الأزمة الاقتصادية للأسرى الفلسطينيين

كتبت: حنين غالب: يُعد المشهد الاقتصادي للأسرى الفلسطينيين المحررين أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في السنوات الأخيرة. فبعد قرارات السلطة الفلسطينية في منتصف عام 2025 بوقف رواتب آلاف الأسرى والشهداء والجرحى وتحويلها إلى مؤسسة "التمكين الاقتصادي"، تفجرت أزمة وطنية وإنسانية عميقة. هذا القرار لم يمر مرور الكرام، بل أثار جدلاً واسعًا، ووصفه قدورة فارس، الرئيس السابق لهيئة شؤون الأسرى، بأنه "خطيئة وطنية" و"انقلاب على الثوابت". مؤكدًا في مقابلات متعددة أن هذه الحقوق ليست مجرد مساعدات اجتماعية، بل هي منصوص عليها في القانون الأساسي، ولا يجوز المساس بها. وشدد فارس على أن قطع الرواتب لا يضعف الأسرى فحسب، بل يضرب البنية الاجتماعية الفلسطينية في الصميم، ويهدد نسيجها الوطني.
تُقدم شهادات الأسرى أنفسهم صورة مؤلمة لحجم الأزمة. عامر عرفة، الذي أمضى تسع سنوات من عمره خلف قضبان الاحتلال الإسرائيلي، كان يعتمد على راتب تقاعدي منذ عام 2013. لكن في مايو 2025، وأثناء اعتقاله الأخير، صُدم بقطع راتبه، إلى جانب نحو 1600 أسير آخر. بعد الإفراج عنه في نهاية العام، تأكدت مخاوفه: القرار سياسي بامتياز. فبينما استمرت رواتب أسرى من فصائل معينة، قُطعت عن آخرين، في تمييز صارخ يمزق الوحدة الوطنية. يصف عامر الأثر الاقتصادي المدمر قائلاً إن راتبه كان يغطي ثلثي مصاريف أسرته، ومع فقدانه، وتوقف عمله الصحفي بسبب الحرب، وجد عائلته تواجه واقعًا مأساويًا. يعتبر عامر أن تحويل الأسرى إلى "حالات اجتماعية متسولة" هو إهانة لنضالهم الوطني وتضحياتهم، مطالبًا بتطبيق قانون الأسرى بشكل عادل يحفظ كرامتهم وعيشهم الكريم.
في المقابل، يكشف الأسير ح.ب، الذي قضى أكثر من سبع سنوات في فترات متفرقة، عن وجه آخر للأزمة. يؤكد ح.ب أن راتبه لم يُقطع لأنه ينتمي لحركة سياسية معينة، واصفًا نفسه بـ"العاقل"، ومعتبرًا أن انتماءه السياسي كان درعًا حماه من قطع المخصصات. هذه الشهادة تُعرّي التمييز الفصائلي في التعامل مع الأسرى، حيث تُصرف الرواتب للبعض ويُحرم منها آخرون، مما يؤكد أن القضية ليست اقتصادية بحتة، بل هي سياسية بامتياز. فالرواتب تُستخدم كأداة للضغط والسيطرة، بدلًا من أن تكون حقًا قانونيًا مكفولًا لكل من ضحى من أجل الوطن.
لم تقتصر الأزمة على الأسرى فحسب، بل امتدت لتشمل أهالي الشهداء والجرحى، الذين فوجئوا بوقف مخصصاتهم بعد إحالتها إلى مؤسسة "تمكين". خرجت احتجاجات غاضبة في رام الله ونابلس وجنين، حيث عبرت العائلات عن سخطها من تحويلهم إلى "حالات اجتماعية" بعد أن كانوا يُعاملون كرموز وطنية للتضحية والفداء. هذا التحول أثار انتقادات واسعة من الفصائل الفلسطينية، التي اعتبرت القرار "انحدارًا أخلاقيًا واستجابة للإملاءات الخارجية".
أهالي الشهداء والجرحى، الذين فقدوا معيلهم الأساسي، وجدوا أنفسهم أمام واقع اقتصادي قاسٍ لا يرحم. ففي عام 2024، ارتفعت الأسعار بنسبة 54%، بينما تراجعت القدرة الشرائية إلى مستويات عام 2003، مما يعني أنهم فقدوا عقودًا من التقدم الاقتصادي. في ظل هذا الوضع المتردي، يصبح وقف الرواتب ليس مجرد قرار إداري، بل تهديدًا مباشرًا لبنية المجتمع الفلسطيني وصموده.
إلى جانب شهادات الأسرى، تُبرز أصوات من داخل المجتمع الأثر الاجتماعي المباشر لهذه الأزمة. جميلة، زوجة أسير سابق فضلت عدم الكشف عن اسمه لشعورها بالإهانة، تحدثت عن الوضع الاقتصادي المتدهور لأسرتها. تروي جميلة كيف أن زوجها قبل الأسر "كان قد حاله وعنده شغله والناس جميعها تتداين منه ويعطي الجميع"، لكن بعد الأسر "تعب وبطل يعرف يشتغل زي أول عشان وضعه الصحي والكبر". وحتى عندما كان الراتب ينزل، لم يكن يكفيهم، وكان أخو الأسير يساعدهم لأنه كان يعمل في إسرائيل. لكن بعد الحرب، تغير الوضع جذريًا. فقد معظم من حولهم أعمالهم أو تراجع دخلهم بشكل كبير، ولم يعد أحد قادرًا على المساعدة أو الإقراض. ومع انقطاع راتب زوجها، ازداد الاختناق الاقتصادي للأسرة بشكل غير مسبوق. هذه الشهادة تكشف بوضوح أن الأزمة لا تقتصر على الأسير نفسه، بل تمتد لتشمل أسرته وشبكة الدعم الاجتماعي المحيطة به، والتي انهارت بدورها تحت وطأة الحرب والأزمة الاقتصادية الخانقة.
تُدعم هذه الشهادات بأرقام تكشف حجم الكارثة الاقتصادية التي تلوح في الأفق، فبين عامي 2023 و2025، تراجع الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 29%، بينما انهار اقتصاد غزة بنسبة 87%، وعاد الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى عام 2009، مما يعني فقدان 15 عامًا من التنمية الاقتصادية. وصلت البطالة إلى 69% في غزة وقرابة 30% في الضفة الغربية، وتراجعت العمالة الفلسطينية في إسرائيل بنسبة 86% بعد أكتوبر 2023. أزمة الشيكل منذ منتصف 2025 زادت من صعوبة دفع الرواتب، وارتفعت تكلفة المعيشة بنسبة 54% عام 2024، مما جعل أي دخل ثابت، مهما كان محدودًا، ضرورة قصوى للبقاء على قيد الحياة. في هذا السياق، يصبح قطع الرواتب ليس مجرد قرار مالي، بل ضربة قاسية توجه في وقت يعاني فيه الاقتصاد من انكماش حاد وأزمة سيولة خانقة, مما يهدد بانهيار شامل.
لم تعد القضية مجرد مسألة مالية، بل هي ملف سياسي اقتصادي معقد يعكس هشاشة النظام الفلسطيني تحت نير الاحتلال والضغوط الدولية. شهادات عامر عرفة وح.ب وجميلة تكشف التناقضات الصارخة: أسير يُقطع راتبه رغم القانون، وآخر يستمر راتبه بسبب الانتماء السياسي، وزوجة أسير تصف انهيار أسرتها تحت وطأة الحرب وانقطاع المخصصات. وبين هذه الشهادات المؤلمة، يقف آلاف الأسرى والشهداء والجرحى، الذين تحولوا إلى ضحايا لسياسات مالية وإصلاحات إدارية مثيرة للجدل. المطلوب اليوم ليس فقط إعادة الرواتب، بل إطار قانوني موحد يضمن العدالة، ويعيد الاعتبار لقضية الأسرى كملف وطني مقدس، لا كحالة اجتماعية يمكن التلاعب بها.
إن معالجة هذا الملف تتطلب رؤية شاملة تربط بين العدالة الاجتماعية والسياسات الاقتصادية، وإلا سيبقى الأسرى المحررون وأهالي الشهداء والجرحى في دائرة التهميش الاقتصادي والسياسي، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للنسيج الوطني الفلسطيني ولقدرة المجتمع على الصمود في وجه الاحتلال والأزمات المتلاحقة، مما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



