ السلم والأمن الدوليين وإزالة الأسباب المهددة لهما.
لذلك، أرى أن هذا الخطاب المهم والتاريخي في هذه الظروف الحساسة الدقيقة، شكل وثيقة قانونية ودبلوماسية تُعيد التأكيد على المرجعيات الصلبة للقانون الدولي والميثاق الأممي، ورفض أي محاولات سياسية من الجانب الاسرائيلي لفرض واقع جديد يخالف التزامات المجتمع الدولي والقرارات الآمرة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


