د. وحيد جبران يكتب لوطن: العودة إلى المدرسة في سياق الأزمات.. من إعادة فتح الأبواب إلى إحياء الأمل واستعادة التعلم والحماية

05.09.2026 07:49 PM

ملخص

تُستخدم عبارة «العودة إلى المدرسة» عادةً للدلالة على استئناف الدوام بعد انقطاع، إلا أن هذا المعنى يصبح غير كافٍ عندما تكون الأزمة ممتدة، أو عندما تكون المدرسة نفسها قد تضررت أو أصبحت بعيدة عن الأطفال الذين تخدمهم. في هذه الحالات، لا تكون العودة مجرد تاريخ على التقويم المدرسي، بل عملية لاستعادة حق الطفل في التعلم، وإعادة بناء الروتين والعلاقات والشعور بالأمان والانتماء، ومعالجة ما خلفته الأزمة من فاقد تعليمي واضطراب نفسي واجتماعي.

تنطلق هذه المقالة من هذا الفهم، وتناقش شروط العودة الآمنة والشاملة وذات الجودة، مستفيدة من معايير INEE المحدثة عام 2024 ومن التوجهات الإقليمية الحديثة لليونسكو، ثم تقرأ المفهوم في ضوء الخبرة الفلسطينية، ولا سيما ما تشهده الضفة الغربية وقطاع غزة.

وتخلص المقالة إلى أن نجاح العودة لا ينبغي أن يقاس بفتح أبواب المدارس أو ارتفاع أعداد المسجلين فحسب، وإنما بقدرة الأطفال على الوصول الآمن، والانتظام، والتعلم، والشعور بالحماية والانتماء، وبقدرة النظام التعليمي على التكيف مع الأزمة والاستمرار خلالها وبعدها.

مقدمة: العودة ليست بالضرورة إلى ما كان

عندما نتحدث عن «العودة إلى المدرسة» في الظروف العادية، نفكر غالبًا في بداية العام الدراسي: مبانٍ تُفتح، وطلاب يعودون إلى صفوفهم، ومعلمون يستأنفون التدريس، وجداول دراسية تُعدّ وتُنفذ. لكن هذه الصورة تختلف في سياق الأزمات. فقد تكون المدرسة قائمة، بينما الطريق إليها غير آمن؛ وقد تكون المدرسة قد هدمت وحل مكانها خيمة أو مكان مؤقت للتعليم؛ وقد يكون الطفل مسجلًا، لكنه لا يستطيع الوصول بانتظام؛ وقد يعود إلى الصف، لكنه يجد نفسه غير قادر على التركيز أو متابعة الدروس بعد تجربة نزوح أو فقد أو خوف مستمر.

لهذا، فإن السؤال المناسب ليس فقط: «متى يعود الأطفال إلى المدرسة؟»، بل: «إلى ماذا يعودون، وتحت أي شروط، ومن يستطيع العودة، ومن قد يبقى خارجها؟». هذا التحول في السؤال مهم لأنه ينقل النقاش من فتح المبنى إلى استعادة الوظيفة التعليمية والاجتماعية والحامية للمدرسة. وهو قريب من الفلسفة التي تقوم عليها معايير INEE، التي تنظر إلى التعليم في الأزمات بوصفه مجالًا للاستعداد والاستجابة والتعافي، وتربط الوصول والجودة والحماية والمشاركة ببعضها بعضًا (INEE, 2024).

كما أن هذا الفهم ينسجم مع الإطار الاستراتيجي لليونسكو للتعليم في حالات الطوارئ في المنطقة العربية 2025–2030، الذي يضع في صلبه بناء أنظمة تعليمية مرنة وشاملة وقادرة على الاستمرار في الأزمات الممتدة، مع وصل الاستجابة الإنسانية بالتعافي والتخطيط الإنمائي وبناء السلام والتماسك الاجتماعي (UNESCO, 2025).

العودة للمدرسة في الأزمة: استعادة الوظائف الأساسية

يمكن النظر إلى العودة إلى المدرسة باعتبارها استعادة تدريجية لأربع وظائف أساسية: وظيفة التعلم، ووظيفة الحماية، ووظيفة بناء العلاقات والانتماء، ووظيفة إعادة الأمل والقدرة على تصور المستقبل. ولا يمكن فصل هذه الوظائف عن بعضها. فالطفل الذي لا يشعر بالأمان قد يجد صعوبة في التعلم، والطفل الذي لا يستطيع الوصول بانتظام قد يفقد علاقته بالمدرسة، والطفل الذي يعاني من فجوات تعليمية كبيرة قد يشعر بالفشل إذا عاد إلى منهج لا يراعي مستواه.

وتشير الأدبيات المتعلقة بالتعلم في الأزمات إلى أن المدرسة يمكن أن تكون في الوقت نفسه مكانًا للتعلم ومصدرًا للحماية والروتين والدعم الاجتماعي. كما أن تقييم ما يعرفه الأطفال فعلًا بعد الانقطاع يصبح شرطًا مهمًا لتصميم الاستجابة التعليمية؛ فالتدخلات التي تبدأ من افتراض أن جميع الأطفال في المستوى نفسه قد تزيد الفجوات بدل أن تقللها (Akkari & Radhouane, 2023; Krupar & D'Sa, 2024).

ركائز قرار العودة إلى المدرسة

هناك خمسة أسئلة ينبغي أن تسبق قرار العودة

العودة إلى ماذا؟ قد تكون العودة إلى المبنى، لكنها ليست بالضرورة عودة إلى التعلم. وقد تكون عودة إلى الحضور، لكنها ليست عودة إلى الإحساس بالاستقرار. لذلك من المفيد التعامل مع العودة بوصفها استعادة تدريجية للوظائف التي فقدتها المدرسة أثناء الأزمة. وهذا يعني أن التعليم الحضوري الكامل ليس الخيار الوحيد؛ فقد تكون هناك مراحل من التعليم المؤقت أو المدمج أو مراكز التعلم أو ترتيبات مرنة إلى أن تصبح العودة الكاملة ممكنة.

العودة لمن؟ لا يعود الأطفال بالطريقة نفسها. الطفل النازح، والطفل ذو الإعاقة، والطفل الذي يعيش في مجتمع مهدد بالنزوح، والطفلة التي تتحمل مسؤوليات منزلية، والطفل الذي تعرض لفقد أو عنف، قد يواجه كل منهم عائقًا مختلفًا. ولذلك فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون متوسط العودة، بل قدرة الفئات الأكثر تعرضًا للإقصاء على العودة والاستمرار والتعلم. وهذا ينسجم مع مبدأ الإنصاف الذي يرد بوضوح في معايير INEE (INEE, 2024).

العودة في أي ظروف؟ المدرسة الآمنة ليست مبنى سليمًا فقط. السلامة تشمل المبنى، والمرافق، والطريق، والنقل، والمياه والصرف الصحي، والوقاية من العنف والتنمر والاستغلال، والاستعداد للطوارئ، والتعامل مع مخاطر الأجسام المتفجرة في السياقات التي تشهد نزاعًا. ولذلك من الخطأ التعامل مع «فتح المدرسة» و«جعل المدرسة آمنة للتعلم» باعتبارهما الشيء نفسه.

العودة بأي جودة؟ العودة السريعة قد تكون ضرورية، لكنها لا تبرر العودة إلى تعليم منخفض الجودة. بعد الانقطاع يحتاج المعلم إلى معرفة ما يستطيع طلبته القيام به، لا إلى افتراض ما يفترض أن يكونوا قد تعلموه. وتدعم الأدلة الحديثة استخدام تقييمات تشخيصية متعددة الأبعاد تستطيع أن ترصد جوانب من القراءة والحساب والتعلم الاجتماعي والانفعالي، بدل اختزال آثار الأزمة في اختبار تحصيلي واحد  (Krupar & D'Sa, 2024)

العودة مسؤولية من؟ العودة ليست مهمة المدرسة وحدها. فوزارة التربية والتعليم تضع السياسات وتوفر الإسناد، والمديريات والمدارس تتابع التنفيذ، والأسرة والمجتمع يساعدان في الوصول والحماية، بينما تسهم الجهات الإنسانية والإنمائية في التمويل والخبرة والخدمات المساندة. وفي الأزمات الممتدة، يصبح التنسيق بين التعليم والحماية والصحة والدعم النفسي والاجتماعي والمياه والصرف الصحي والنقل أمرًا لا غنى عنه.

البعد النفسي والاجتماعي: الطفل قد يعود قبل أن يكون مستعدًا للتعلم

الأزمات لا تترك آثارها خارج المدرسة فقط. فالخوف، والحزن، واضطراب النوم، وصعوبة التركيز، وتغير السلوك، وفقدان الدافعية يمكن أن تظهر داخل الصف. وقد بينت دراسة نوعية أجريت في المدارس المتأثرة بالأزمة في لبنان أن المعلمين لاحظوا زيادة الضغط النفسي لدى الطلبة وانعكاسه على السلوك والوظيفة المدرسية، وأن بعض أساليب التدريس المعتادة لم تعد كافية للتعامل مع الصفوف المتأثرة بالأزمة  (Schenzle & Schultz, 2024)

وهذا لا يعني تحويل المعلم إلى مرشد نفسي، بل يعني إعادة تعريف جزء من دوره المهني. يحتاج المعلم إلى مهارات بسيطة وعملية: بناء روتين آمن، استخدام تواصل غير عقابي، ملاحظة علامات الضيق، توفير أنشطة داعمة، ومعرفة متى وكيف تتم الإحالة إلى خدمات متخصصة. وفي هذا السياق، يصبح الدعم النفسي والاجتماعي جزءًا من جودة التعليم، وليس نشاطًا إضافيًا يمكن إلغاؤه عندما تضيق الموارد.

العودة إلى المدرسة في السياق الفلسطيني

في فلسطين، يصعب فصل العودة إلى المدرسة عن البيئة التي تجري فيها. ففي أجزاء من الضفة الغربية، لا تتحدد إمكانية الوصول إلى المدرسة بوجود مبنى مدرسي فحسب؛ فالقيود على الحركة، والعنف، والنزوح، وتهديدات الهدم، وإغلاق بعض المدارس أو تعذر الوصول إليها، كلها عوامل تؤثر في انتظام التعليم. وفي تقريرها الصادر في 7 آب 2026، أفادت OCHA  (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية) بأن 84 مدرسة في مناطق C والقدس الشرقية، تخدم قرابة 13 ألف طالب، كانت خاضعة لأوامر هدم، منها 54 تواجه خطر الهدم الكامل و30 أوامر تستهدف أجزاء من مرافقها (OCHA, 2026a)
وفي التقرير نفسه، عرضت OCHA حالات محددة توضح معنى ذلك بالنسبة للأطفال. فقد هُدمت ثلاثة مبانٍ تابعة لمدرسة شعب البطم في مسافر يطا في 4 آب 2026، بينما بقي مبنى المدرسة الأصلي خاضعًا لأمر هدم. كما ظلت مدرسة عرب الرشايدة ومدارس أخرى في مناطق مهددة تواجه إجراءات قانونية أو قيودًا تؤثر في استمرارية التعليم  (OCHA, 2026a)

وفي حالة أخرى، أُزيلت مدرسة يانون المهجورة التابعة لمديرية تربية جنوب نابلس بعد نزوح المجتمع الذي كانت تخدمه. وقد أشار تقريرOCHA  إلى أن ست عائلات، تضم 22 شخصًا، نزحت من المجتمع في كانون الأول 2025 بعد عنف متكرر وترهيب؛ ونُقل الطلبة إلى مدرسة حكومية في عقربا، لكن فقدان المدرسة المحلية أضعف فرص عودة الأسر إلى مجتمعها (OCHA, 2026b) . هذه الحالة مهمة لأنها تذكرنا بأن المدرسة ليست خدمة منفصلة عن المجتمع: عندما يتغير مكان المجتمع أو يتفكك، تتغير أيضًا جغرافيا التعليم.

وتشير تقارير أوسع إلى أن هذه المشكلة ليست جديدة. فقد وثقت تقارير أممية خلال 2024 و2025 تأثير القيود على الحركة، والعمليات العسكرية، والعنف، والهجمات على المدارس في الوصول إلى التعليم في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. ووفق تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة، تأثر نحو 806 آلاف طالب وطالبة بالتدابير التي قيدت الوصول إلى التعليم في الضفة الغربية، وسُجلت هجمات وتخريب لمدارس واعتقالات وإصابات بين الطلبة والعاملين في التعليم خلال الفترة التي غطاها التقرير  (UNHRC, 2025)

العودة إلى مدارس غزة لا يمكن اختزالها في إعادة فتح أماكن التعليم

غزة تقدم مثالًا مختلفًا وأكثر قسوة. ففي حالة الدمار الواسع للبنية التعليمية والنزوح المستمر، لا يمكن أن تكون الاستراتيجية ببساطة انتظار إعادة بناء جميع المدارس ثم إعلان «العودة». إن إعادة بناء التعليم تحتاج إلى مراحل متوازية: توفير أماكن تعلم آمنة، واستعادة الروتين، ودعم الأطفال والمعلمين، وتعويض ما أمكن من فقد التعلم، ثم إعادة تأهيل البنية التحتية واستعادة وظائف النظام التعليمي.

وقد وثق GCPEA )الائتلاف الدولي لحماية التعليم من الهجوم( في تقريره الذي حمل عنوان التعليم تحت الهجوم Education under Attack 2026  اتساع الهجمات على التعليم عالميًا، وسجلت لفلسطين 3,078 حالة ضمن مقياس الأشخاص المتضررين/ الهجمات في التقرير، كما صنفت فلسطين ضمن السياقات الأشد تأثرًا. ويشير التقرير إلى أن ما لا يقل عن 2,400 هجوم استهدف طلبة ومعلمين وغيرهم من العاملين في التعليم في فلسطين خلال 2024 و2025، وكانت هذه الحالات المسجلة في الضفة الغربية ضمن البيانات الخاصة بهذه الفئة (GCPEA, 2026).

كما تشير اليونسكو إلى أن أزمة التعليم في المنطقة العربية لم تعد مجرد مشكلة انقطاع مؤقت، بل أصبحت أزمة نظامية تتداخل فيها الحرب والنزوح وتدمير البنية التحتية وفقد التعلم. وفي مراجعتها الإقليمية لعام 2026، أكدت أن التعليم في سياقات مثل غزة أصبح جزءًا مركزيًا من الأزمة نفسها، وفي الوقت ذاته مدخلًا مهمًا للحماية والاستقرار والتعافي (UNESCO, 2026).

ومن هنا، فإن «العودة» في غزة ينبغي أن تُفهم كمسار طويل لإعادة بناء التعليم، وليس كموعد واحد. وقد يعني ذلك أن يذهب الطفل أولًا إلى مساحة تعلم مؤقتة، ثم ينتقل إلى مدرسة أعيد تأهيلها، أو يستخدم ترتيبات تعليم مرنة، بينما يستمر العمل على إعادة بناء المدارس والنظام التعليمي. المهم أن يكون لكل مرحلة هدف واضح، ومعيار جودة، وخطة انتقال إلى المرحلة التالية.

إطار عملي مقترح للعودة

يمكن تحويل مفهوم العودة إلى دورة عمل من ست خطوات. تبدأ الخطوة الأولى بتقييم الوضع بدل افتراض أن المدرسة جاهزة. وتشمل الثانية تحديد شروط العودة الآمنة، والثالثة إعادة الاتصال بالأطفال والأسر، والرابعة استعادة التعلم وفق مستويات الطلبة، والخامسة متابعة التعافي وتحسين الجودة، والسادسة تحويل الخبرة إلى قدرة مؤسسية على مواجهة الأزمة المقبلة.

الأهم في هذا الإطار أن الخطوات ليست خطية. فقد تعود مدرسة إلى العمل ثم تضطر إلى التعليق المؤقت، وقد ينتقل مجتمع من التعليم الحضوري إلى مساحة تعلم بديلة ثم يعود إلى المدرسة. ولهذا تحتاج الخطة إلى سيناريوهات متعددة، وإلى قدرة على الانتقال بين البدائل بسرعة.

ولا يقتصر نجاح هذه الخطوات على عدد المدارس التي فتحت أبوابها وعدد الطلبة الذين سجلوا؛ فالمدرسة يمكن أن تكون مفتوحة والغياب مرتفعًا، أو يكون الحضور جيدًا بينما لا يحدث تعلم كافٍ. لذلك علينا التعامل مع نجاح العودة عبر أربعة أبعاد مترابطة.

محاور الإعداد للعودة إلى المدرسة

يمكنك تنظيم الإعداد في أربعة محاور مترابطة:

1.  العودة بوصفها حقًا: التعليم ليس خدمة يمكن تعليقها بالكامل عند وقوع الأزمة، بل حق يجب حمايته واستعادته واستمراره، مع مراعاة مبدأ عدم التمييز. وهذا يعني السؤال عن والاهتمام بتقصي الأطفال الذين لا يعودون بسهولة، خاصة:

الأطفال ذوو الإعاقة.

الأطفال النازحون أو اللاجئون.

الأطفال الذين يعيشون في مناطق نائية أو محاصرة.

الأطفال الذين يعملون أو يتحملون مسؤوليات أسرية.

الأطفال الذين يعانون من آثار نفسية أو جسدية للأزمة.

الفتيات المعرضات للانقطاع بسبب مخاطر الحماية أو الأدوار المنزلية.

2.  العودة بوصفها مسألة أمان وحماية: لا يمكن الحديث عن عودة تعليمية حقيقية إذا كانت المدرسة أو الطريق إليها غير آمنين. ويتضمن ذلك: سلامة المبنى ومرافقه، وأمان طرق الوصول والنقل، والوقاية من العنف والاستغلال والتنمر، وحماية الأطفال من مخاطر النزاع والأجسام غير المنفجرة، وعدم استخدام المدارس بما يعرّضها أو يعرّض الأطفال للخطر، فضلا عن وجود خطط للإخلاء والاستجابة للطوارئ. ومن المفيد هنا التمييز بين فتح المدرسة وجعل المدرسة آمنة للتعلم؛ فالأول قرار إداري، أما الثاني فهو منظومة حماية واستعداد ومتابعة.

تظهر التجربة الفلسطينية كذلك أن حماية التعليم يجب أن تكون جزءًا من تعريف العودة نفسه. فعودة الطلبة إلى بيئة تتكرر فيها الهجمات أو التهديدات أو إغلاق الطرق لا تحقق الهدف المقصود من العودة. وقد سجل GCPEA في تقريرها لعام 2026 ما لا يقل عن 8,566 هجومًا على التعليم عالميًا خلال 2024 و2025، بزيادة تزيد على 40% مقارنة بالفترة السابقة، ووصفت فلسطين بأنها من السياقات ذات أعلى معدلات الهجمات على التعليم  (GCPEA, 2026)
لذلك فإن خطط المدارس في المناطق المعرضة للخطر ينبغي أن تتضمن إجراءات واضحة للتعامل مع الحوادث، والإبلاغ والإحالة، وتقييم المخاطر، وخطط الطوارئ، وبدائل استمرار التعلم. كما ينبغي أن تكون بيانات الهجمات جزءًا من إدارة المخاطر والمناصرة، لا مجرد سجل تاريخي للأحداث.

3.  العودة بوصفها تعافيًا نفسيًا وتعليميًا: قد يعود الطفل جسديًا إلى المدرسة، لكنه لا يكون مستعدًا بالضرورة للتعلم. فقد يعاني من الخوف، أو الحزن، أو اضطراب النوم، أو صعوبة التركيز، أو فقدان الدافعية. لذلك يجب أن تشمل العودة:

روتينًا يوميًا واضحًا ومستقرًا.

أنشطة للدعم النفسي والاجتماعي والتعلم الاجتماعي الانفعالي.

معلمين مدربين على الاستجابة للضغوط والإحالات المناسبة.

بيئة صفية رحيمة وغير عقابية.

تقييمًا تدريجيًا للاحتياجات التعليمية.

خططًا لمعالجة الفاقد التعليمي دون وصم أو ضغط مفرط.

من أكثر الأخطاء شيوعًا التعامل مع العودة كمرحلة منفصلة عن الاستجابة والتعافي. في الواقع، الحدود بين هذه المراحل متداخلة. فقد تستمر إجراءات الطوارئ بعد عودة الطلبة إلى بعض المدارس، وقد تستمر الحاجة إلى التعليم البديل في مجتمع لم يعد فيه المبنى المدرسي صالحًا أو آمنًا. ولهذا تؤكد معايير INEE أن الاستعداد والاستجابة والتعافي ليست مراحل منفصلة تمامًا، وإنما إطار متصل يمكن تكييفه مع طبيعة الأزمة  (INEE, 2024).

ويترتب على ذلك أن خطة العودة الجيدة يجب أن تبدأ قبل اليوم الأول للدوام، وأن تتضمن تقييم المخاطر، وتحديد الأطفال الذين لم يعودوا، وتقدير جاهزية المعلمين، وتوفير مستلزمات التعلم، وتحديد آليات الإحالة للحماية والدعم النفسي والاجتماعي، ثم متابعة ما يحدث بعد العودة. فالمشكلة قد لا تظهر في الأيام الأولى، وإنما بعد أسابيع، عندما يبدأ الغياب المتكرر أو الانسحاب الصامت أو التسرب.

4.  العودة بوصفها شمولًا وجودة: ينبغي ألا تتحول العودة إلى سباق نحو أعداد التسجيل فقط. الأسئلة الأهم هي:

هل يتعلم الأطفال فعلًا؟

هل المنهج مرن ومرتبط بالسياق؟

هل يستطيع المعلمون تلبية الفروق الفردية؟

هل تتوافر ترتيبات تيسيرية للمتعلمين ذوي الإعاقة؟

هل توجد بدائل للأطفال الذين لا يستطيعون الحضور يوميًا؟

هل يتم إشراك الأطفال والأسر في القرارات؟

هل تقيس المدرسة الحضور والتعلم والرفاه، لا التسجيل فقط؟

توصيات

اعتماد تعريف وطني للعودة إلى المدرسة في الأزمات يربط بين الوصول والحماية والتعلم والرفاه والشمول، بدل اختزالها في إعادة فتح المباني، ووضع شروط دنيا واضحة للعودة الآمنة، مع آلية لاتخاذ القرار على أساس المخاطر وليس على أساس الموعد التقويمي وحده.

استخدام تقييمات تشخيصية بسيطة ومنتظمة لتحديد الفجوات التعليمية، ثم تنظيم التعلم العلاجي وفق مستوى الطفل بدل افتراض مستوى الصف، وإنشاء آلية لتتبع الأطفال الذين لا يعودون، وتصنيف أسباب عدم العودة، وربط كل سبب بتدخل محدد.

تدريب المعلمين على التدريس في البيئات المتأثرة بالأزمات، والدعم النفسي والاجتماعي الأساسي، وإدارة الصف بطريقة تراعي الضغوط والصدمات. وإبقاء بدائل التعلم المرنة جزءًا من التخطيط النظامي للطوارئ، لا مجرد حلول مؤقتة تظهر بعد وقوع الأزمة.

تعزيز التنسيق بين التعليم والحماية والصحة والدعم النفسي والاجتماعي والمياه والصرف الصحي والنظافة الشخصية  (WASH)والنقل، لأن كثيرًا من عوائق العودة تقع خارج المدرسة.

إعطاء الأولوية للتدخلات التي تقرب التعليم من الأطفال، بما في ذلك النقل والدعم القانوني ومرافق التعلم المؤقتة والحماية المجتمعية، خاصة في المناطق الفلسطينية المهددة بالنزوح أو الهدم أو القيود على الحركة.

بناء استراتيجية متعددة السنوات للانتقال من التعلم المؤقت في غزة إلى التعافي وإعادة التأهيل ثم إعادة بناء النظام التعليمي، مع عدم انتظار اكتمال إعادة الإعمار لبدء التعلم.

إدماج الأطفال ذوي الإعاقة في التخطيط منذ البداية، بما في ذلك الإتاحة، والنقل، والمواد، والترتيبات التيسيرية، وإشراك الطلبة والأسر والمعلمين والمجتمعات المحلية في قرارات العودة؛ فالمشاركة توفر معلومات عملية عن المخاطر والاحتياجات لا توفرها البيانات الإدارية وحدها.

تحويل دروس الأزمات الحالية إلى خطط طوارئ مدرسية وقطاعية قابلة للتفعيل، بحيث لا تبدأ الاستجابة من الصفر في كل أزمة جديدة.

خاتمة

العودة إلى المدرسة في سياق الأزمات ليست عودة بسيطة إلى وضع سابق. وفي كثير من الحالات، لا يكون «الوضع السابق» موجودًا أصلًا بعد أن تكون الأزمة قد غيرت المكان أو المجتمع أو المدرسة أو خبرة الطفل نفسه. لذلك فإن التحدي الحقيقي هو استعادة التعليم مع الاعتراف بأن الظروف قد تغيرت.
تُظهر الخبرة الفلسطينية، من الضفة الغربية إلى غزة، أن المدرسة يمكن أن تتأثر بالعنف والنزوح والقيود على الحركة والدمار، وأن الطفل قد يفقد الوصول إلى التعليم حتى عندما يكون مستعدًا نفسيًا للتعلم. وفي المقابل، تظل المدرسة واحدة من أهم المساحات التي يمكن من خلالها استعادة الروتين والعلاقات والكرامة والأمل. وهذا هو السبب في أن العودة إلى المدرسة ينبغي ألا تُعامل كحدث إداري، بل كعملية تربوية وحمائية واجتماعية.

في النهاية، السؤال الذي ينبغي أن يوجه التخطيط ليس: كم مدرسة فتحنا؟ ولا حتى: كم طفلًا سجلنا؟ بل: هل استطعنا أن نعيد لكل طفل فرصة آمنة ومنصفة وذات معنى للتعلم؟ وإذا كانت الإجابة لا تزال جزئية، فهذه ليست علامة على فشل العودة، وإنما إشارة إلى أن العودة نفسها ما تزال عملية جارية تحتاج إلى وقت واستثمار ومتابعة وشراكة. بهذا المعنى، لا تكون العودة نهاية الأزمة، وإنما بداية مرحلة جديدة من التعافي وبناء نظام تعليمي أكثر قدرة على الصمود.

المراجع

Akkari, A., & Radhouane, M. (2023). Learning in emergencies contexts: From the building of the concept to multifaced actions in the field. Prospects, 53, 15–28. https://doi.org/10.1007/s11125-023-09639-8

GCPEA. (2026). Education under attack 2026. Global Coalition to Protect Education from Attack.

INEE (2024). INEE minimum standards for education: Preparedness, response, recovery (2024 ed.) Inter-agency Network for Education in Emergencies.

Krupar, A., & D'Sa, N. (2024). Measuring learning during crises: Developing and validating the Holistic Assessment of Learning and Development Outcomes (HALDO). International Journal of Educational Research Open, 6, 100320.

https://doi.org/10.1016/j.ijedro.2024.100320

McGahern, U. (2024). Higher education under siege: Attacking spaces of hope in Palestine. Geopolitics. https://doi.org/10.1080/14650045.2024.2398240

OCHA. (2026a, August 7). Humanitarian situation report | 7 August 2026. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs in the Occupied Palestinian Territory.

OCHA. (2026b, July 16). Humanitarian situation report | 16 July 2026. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs in the Occupied Palestinian Territory.

Schenzle, S., & Schultz, J.-H. (2024). “Students are bringing the revolution into the classroom!” Teachers’ and counselors’ perceptions of the need for psychosocial support in crisis-affected classrooms in Lebanon. Teaching and Teacher Education, 139, 104416. https://doi.org/10.1016/j.tate.2023.104416

UNESCO. (2025). Strategic framework for education in emergencies in the Arab region (2025–2030). UNESCO Regional Office in Beirut.
UNESCO. (2026, April 29). Impact of escalating conflict on education systems in the Arab States: UNESCO rapid overview and response. UNESCO.

UNHRC. (2025). Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Occupied Palestinian Territory, including East Jerusalem, and Israel (A/HRC/59/26). United Nations Human Rights Council

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير