بلال غيث كسواني يكتب لوطن: الاستيطان يرتدّ على نتنياهو: حين يتحول الضغط الدولي إلى أزمة داخلية في إسرائيل

لم تعد العقوبات والإجراءات الدولية ضد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية مجرد ضغط خارجي على حكومة بنيامين نتنياهو، بل بدأت تتحول إلى قضية داخلية تدخل مباشرة في قلب المعركة السياسية والانتخابية في إسرائيل. فقرارات بريطانيا وفرنسا وكندا بشأن منتجات المستوطنات، والبيان الأوروبي المشترك الرافض للتوسع الاستيطاني، يضعان حكومة نتنياهو أمام معادلة جديدة: كل خطوة لتعزيز الاستيطان قد تفرض كلفة سياسية ودبلوماسية واقتصادية داخل إسرائيل نفسها.
وجاء القرار البريطاني والفرنسي والكندي بحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ليشكل محطة جديدة في هذا المسار. فالخطوة لا تستهدف التجارة الإسرائيلية بصورة عامة، وإنما السلع المنتجة في المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في رسالة واضحة بأن استمرار النشاط الاستيطاني ستكون له تبعات اقتصادية، وليس فقط انتقادات سياسية.
وتتجاوز الإجراءات مسألة المنتجات ذاتها، إذ تتجه بريطانيا إلى فرض عقوبات على أفراد وشركات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني، بما يشمل أنشطة البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات والخدمات المرتبطة بالمستوطنات. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من احتمال اتساع نطاقها مستقبلًا، خصوصًا مع إعلان دول أخرى استعدادها لاتخاذ إجراءات إضافية ضد الاستيطان.
أما البيان الأوروبي المشترك، فيمنح المسألة بعدًا سياسيًا أوسع، إذ يعكس تبلور موقف دولي يعتبر التوسع الاستيطاني تهديدًا مباشرًا لإمكانية إقامة دولة فلسطينية وحل الدولتين. وبذلك لا يعود الحديث عن إجراءات منفردة تتخذها دولة هنا أو أخرى هناك، وإنما عن اتجاه سياسي يتسع تدريجيًا لوضع الاستيطان أمام كلفة دولية متزايدة.
وقد لا يكون الأثر التجاري المباشر لحظر منتجات المستوطنات كبيرًا على الاقتصاد الإسرائيلي، لكن القيمة السياسية للقرار أكبر بكثير من قيمته الاقتصادية. فالمشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست حجم الصادرات التي ستتأثر، وإنما انتقال الاستيطان من كونه ملفًا خلافيًا مع الفلسطينيين والمجتمع الدولي إلى كونه نشاطًا يمكن أن يفرض كلفة على الشركات والمستثمرين والمؤسسات الإسرائيلية المرتبطة به.
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية بالنسبة لحكومة نتنياهو.
فالقرارات الدولية تأتي في وقت تقترب فيه إسرائيل من انتخابات عامة، ما يمنح المعارضة فرصة لتحميل الحكومة مسؤولية تدهور علاقاتها مع عدد من الدول الغربية. وبإمكان خصوم نتنياهو تقديم الإجراءات الجديدة باعتبارها نتيجة مباشرة لسياسة حكومته في الضفة الغربية، ولا سيما دعم التوسع الاستيطاني ورفض الضغوط الدولية.
في المقابل، تسعى الحكومة ومعها قوى اليمين إلى تقديم الإجراءات الدولية باعتبارها استهدافًا لإسرائيل ومحاولة للتدخل في شؤونها الداخلية، وهو خطاب يمكن أن يتحول إلى أداة انتخابية لحشد الناخبين حول الحكومة تحت عنوان مواجهة الضغوط الخارجية.
ولعل المؤشر الأوضح على انتقال القضية من الخارج إلى الداخل جاء من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الذي هاجم الخطوة البريطانية واعتبرها تدخلًا في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. وبغض النظر عن الموقف من توصيفه، فإن مجرد ربط رئيس الدولة العقوبات الدولية بالانتخابات يكشف حجم التحول الذي طرأ على القضية.
أما الرد الإسرائيلي الرسمي، فجاء عبر تصعيد دبلوماسي مع بريطانيا، حيث أعلن وزير الخارجية جدعون ساعر إجراءات ضد لندن، من بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، إلى جانب خطوات أخرى في العلاقات الثنائية. وبذلك لم تعد المواجهة تدور فقط حول المستوطنات، بل أصبحت جزءًا من صراع سياسي ودبلوماسي أوسع بين إسرائيل ودول غربية كانت حتى وقت قريب من أقرب حلفائها.
وتكمن خطورة التطور بالنسبة لنتنياهو في احتمال تراكم هذه الإجراءات. فإذا بقيت محصورة في حظر بعض المنتجات، يمكن للحكومة احتواء آثارها الاقتصادية. لكن اتساعها لتشمل الشركات والمصارف والمقاولين والمستثمرين المرتبطين بالمستوطنات سيجعل الاستيطان أكثر كلفة، وسيضع الحكومة أمام سؤال داخلي يصعب تجاهله: إلى أي مدى تستطيع إسرائيل الاستمرار في سياسة توسع استيطاني بينما تتحول هذه السياسة إلى عبء على علاقاتها الدولية؟
وهنا تكمن المفارقة السياسية. فالاستيطان الذي تقدمه حكومة نتنياهو لجمهورها باعتباره جزءًا من مشروعها السياسي والأمني، قد يتحول إلى أحد الملفات التي يستخدمها خصومها لمساءلتها عن مستقبل إسرائيل وعلاقاتها الدولية.
فالضغط الذي بدأ من الخارج بدأ يعود إلى الداخل؛ وما كان يفترض أن يكون مواجهة بين إسرائيل ودول غربية بشأن المستوطنات، أصبح مادة للصراع بين الحكومة والمعارضة، وبين اليمين وخصومه، وبين من يرى في الاستيطان ضمانة لمستقبل إسرائيل ومن يراه سببًا متزايدًا لعزلتها الدولية.
وبذلك، فإن أهمية القرارات البريطانية والفرنسية والكندية والبيان الأوروبي المشترك لا تكمن فقط في قيمة المنتجات التي ستتأثر أو في عدد الشركات المستهدفة، وإنما في قدرتها على تغيير طبيعة النقاش داخل إسرائيل نفسها.
فكلما اتسعت دائرة الإجراءات الدولية، سيصبح السؤال أكثر إلحاحًا داخل إسرائيل: هل تستطيع حكومة نتنياهو الاستمرار في توسيع الاستيطان دون أن تدفع إسرائيل ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا متزايدًا؟
وقد تكون هذه هي المفارقة الأهم: الاستيطان الذي تسعى حكومة نتنياهو إلى تثبيته كحقيقة على الأرض، بدأ يتحول إلى عبء سياسي داخل إسرائيل نفسها. وما كان يُنظر إليه باعتباره ورقة قوة في الضفة الغربية، قد يصبح، مع اقتراب الانتخابات واتساع الضغط الدولي، إحدى نقاط الضعف في معركة نتنياهو على السلطة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



