د. مروان طوباسي يكتب لوطن: من نيويورك... "لِنَكُن نِدّاً" بين شرعية القوة وقوة الشرعية.

لم يكن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد عرض لمواقف إدارته، بل عكس رؤية للعالم تقوم على أولوية القوة والمصلحة القومية لرأس المال الأميركي، والتعامل الانتقائي مع القانون والمؤسسات الدولية عندما تتعارض مع خيارات الدولة التي تعتبر نفسها الأقوى. فالتهديد باستخدام القوة الغاشمة والهجوم على المحكمة الجنائية الدولية وازدواجية المعايير، تعكس اتجاهاً تصبح فيه القوة أداة لصناعة الشرعية، بدلاً من أن يكون القانون قيداً عليها.
وفي المقابل، عبّرت كلمات عدد من القادة بالجلسة الأولى عن رفض متزايد لمنطق الهيمنة. فحذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من العودة إلى «قانون الغاب»، ورفض الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا سياسات الهيمنة والاحتلال والتدخل في شؤون الدول، فيما حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من جرائم الإبادة بحق شعبنا. ولخّص الملك الأردني عبد الله الثاني جانباً من المعضلة بقوله إن المجتمع الدولي اختار طوال عقود إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بدلاً من حله. أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش فلخّص جوهر المسألة بالتأكيد أن السلام يعني تقييد القوة بالقانون.
نحن إذن أمام صراع يتجاوز فلسطين بين «شرعية القوة» و«قوة الشرعية»، فيما تبقى قضيتنا أحد أكثر الاختبارات وضوحاً لمصداقية النظام الدولي.
وفي هذا المشهد تتجه الأنظار اليوم إلى كلمة الأخ الرئيس محمود عباس عبر الفيديو، بعد منعه والوفد الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك. وهنا تبدو الحاجة إلى خطاب يحمل موقفاً ومبادرة يمكن اختصار جوهرهما بكلمتين: «كُن نِدّاً».
والندية تعني أن نتحدث باعتبارنا أصحاب قضية تحررية وحقوق غير قابلة للتصرف، لا طالبي مِنّة من أحد، وأن نؤكد استقلال القرار وحفظ الكرامة وحق المبادرة، والتمسك بوحدة الأرض والشعب والقضية والولاية الوطنية، ورفض أن يصبح مستقبل غزة أو نظامنا السياسي موضوعاً لترتيبات تُقرر من خارجنا.
و«كُن نِدّاً» تعني أيضاً امتلاك شجاعة المراجعة، فبعد ثلاثة وثلاثين عاماً على «أوسلو»، تمدد الاستيطان، وعُزلت القدس، وتتعرض الضفة للتفتيت، فيما بقي الاحتلال صاحب السيطرة الفعلية على الأرض والحدود والموارد. والمراجعة ليست محاكمة للماضي رغم ضرورتها، بل شرط لتصحيح المسار عندما تتغير شروط الصراع، بجرأة إعلان ذلك أمام العالم.
و«كُن نِدّاً» تعني ألا تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة انتظاراً لما تقرره واشنطن، دون أن يعني ذلك القطيعة معها، بل توسيع خياراتنا الدولية، وعدم حصر قضيتنا في بوابة سياسية واحدة، والاستفادة من التحولات الدولية الجارية ومواقف «البريكس» والجنوب العالمي ودول أوروبية.
وتعني كذلك الانتقال من مطالبة العالم بتنفيذ قراراته إلى استخدام ما تتيحه الشرعية الدولية من أدوات سياسية وقانونية ودبلوماسية، وتحويل الاعتراف المتزايد بدولة فلسطين من شأن رمزي إلى قوة عملية لمواجهة الضم والاستيطان والتهجير والتهويد، والتمسك بمسار المحاكم الدولية بمساءلة ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية وحق شعبنا بالتعويض.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف أمام دلالات قرار مجلس الأمن ٢٨٠٣ وما قد يفتحه من ترتيبات وصاية على غزة وإدارة سكانها بدلاً من إنهاء الاحتلال. فغزة كالقدس ليست فراغاً سياسياً، بل جزء أصيل من دولة فلسطين ووحدة أرضها وولايتها الوطنية، ومنظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا والمرجعية السياسية والقانونية لمؤسسات دولة فلسطين، مع ضرورة استنهاضها وتطويرها.
لكن الندية مع الخارج تبدأ من الداخل، فلا قرار وطني مستقل من دون شرعية وطنية متجددة. لذلك فإن إجراء الانتخابات في موعدها، وإنهاء الانقسام، وتطوير منظمة التحرير وتجديد مؤسساتها بما فيها المجلس الوطني، وتعزيز الديمقراطية وفصل السلطات وقيم العدالة وسيادة القانون، وإعادة الشعب إلى موقعه باعتباره مصدر السلطات، ليست ملفات داخلية منفصلة عن المواجهة، بل مصادر للقوة تعزز مصداقيتنا أمام العالم اليوم.
لقد مُنع الرئيس من الوصول إلى نيويورك، لكن فلسطين لم تُمنع من الحضور. وتصويت ١٥٢ دولة لصالح مشاركتها حمل بحد ذاته رسالة بأن إرادة دولة واحدة، مهما بلغت قوتها، لا تختصر إرادة المجتمع الدولي. والذاكرة تستعيد عام ١٩٨٨، حين مُنع الرئيس الشهيد ياسر عرفات من دخول نيويورك، فانتقلت الجمعية العامة إلى جنيف ليستمع العالم إليه. وبين نيويورك وجنيف تتكرر المسألة ذاتها، قوة تحاول المنع، وشرعية تمتلك أدوات لفرض حضورها.
فالندية لا تعني توهّم تساوي موازين القوة، بل ألا نسمح لاختلالها بأن يسلبنا استقلال القرار والكرامة وحق المبادرة، وأن نحسن استثمار التضامن الدولي المتسع وتغير الرأي العام العالمي والعزلة السياسية والأخلاقية المتنامية لإسرائيل، وتحويلها إلى رصيد سياسي وقانوني ودبلوماسي فلسطيني.
وهذه هي الرسالة التي نحتاج أن تصل من فلسطين إلى نيويورك، نحن لسنا موضوعاً في مشاريع الآخرين، ولا أسرى خيارات الماضي، بل شعب يملك حقه وإرادته والقدرة على صناعة مستقبله، فكُن نِدّاً، أيها الأخ الرئيس.
عضو المجلس الاستشاري لحركة «فتح».
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


