تهميش فلسطينيي الشتات.. من يملك حق تمثيل الشعب الفلسطيني؟

03.09.2026 08:36 AM

كتب اسماعيل الريماوي: لا يبدو أن تهميش الفلسطينيين في الشتات يقتصر على غيابهم عن بعض مواقع القرار، بل يتجه إلى مستوى أخطر يتمثل في إبعادهم عن المشاركة السياسية والتأثير في مستقبل قضيتهم الوطنية، وكأن ملايين الفلسطينيين المنتشرين في مختلف دول العالم أصبحوا خارج المعادلة الفلسطينية، أو أن حقهم في المشاركة يمكن تجاوزه عندما يتعلق الأمر بإعادة تشكيل المؤسسات الوطنية.

ويظهر ذلك بوضوح في الحديث عن إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني من دون ضمان مشاركة حقيقية وفاعلة للفلسطينيين في الشتات، رغم أن المجلس الوطني يفترض أن يمثل الشعب الفلسطيني بأسره، في الداخل والخارج، وليس الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط.
وهنا يبرز سؤال مشروع لا يمكن تجاهله: كيف يمكن الحديث عن مجلس وطني يمثل الشعب الفلسطيني، بينما يُستبعد جزء كبير من هذا الشعب من حقه في اختيار ممثليه أو التأثير في تركيبة المؤسسة التي يفترض أن تمثله؟
فالمجلس الوطني ليس مجلساً محلياً لسكان منطقة جغرافية محددة، وإنما هو أحد أهم أطر التمثيل الوطني الفلسطيني، ولذلك فإن تغييب فلسطينيي الشتات عن العملية الانتخابية أو تقليص دورهم السياسي يعني عملياً اختزال الشعب الفلسطيني في جغرافيته الحالية، وهو أمر يتناقض مع حقيقة أن الشعب الفلسطيني، تاريخياً وواقعياً، شعب موزع بين الداخل والشتات بفعل الاحتلال والتهجير واللجوء.
لكن المشكلة لا تقف عند حدود الانتخابات، فهناك شكل آخر من أشكال التهميش يتمثل في التعامل مع صوت الفلسطيني في الخارج وكأنه أقل قيمة من صوت الفلسطيني في الداخل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بما يجري في غزة والضفة الغربية.
فعندما ينتقد فلسطيني يعيش خارج الوطن أداء السلطة أو الفصائل أو القيادات أو طريقة إدارة الأحداث في غزة والضفة، قد يُواجه بحجة جاهزة: أنت بعيد، لا تعرف ما يحدث على الأرض، لا تعرف الجغرافيا، ولم تعش معاناة الناس اليومية.
صحيح أن من يعيش داخل غزة أو الضفة يواجه ظروفاً ومعاناة يومية لا يمكن لمن يعيش في الخارج أن يعيش تفاصيلها نفسها، ومن الطبيعي أن تكون لديه معرفة مباشرة بتفاصيل الواقع الميداني، لكن ذلك لا يعني بأي حال أن الفلسطيني في الخارج فاقد للأهلية السياسية، أو أن عليه أن يصمت، أو أن المسافة الجغرافية تسقط حقه في إبداء الرأي.
ففلسطيني الشتات ليس أجنبياً عن القضية، وليس مراقباً من الخارج، وليس شخصاً لا علاقة له بما يجري في وطنه، إنه جزء من الشعب الفلسطيني، ومن حقه أن يسأل وينتقد ويختلف ويؤيد ويعارض، تماماً كما هو حق الفلسطيني الذي يعيش في الداخل.
فالحق في الرأي لا تحدده المسافة، والحق في الوطن لا تحدده الإقامة، والحق في المشاركة السياسية لا يسقط لأن الفلسطيني يعيش خارج حدود فلسطين.
بل إن تحويل الجغرافيا إلى معيار لتحديد من يحق له الكلام ومن لا يحق له الكلام يمثل خطراً على الحياة السياسية الفلسطينية، فلو أصبحت الإقامة داخل فلسطين شرطاً لاكتساب الحق في إبداء الرأي، فإن ملايين الفلسطينيين في الشتات سيجدون أنفسهم عملياً محرومين من حقهم السياسي، رغم أنهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني.
ومن حق كل فلسطيني، في الداخل والخارج، أن يكون له صوت وتأثير في مستقبل شعبه ووطنه، سواء من خلال الانتخابات، أو المشاركة السياسية، أو النقاش العام، أو التعبير عن الرأي، أو مساءلة القيادة، أو نقد السياسات والقرارات التي تمس مستقبل القضية الفلسطينية.
وهذا الحق لا ينبغي أن يكون منّة من سلطة أو فصيل، ولا امتيازاً تمنحه القيادة لمن تريد وتحجبه عمن تريد، إنه حق أصيل مرتبط بكون الإنسان فلسطينياً وجزءاً من هذا الشعب.
ولا يجوز أن يتم استدعاء فلسطينيي الشتات عندما تكون هناك حاجة إلى أصواتهم في الخارج، أو تضامنهم، أو نشاطهم السياسي والإعلامي، أو دعمهم المالي والإنساني، ثم يجري إقصاؤهم عندما يتعلق الأمر بالقرار الوطني والتمثيل السياسي.
لا يمكن أن يكون الفلسطيني في الشتات مطلوباً عندما تحتاجه القضية، ومهمشاً عندما يريد أن يكون شريكاً في القرار.
كما أن انتقاد السلطة أو الفصائل أو القيادات لا ينبغي أن يُقابل بمحاولات إسكات أصحاب الرأي بحجة أنهم يعيشون خارج الوطن، فالنقد ليس خيانة، والاختلاف ليس خروجاً عن الوطنية، والمسافة لا تمنح أحداً حق إسكات الآخر.
بل إن القضية الفلسطينية تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى توسيع دائرة المشاركة السياسية، لا إلى تضييقها؛ وإلى فتح المجال أمام كل الفلسطينيين للمساهمة في صياغة مستقبلهم، لا إلى تقسيمهم إلى فلسطيني الداخل وفلسطيني الخارج .
فلسطيني غزة والضفة والقدس والداخل واللاجئ في المخيم والفلسطيني المقيم في أوروبا أو أميركا أو العالم العربي، جميعهم أبناء شعب واحد ، قد تختلف ظروفهم وتجاربهم، لكنهم يشتركون في قضية واحدة وذاكرة واحدة وحقوق وطنية واحدة.
ولهذا فإن أي عملية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن تكون شرعية ومقنعة إذا قامت على إقصاء جزء من الشعب الفلسطيني ، المطلوب ليس انتخابات شكلية تعيد إنتاج الواقع نفسه، وإنما انتخابات حقيقية وشاملة تضمن مشاركة الفلسطينيين في الداخل والشتات، وتمنحهم جميعاً حق اختيار من يمثلهم ومحاسبته.
إن القضية ليست قضية جغرافيا، وإنما قضية شعب، وليست قضية من يعيش هنا ومن يعيش هناك، وإنما قضية حق سياسي وإنساني ووطني.
ومن حق كل فلسطيني أن يقول: هذا وطني، وهذه قضيتي، وهذا مستقبلي، ومن حقي أن يكون لي صوت في تحديده.
فالشتات ليس هامشاً في القضية الفلسطينية، والداخل ليس ملكية سياسية حصرية لأحد او لفصيل سياسي واحد ، فالكل جزء من شعب واحد، وأي قيادة تريد فعلاً استعادة الثقة وبناء مشروع وطني جامع عليها أن تدرك أن إقصاء الفلسطيني في الشتات هو إقصاء لجزء من الشعب، وإسكات صوته هو انتقاص من حق الشعب كله في أن يقرر مصيره.
فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من الجدران بين أبنائها، بل إلى جسر ديمقراطي يجمع الداخل والشتات، ولا تحتاج إلى من يقرر نيابة عن الشعب، بل إلى شعب يقرر بنفسه من يمثله، وكيف يُدار وطنه، وإلى أين تتجه قضيته.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير