سمير حمدان يكتب لوطن: عندما تصبح فلسطين دكانًا في خطاب السلطة

09.09.2026 12:17 PM

 ليست أخطر كلمة قالها محمود الهباش حين وصف الجبهة الشعبية بأنها «دكان صغير»، بل العقل خلفها، عقل لا يرى الفصائل شركاء في وطن تحت الاحتلال، بل منافسين على النفوذ، ولا يقيس التنظيمات بتاريخها وتضحياتها، بل بدرجة قربها من المقاطعة، كأن الوطنية امتياز تمنحه السلطة وتسحبه ممن يعارضها .

ورد التصريح عام ٢٠١٤، وقال الهباش إن القيادة ستواصل طريقها «بالفصائل أو من دونها». احتجت الجبهة وطالبت بتوضيح، لكن الأعوام مرّت، فتحولت الجملة من زلة إلى علامة: منظمة التحرير ليست في هذا المنطق ائتلافًا وطنيًا، بل ملكية سياسية يقرر أصحابها من يدخل ومن يخرج .

إذا كانت الشعبية دكانًا، فهل كان جورج حبش صاحب دكان؟ وهل كان غسان كنفاني وأبو علي مصطفى عاملين فيه؟ يمكن نقد الجبهة، لكن اختزال تاريخها بهذه اللغة يهين فصلًا من الذاكرة الفلسطينية، ويحوّل السجون والمنافي والدماء إلى مادة لخصومة فصائلية رخيصة .

ولنتخيل أن مسؤولًا من الجبهة أو حماس وصف فتح بالدكان، هل كان ذلك اختلافًا أم إهانة لحركة ياسر عرفات وخليل الوزير وصلاح خلف؟ من حق أبناء فتح الدفاع عن حركتهم، لكن واجبهم رفض إهانة الآخرين باسمها، لأن فتح التاريخية اتسعت لشركائها، وكانت حركة تحرر تقود شعبًا، لا جهاز حكم يطلب منه الطاعة .

الأخطر أن هذه اللغة تصدر عن قاضي القضاة ومستشار الرئيس للشؤون الدينية، عن رجل يفترض أن يكون عامل جمع المنبر الديني ليس دائرة إعلامية لفتح، وحين يصبح رجل الدين محاميًا دائمًا عن السلطة، يتحول الدين من سلطة أخلاقية تحاسب الحاكم إلى لغة تحرسه. وهذه ليست إدانة لفتح، بل دفاع عن تاريخها وأبنائها الشرفاء، فالمحاسبة وحدها تمنع تحويل إرثها الوطني إلى غطاء للتفرد .

والمشكلة ليست عبارة قديمة، لأنها تظهر بينما يجري التحضير لانتخابات المجلس الوطني في الأول من تشرين الثاني ٢٠٢٦ , السؤال ليس: هل ستجري انتخابات؟ بل: هل سيُسمح للفلسطيني أن يختار؟ فالانتخاب الحقيقي يحتاج حرية تنظيم وإعلام وحملات، لا صندوقًا معزولًا , الشرعية لا تولد من مرسوم، ولا من مجلس يعاد ترتيبه ثم يطلب من الشعب التصفيق له .

ما جرى في الكويت إنذار مبكر. بدل اقتراع مباشر وواسع لأبناء الجالية، اختير ممثلون عبر «مجمع انتخابي» في السفارة، وانتخب عضوان لتمثيل عشرات الآلاف من الفلسطينيين , رفضت جهات من الجالية العملية بوصفها مهزلة وإجراءً شكليًا. المشكلة ليست في الفائزين، بل في القاعدة: حين تختار السلطة الناخبين قبل أن يختاروا ممثليهم، فهي بروفة لتجديد الشرعية من دون تسليمها للشعب .

عباس انتخب في كانون الثاني ٢٠٠٥ لولاية أربع سنوات، وآخر انتخابات تشريعية جرت في كانون الثاني ٢٠٠٦. جيل كامل بلغ سن الرشد بلا فرصة لاختيار رئيسه أو مجلسه ووثقت هيومن رايتس ووتش اعتقالات تعسفية بسبب النقد السلمي ,لا معنى لصندوق انتخابي إذا بقي الخوف خارجه، ولا شرعية لتمثيل يسبق فيه التعيين حق الاختيار .

النتيجة الاستراتيجية أخطر من تراجع شعبية السلطة، إنها تآكل الفكرة الوطنية. حين تغلق السياسة تنتقل المنافسة إلى الشارع، وحين تهان الفصائل تتفكك منظمة التحرير، وحين يفقد المواطن ثقته بمؤسساته يصبح الاحتلال المستفيد الأول ,عندها يستطيع أن يدعي غياب الشريك الفلسطيني الموحد، بينما تتولى السلطة، بقمعها وإقصائها، إثبات روايته عمليًا .

وهنا يظهر السؤال المحرم: هل أصبح العيش تحت الاحتلال أشرف من العيش تحت سلطة تعتقل وتقمع وتحكم بلا تفويض؟ الاحتلال لا يصبح شريفًا، حين يشعر الفلسطيني بأن السجان الغريب أقل إذلالًا من سجان يتحدث باسمه .

الحل ليس إسقاط السلطة في الفراغ، بل إعادة تأسيسها: انتخابات رئاسية وتشريعية ووطنية فعلية، اقتراع مباشر حيثما أمكن، قضاء مستقل، حظر الاعتقال السياسي، ورقابة مدنية على الأجهزة، وفصل الدين عن الدعاية الحزبية. فلسطين أكبر من فتح والشعبية وحماس، ومن يريد إنقاذ فتح فعليه تحريرها من السلطة قبل أن تبتلع تاريخها ,أخطر هزيمة أن يتحول الوطن إلى دكان، مفاتيحه في يد شخص، وأرباحه للنخبة، وفاتورته على الشعب .

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير