مرام هواري تكتب لوطن: الأمان الوظيفي.. وهمٌ في مواجهة واقعٍ راسخ...!!

في وقت تتداخل فيه الأزمات من توترات جيوسياسية وجحيم واقع ناجم عن ضغوط اقتصادية خانقة وبيئة تحكمها الاستثناءات لا السياسات، تراجعت معها قيمة الفرد الذي بات على إثرها مكبلاً بالعجز يرزح تحت وطأتها منذ سنوات. حتى أدخلته في حالة من الإنهاك أفقدت قدرته على الاحتمال، فبات يمارس حياته ويشق طريقه بعناء، في ظل فقدانه لمقومات الحياة أقلها الشعور بالأمن والأمان في مختلف مناحي الحياة، خصوصاً الاقتصادية منها والتي كانت قد استقرت عند حالة من الجمود لتبقى جيوبهم وحدها شاهدةً على واقع الحال، ليصبح على إثرها العيش بالوطن معركة من أجل البقاء...!! فوسط هذا المشهد القاتم وفي تتابع ملحوظ لطاحونة البطالة التي باتت اليوم تسحق الآلاف. عادت لتطفو الى السطح معضلة إنسانية تطايرت شظاياها لتصيب الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية وهو العامل بدون أدنى شك، أساسها غياب الحق في الأمان الوظيفي الذي نصت عليه وأقرته اللوائح العمّالية والمعاهدات باعتباره الملاذ الآمن والدرع الحديدي الذي يحمي الموظف من أي اضطهاد ولما تشكله من حاجة ملحة وضرورية في جميع القطاعات دون استثناء، وانعدام توفرها لم يعد بأزمة عابرة بل خللاً بنيوياً في منظومة العمل والعمال تستوجب الوقاية والمساءلة وتطبيق العدالة والمساواة بين طريفين احدهما يملك الإدارة والقرار وآخر يبحث عن فرصة لتحقيق ذاته وتأمين معيشته، ومن هذا المنطلق ووسط صخب الشعارات التي تنادي بحقوق الانسان والعدالة والمساواة مازال مصطلح "الحق في الأمان الوظيفي" الشغل الشاغل وحديث الساعة الذي بدا يلامس حياة الكثيرين وهو الذي أقرته وزارة العمل بلوائحها وعرفته على انه" حاجة الفرد بالشعور بالاستقرار والاطمئنان على مستقبله المهني في بيئة عمل داعمة وحماية قانونية دون خوف مفاجئ من فقدان مصدر دخله ولقمة عيشه"، فهو ليس بمنّة من احد او امتياز يمنح له، او حتى ترفاً يطالب به، بل هو حق تم فرضه بقوة القانون وسيادته خصوصاً أننا بتنا نعمل في بيئة عمل لم يعد يتوفر فيها أي ضامن يكفل لنا البقاء فترة طويلة في عملنا، أو يؤمن جانبنا من الإلتفاف على أحكامه ليتمكن صاحبه من التنصل من التزاماته القانونية تجاه عماله أياً كان نوع العمل، خصوصاً مع انتشار ظاهرة العمل بعقود محددة المدة مقيدة بتاريخ صلاحية مسبقاً وما يصاحبها من تآكل للحقوق وإضعافها، مقارنة بالعقود الدائمة التي ما لبثت تخدم شريحة ضيقة في المجتمع لتبقى الفئة الأكبر خارج الحسابات وكان هذا كفيلاً لهدم سقف الأمان فوق رؤوسهم وكفيلاً أيضاً لنعلم أين نحن اليوم وفي أي طريق نسير...
فالواقع المأساوي لمعدلات البطالة الكارثية في أوساط الشباب، ليست مجرد ظاهرة تعبر عن ضيق اقتصادي، بل هي صرخة صامته لجيل يتجه لمنحدر لا قاع فيه يشعر بأنه محاصر بين أحلام مجهضة ومستقبل مجهول لا يملكون معها رفاهية البقاء في اوطانهم. فلطالما كان انعدام الشعور بالأمان الوظيفي وإفراغ الحماية القانونية للعامل من مضمونها بالتحايل تارةً وباللعب بالمصطلحات القانونية تارةً أخرى، أحد أهم أسباب تحطيم الواقع المعيشي للشباب باعتباره ضرورة وجودية لهم لتحقيق ذاتهم وتلبية حاجاتهم ومتطلباتهم وأحد أهم أسباب الوقوع في مصيدة البطالة وتخيير الشباب بين الهجرة أو التفكير بها وكأننا لا يليق بنا سوى الرحيل والاغتراب وكيف لا فالمغادرون ما كانوا ليخرجوا لو توفرت لهم مقومات الحياة... حتى بتنا على إثرها على موعد مع تسونامي هجرة العقول والأيدي الماهرة والأكفّاء وهي الفئة الأكبر المستهدفة التي تتولى دفع فاتورة الحساب.
وقد لا يتوقف الأمر عند هذا الحد فعجز المجتمع عن توفير فرص وظروف عمل آمنه لمواطنيه قد يترتب عليه مواقف سلبية في الانتماء للوطن تهدد بإنتاج جيل مهمش غارق في نزيف القلق والشعور الحاد بالغربة والاغتراب داخل وطنه ليتحول الكثير منهم لقنابل موقوته تهدد الأوطان بإنتاج جيل مهمش يسهل استقطابه نحو مسارات التطرف والانحراف. فيا لها من مأساة حين يشعر المواطن، في لحظةٍ ما، أن سنوات عمره وعمله قد تصبح رهينةً لمزاجٍ إداري وقرارٍ عابر، يُتخذ بجرة قلمٍ باردة، وكأن ما وراء ذلك القرار ليس إنسانًا له حياةٌ ومستقبلٌ وتطلعات، بل مجرد رقمٍ في ملف. قرارات قد تهدم في لحظة ما بناه الإنسان خلال سنوات، وتقضي على مستقبله الأكاديمي والمهني، الذي نثر على عتباته المال، وقدّم له الجهد والوقت قربانًا، ليجد نفسه في نهاية المطاف مضطرًا إلى إعادة ترتيب حياته من الصفر، والبحث عن موطئ قدمٍ في سوق العمل بعيدًا عن تخصصه ومساره الذي اختاره، لا لافتقاره إلى الكفاءة، وإنما لأن الفرص تضيق، والأبواب تُغلق في وجهه واحدًا تلو الآخر.
وما أشد قسوة أن يتحول مكان العمل، الذي يُفترض أن يكون فضاءً للاستقرار والأمان، إلى مساحةٍ يمارس فيها بعض المتنفذين سلطتهم على الموظف، فيصبح مستقبله الوظيفي معلقًا بإرادة مسؤول، ومصيره مرهونًا بمزاج إدارة، وكأن سنوات خدمته وجهده وحقه في الاحترام لا تساوي شيئًا . فتسلط الإدارة لا يتوقف عند حدود قرارٍ تعسفي أو إجراءٍ مجحف، بل قد يمتد ليصادر شعور الإنسان بالأمان.
وحين تُستغل السلطة الإدارية لا لإدارة العمل، وإنما لإخضاع الإنسان وكسر إرادته، تصبح الوظيفة أداةً للضغط بدل أن تكون مصدرًا للعيش والاستقرار. عندها قد يجد الموظف نفسه أمام خيارين كلاهما مرّ: إما أن يصمت ويحتمل ما يُمارس بحقه حفاظًا على مصدر رزقه، أو أن يدفع ثمن كرامته ومستقبله بالانسحاب والاستقالة. وقد يصل الأمر إلى أن تستنزفه تلك البيئة نفسيًا وجسديًا، حتى يصبح ترك العمل، في أحسن الأحوال، محاولةً أخيرة لإنقاذ ما تبقى منه.
وبالتالي يصبح الانتماء للوطن هنا كلمة فارغة من مضمونها وبلا معنى خصوصاً عندما ندخل المواطن في دوامة من اليأس والإحباط والذي لطالما كان سبباً مباشراً لأشكال عديدة من الاكتئاب والتي لطالما حذرت من تبعاتها العديد من الدراسات وأثبتت صحة تأثيرها بالسلب على الصحة الجسدية والعقلية على حد سواء وكيف لا فلطالما كان أثر الشعور بالخطر اسوء بكثير من أثر الخطر ذاته... لذلك يتحتم على الجميع إدراك هذه القضية ووضعها على قائمة الأولويات وأن تكون قواعد العدالة والانصاف المقياس الحقيقي لأي قرار فالثقة بالمنظومة أهم بكثير من المنظومة ذاتها. فلطالما كان الاستثمار في الإنسان أساس بناء الأمم والنهوض بالمجتمعات؛ فنهضة الدول الحقيقية لا تُقاس بأسعار النفط والذهب، ولا بسعر صرف الدولار، ولا بما تختزنه الأرض من ثروات، بل بما تستثمره في عقل الإنسان وقدراته، وبما توفره له من أمانٍ واستقرارٍ وفرصٍ تحفظ كرامته وتفتح أمامه طريق المستقبل. فالمواطن هو أقوى حليفٍ لمستقبل وطنه، وحين تعجز الدولة ومؤسساتها عن الحفاظ عليه وتمكينه، فإن السؤال لم يعد: "لماذا يهاجر هؤلاء"؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلاماً: "لماذا قد يبقون"...؟!!
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



