يونس العموري يكتب لوطن: الجبهة الشعبية وخارطة الإنقاذ الوطني... إنقاذ الوطن أم تأجيل الأزمة ..؟

طرحت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في السابع من أيلول/سبتمبر خارطة طريق من أجل الإنقاذ الوطني، باعتبارها ورقة مفتوحة للنقاش والتعديل والإثراء، وتضع في جوهرها وحدة العمل الوطني، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الفصائلية، والانتقال من الانقسام وتعدد مراكز القرار إلى مرحلة انتقالية توافقية تفضي إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة بناء منظمة التحرير، وتشكيل حكومة توافق وطني، وصولا إلى انتخابات رئاسية وتشريعية وانتخابات للمجلس الوطني بصورة متزامنة. وهي في ذلك لا تقدم مجرد دعوة جديدة للحوار، بل تحاول أن ترسم مخرجا من المأزق السياسي الذي وجد فيه المشروع الوطني نفسه...
لكن قيمة أي خارطة سياسية لا تقاس بما تقوله على الورق فقط، بل بقدرتها على التعامل مع الأرض التي يفترض أن تنقذها. وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة...
فأي حديث عن إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني اليوم لا يمكن أن يبدأ من رام الله وينتهي في غزة وكأن شيئا لم يتغير. غزة اليوم ليست مجرد طرف في انقسام فلسطيني قديم، والضفة ليست مجرد الطرف الآخر. هناك واقع جديد تشكل بفعل الحرب والخراب السياسي، وبفعل ما يجري من ترتيبات دولية وإقليمية وعربية حول القطاع، وهناك محاولة واضحة لإعادة تعريف من يدير غزة، ومن يملك قرارها، وكيف يعاد إعمارها، وما علاقتها بالضفة، ومن سيكون صاحب الكلمة في اليوم التالي.
وهنا تحديدا يصبح السؤال موجعا .. من يحكم غزة اليوم؟ ومن يملك القرار فيها؟ وهل السلطة الفلسطينية تملك فعلا القدرة على ممارسة كامل صلاحياتها في القطاع، كما تقترح خارطة الإنقاذ؟ وهل منظمة التحرير، بصيغتها الراهنة، قادرة على أن تستعيد موقعها كعنوان جامع للقرار الوطني في ظل ترتيبات يجري بناؤها حول غزة من خارج الإرادة الفلسطينية المباشرة؟
هذه ليست أسئلة نظرية. فهناك (مجلس السلام ) الذي دخل على خط ترتيبات غزة، وهناك لجنة لإدارة شؤون القطاع، وهناك إرادات دولية وإقليمية وعربية لكل منها تصورها الخاص لليوم التالي. وفي المقابل، هناك سلطة فلسطينية ومنظمة تحرير تحاولان استعادة موقعهما، وحركة حماس تملك حضورا سياسيا وميدانيا لا يمكن شطبه بقرار، وبين هذا وذاك تقف غزة أمام احتمال أن تتحول، بفعل الأمر الواقع، من جزء من جغرافيا فلسطينية واحدة إلى ملف سياسي وإداري له مساره الخاص. وهنا تصبح عبارة ( توحيد المؤسسات الفلسطينية في الضفة وغزة ) التي تطرحها الجبهة الشعبية أكثر من مجرد بند إداري. إنها معركة سياسية على مستقبل الجغرافيا الفلسطينية نفسها. لأن توحيد المؤسسات بعد أن ترسخ الانقسام الجغرافي لن يكون عملية دمج مكاتب ووزارات، بل مواجهة مع واقع جديد قد يكون الآخرون قد سبقوا إلى رسمه.
والأمر ذاته ينطبق على الضفة والقدس. فالاستيطان والضم والتهجير لا ينتظرون انتهاء الحوار الوطني، والوقائع التي تتشكل على الأرض لا تمنحنا مهلة سياسية حتى ننجز إعادة بناء منظمة التحرير أو نتوافق على شكل الحكومة الانتقالية. وحتى القدس، التي تضعها الخارطة في صلب البرنامج الوطني، ليست واقفة في مكانها تنتظر اكتمال التوافق الفلسطيني.
لهذا تبدو مبادرة الجبهة الشعبية مهمة، لكن أهميتها لا تعفيها من السؤال الأصعب .. هل تملك القوى الفلسطينية الوقت الكافي لتنفيذها؟ الجبهة تقترح مرحلة انتقالية توافقية تهيئ للانتخابات، وتؤكد بوضوح أن هذه المرحلة ليست بديلا عن الانتخابات ولا تأجيلا لها، بل مدخلا ضروريا إليها. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها طويلا، لأن كلمة ( انتقالية ) في التجربة الفلسطينية ليست بريئة دائما. كم مرحلة انتقالية عرفنا؟ وكم موعدا قيل إنه مؤقت ثم طال؟ وكم مرة تحول الاستثناء إلى قاعدة، والتأجيل إلى سياسة، والسياسة إلى أمر واقع؟ هنا يجب أن تكون الأسئلة قاسية... من يضمن أن المرحلة الانتقالية ستبقى انتقالية؟ من يحدد سقفها الزمني؟ من يفرض تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟ ومن يمنع الفصائل، أو السلطة، أو أي طرف آخر، من اكتشاف سبب جديد لتأجيل الانتخابات عندما تقترب لحظة الصندوق؟ والسؤال الأخطر .. هل نستطيع أصلا أن نتحمل كلفة التأجيل؟ ليس المقصود هنا الاستعجال بإجراء انتخابات شكلية وسط الانقسام والخراب. الانتخابات التي تعيد إنتاج الانقسام ليست إنقاذا، والصندوق الذي يصبح ساحة حرب سياسية جديدة لا يبني شرعية. وهذا تحديدا ما تحاول الخارطة تفاديه حين تشدد على تهيئة المناخ السياسي والقانوني والمجتمعي للانتخابات، وعلى ألا تتحول الانتخابات إلى ساحة جديدة للصراع الداخلي. لكن هناك فرقا هائلا بين تأجيل الانتخابات حتى نهيئ شروطا أفضل لها، وبين أن نطلب من الواقع الفلسطيني أن ينتظر بينما الآخرون يعيدون تشكيله. فالضفة تتحرك، وغزة تتحرك، والقدس تتحرك، والعالم يتحرك، والإقليم يتحرك. الإرادة الدولية ليست محايدة في رسم اليوم التالي لغزة، والإرادة العربية والإقليمية ليست بالضرورة متطابقة مع الإرادة الفلسطينية، وهناك مصالح ومشاريع مختلفة تتقاطع فوق الجغرافيا الفلسطينية. وفي مثل هذا الواقع، لا يصبح الزمن مجرد مساحة ننتظر فيها حتى نتفق، يصبح الزمن نفسه طرفا في الصراع. فهل يمكن أن نطلب من الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمنا جديدا مقابل تأجيل استحقاق ديمقراطي كان يجب أن يحدث أصلا؟ وهل تستطيع الفصائل أن تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن تأجيل آخر إذا انتهى الأمر إلى واقع أكثر سوءا؟ هذا السؤال لا يخص الجبهة الشعبية وحدها. بل يطال الجميع... فمن يتحدث عن الشرعية التاريخية عليه أن يتذكر أن التاريخ لا يمنح أحدا حق احتكار المستقبل. وفتح الرسمية، بما تحمل من مسؤولية تاريخية عن النظام السياسي الفلسطيني، لا تستطيع أن تتعامل مع أي إعادة بناء باعتبارها تهديدا لموقعها. المشكلة ليست في فتح كفكرة أو كتاريخ، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها المحافظة على المؤسسة أهم من إنقاذ الفكرة، والحفاظ على الموقع أهم من استعادة المشروع الوطني، وتتحول الشرعية التاريخية إلى حصانة سياسية... وحماس أيضا ليست خارج هذا الاختبار. لا يمكن المطالبة بشرعية الصندوق حين تكون نتائج الصندوق مناسبة، ثم التعامل مع السياسة وكأن الانتخابات تفصيل ثانوي عندما تكون الظروف مختلفة. المقاومة لا تمنح أحدا حصانة من السياسة، والسياسة لا تمنح أحدا حق إلغاء المقاومة. المطلوب أن يخرج الطرفان، وكل القوى، من استخدام المقاومة والشرعية والديمقراطية كأدوات في صراع داخلي على السلطة... واليسار، والجبهة الشعبية في مقدمته، ليس معفيا من السؤال أيضا. التاريخ النضالي لا يكفي، والرصيد الوطني لا يكفي، والكوادر لا تكفي إذا بقيت القوة السياسية أقل بكثير من حجم الخطاب. المعارضة الطويلة ليست إنجازا في حد ذاته، واستعادة الأمجاد لا تصنع مستقبلا. الكادر الذي يعرف كيف يروي سيرة الحركة ليس بالضرورة قادرا على صناعة مستقبلها.
وهنا ربما تكون مبادرة الجبهة الشعبية فرصة لها قبل أن تكون فرصة للآخرين. لقد وضعت أمام الجميع خارطة تقول إن المطلوب إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، وتشكيل مجلس وطني جديد خلال المرحلة الانتقالية، وتشكيل حكومة توافق وطنية موحدة، ثم إجراء انتخابات شاملة للرئاسة والتشريعي والمجلس الوطني، ورفض الإقصاء والتهميش. لكن الجبهة مطالبة بأن
تسأل نفسها .. هل تستطيع أن تكون قوة سياسية تدفع بهذا المسار، أم ستكتفي بأن تكون صاحبة ورقة أخرى جيدة في أرشيف الأوراق الوطنية؟ فالخرائط لا تنقذ الأوطان وحدها. الذي ينقذها هو من يملك القوة السياسية والشجاعة والإرادة للسير بها حتى النهاية.
وهنا يعود السؤال إلى ( الكل الوطني) كله: ماذا يعني أن نتوافق على إعادة بناء منظمة التحرير بينما يجري في الوقت نفسه إعادة بناء واقع سياسي وإداري في غزة؟ ماذا يعني أن نتحدث عن حكومة واحدة بينما تتعدد مراكز القرار على الأرض؟ ماذا يعني أن نطالب بانتخابات شاملة بينما هناك إرادات خارجية تريد أن تعرف أولا من سيدير غزة، ومن سيمسك بأمنها، ومن سيدفع فاتورة إعمارها، ومن سيكون شريكا في صياغة مستقبلها؟.. هذه الأسئلة لا يمكن دفنها تحت عبارة (التوافق الوطني )... التوافق ليس أن يتفق الجميع على تأجيل الخلاف. التوافق الحقيقي هو أن يتفق الجميع على إنهاء الأسباب التي تجعل الخلاف نظاما دائما.
ولذلك فإن خارطة الإنقاذ تحتاج، في رأيي، إلى شيء أكثر من جدول خطوات سياسية. تحتاج إلى تصور واضح لكيفية استعادة القرار الوطني في مواجهة الترتيبات التي يجري إعدادها حول غزة، وكيفية منع فصل القطاع سياسيا وجغرافيا عن الضفة، وكيفية إعادة إدخال غزة في النظام السياسي الوطني لا باعتبارها ملفا إداريا منفصلا، بل باعتبارها جزءا لا يتجزأ من وحدة الأرض والقرار والمشروع... وتحتاج أيضا إلى إجابة أكثر صراحة عن علاقة منظمة التحرير بالسلطة، وعن موقع حماس وكل القوى خارج المنظمة داخل نظام سياسي جديد، وعن طبيعة السلطة التي ستنشأ في المرحلة الانتقالية، ومن يملك قرارها، ومن يحاسبها، وما هي الحدود التي تمنعها من التحول إلى سلطة جديدة فوق سلطة، أو مرحلة انتقالية بلا نهاية...
أما الانتخابات، فلا ينبغي أن تكون جائزة ننتظرها بعد أن ينتهي الجميع من ترتيب مواقعهم. الانتخابات هي التي يفترض أن تعيد إنتاج الشرعية، لا أن تكون الشرعية نفسها ذريعة لتأجيلها. نعم، لا يمكن إجراء انتخابات حقيقية في بيئة فلسطينية منهارة ومنقسمة دون ترتيبات وضمانات. لكن لا يمكن أيضا انتظار بيئة مثالية لن تأتي. لأن الذين يريدون تغيير الواقع على الأرض لا ينتظرون، والذين يريدون رسم مستقبل غزة لا ينتظرون، والذين يوسعون الاستيطان في الضفة لا ينتظرون، والذين يفرضون وقائع جديدة في القدس لا ينتظرون... فلماذا وحده القرار الفلسطيني مطالب دائما بالانتظار؟ هنا تصبح المبادرة أمام اختبارها الحقيقي. ليس اختبار صياغتها، بل اختبار قدرتها على مواجهة الزمن السياسي الذي يداهمنا. وإذا كانت المرحلة الانتقالية ضرورة، فلتكن مرحلة انتقالية حقيقية... محددة المدة، واضحة المهام، قابلة للمساءلة، مرتبطة بجدول زمني لا يستطيع أحد العبث به، ومهمتها الوحيدة تهيئة الانتقال إلى الانتخابات وإعادة بناء النظام السياسي، لا إنتاج مرحلة جديدة من إدارة الانقسام... لأننا لا نحتاج إلى اتفاق آخر على ضرورة الاتفاق. نحتاج إلى كسر الحلقة التي جعلت الاتفاق نفسه مؤجلا... والسؤال في النهاية ليس فقط .. هل تستطيع الجبهة الشعبية إنقاذ مشروعها من التهميش؟ السؤال الأكبر.. هل تستطيع القوى الفلسطينية كلها إنقاذ المشروع الوطني من أن يصبح مجرد اسم جميل لشيء يتآكل كل يوم؟ غزة أمام ترتيبات جديدة، والضفة أمام وقائع تتسارع، والقدس أمام خطر دائم، والمنظمة بحاجة إلى إعادة بناء، والسلطة بحاجة إلى إعادة تعريف، والمقاومة بحاجة إلى موقعها داخل استراتيجية وطنية، والشرعية بحاجة إلى تجديد، والشعب الفلسطيني بحاجة إلى أن يستعيد حقه في اختيار من يمثله ومن يحكمه. ..وفي ظل كل ذلك، لا يجوز أن يصبح التأجيل هو الحل الأسهل. لأن كلفة التأجيل لا يدفعها الأمناء العامون وحدهم، ولا القيادات وحدها، ولا الفصائل وحدها... يدفعها شعب كامل... وإذا كانت خارطة الإنقاذ تريد فعلا أن تكون خارطة إنقاذ، فعليها أن تجيب عن السؤال
الذي لا يحتمل المزيد من التأجيل .. هل نملك الوقت كي نؤجل؟ .... لأن أخطر ما قد يحدث ليس أن نجري الانتخابات في ظروف صعبة، بل أن نؤجلها حتى يصبح الواقع نفسه قد انتخب، نيابة عنا، من سيحكم غزة، ومن سيقرر شكل الضفة، ومن سيعيد تعريف منظمة التحرير، ومن سيحدد حدود المشروع الوطني. وعندها قد نكتشف أن المشكلة لم تعد في الصندوق الذي تأخر، بل في الوطن السياسي الذي تغير بينما كنا ننتظر...
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



