ترامب بين نرجسية السلطة وفشل السياسة... هل يدفع ثمن ذلك في صناديق الاقتراع؟

21.07.2026 08:14 AM

كتب اسماعيل جمعه الريماوي: عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وهو يرفع شعارًا واحدًا: إنه الرئيس الذي سيُنهي الحروب ولن يجر الولايات المتحدة إلى صراعات جديدة، قدم نفسه على أنه "صانع الصفقات" الذي يستطيع، بما يملكه من شخصية قوية ونفوذ سياسي، أن يفرض السلام حيث فشل الآخرون، وأن يحل أعقد أزمات العالم بأسلوبه المباشر، لكن بعد أشهر من توليه الرئاسة، يبدو أن الشرق الأوسط كشف حدود هذه الصورة، وحول وعوده إلى اختبار صعب لم ينجح في تجاوزه.

فقد أخفق ترامب في الحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، كما لم يتمكن من تثبيت الهدوء في لبنان، بينما فشلت مقاربته تجاه إيران في إنتاج استقرار دائم، لتبقى المنطقة تعيش على وقع الحروب والتصعيد والتهديدات المتبادلة، وفي كل مرة تتجدد فيها المواجهات، يكون المدنيون هم الضحية الأولى، بينما تتراجع وعود السلام أمام واقع تفرضه القوة العسكرية أكثر مما تفرضه الدبلوماسية.

ولم يكن هذا الفشل مجرد نتيجة لتعقيدات الشرق الأوسط، بل ارتبط أيضًا بطبيعة الأسلوب الذي يدير به ترامب السياسة الخارجية، فمنذ دخوله الحياة السياسية، بنى صورته على أنه القائد الذي لا يُهزم، والرجل الذي يمتلك الحلول لكل الأزمات، ويعتقد أن شخصيته وحدها قادرة على إخضاع الخصوم وإقناع الحلفاء، ويرى كثير من منتقديه أن هذا النهج يعكس ثقة مفرطة بالنفس ونزعة إلى تمجيد الذات، وهو ما انعكس في طريقة تعامله مع قادة العالم، حيث غلبت لغة التهديد والضغوط والإملاءات على لغة الحوار والتوافق.

وفي أكثر من مناسبة، تعامل ترامب مع الدول، سواء كانت حليفة أو خصمة، بمنطق رجل الأعمال الذي يعتقد أن كل شيء قابل للمساومة، وأن السياسة الدولية لا تعدو كونها سلسلة من الصفقات، إلا أن الشرق الأوسط أثبت مرة أخرى أن الحروب لا تنتهي بالشعارات، وأن الأزمات التاريخية لا تُحل بمنطق الاستعراض الإعلامي أو التغريدات أو الضغوط الاقتصادية وحدها.

وفي الوقت الذي كان يتحدث فيه عن إحلال السلام، واصلت إدارته تقديم دعم واسع لإسرائيل في حربها على غزة في إبادة جماعية تعد الأكثر دموية وقسوة في العصر الحديث ، وفي عملياتها العسكرية المدمرة في لبنان، كما تبنت سياسة متشددة تجاه إيران، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تبدو، في نظر كثيرين، طرفًا منخرطًا في الصراع أكثر من كونها وسيطًا قادرًا على إنهائه، وهكذا بدت وعود ترامب بإنهاء الحروب بعيدة عن الواقع، بينما كانت المنطقة تزداد اضطرابًا.

ومع استمرار التوتر، دفعت الولايات المتحدة أيضًا ثمن هذا الانخراط، فقد تعرضت القوات الأميركية في المنطقة لهجمات أوقعت قتلى وجرحى، وكان الهجوم الذي استهدف القوات الأميركية في الأردن مؤخرا أحد أبرز الأمثلة على المخاطر التي تواجهها القوات المنتشرة في الشرق الأوسط، وأعاد ذلك إلى الواجهة سؤالًا يطرحه الأميركيون منذ سنوات: لماذا يستمر الجنود الأميركيون في دفع ثمن صراعات لا تبدو نهايتها قريبة؟

هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر في ظل تنامي أصوات داخل الولايات المتحدة ترفض الانخراط في حرب جديدة مع إيران، فشريحة واسعة من الرأي العام الأميركي ترى أن أي مواجهة واسعة في المنطقة قد تُفهم على أنها تخدم المصالح الإسرائيلية أكثر مما تخدم المصالح الأميركية، خاصة في ظل الأعباء الاقتصادية الداخلية، وارتفاع الدين العام، وتزايد الإنفاق العسكري، ولذلك فإن المواطن الأميركي بات أكثر حساسية تجاه أي سياسة قد تجر بلاده إلى نزاع جديد في الشرق الأوسط.

ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل، تتحول السياسة الخارجية إلى عنصر مهم في حسابات الناخب الأميركي، فهذه الانتخابات لا تُجرى على أساس الشعارات، بل على أساس النتائج، وإذا بقيت الحروب مشتعلة، واستمر الشرق الأوسط مصدرًا للتوتر والخسائر، فإن ترامب والحزب الجمهوري قد يواجهان محاسبة سياسية قاسية في صناديق الاقتراع، خصوصًا إذا شعر الناخب بأن الوعود التي سمعها لم تتحول إلى واقع.

لقد بنى ترامب جزءًا كبيرًا من شعبيته على صورة القائد القوي الذي لا يتردد في فرض إرادته على العالم، لكن السياسة الدولية لا تُدار بمنطق القوة والعنترية وحدها، ولا بمنطق الغطرسة أو الاعتقاد بأن إرادة رئيس واحد قادرة على تغيير خرائط الصراعات المعقدة، فالشرق الأوسط أثبت مرارًا أنه أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في صفقات سريعة أو تهديدات متكررة، وأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى رؤية سياسية متوازنة تعالج جذور الأزمات لا مظاهرها.

وربما تكون المفارقة الكبرى أن الرئيس الذي وعد الأميركيين بإبعاد بلادهم عن الحروب، يجد نفسه اليوم أمام شرق أوسط أكثر اضطرابًا، ووقفات إطلاق نار تنهار تباعًا، وتوتر متصاعد مع إيران، واستمرار للحرب في غزة، وقلق دائم على الجبهة اللبنانية، وبينما تتراجع فرص تحقيق إنجاز سياسي كبير، تتزايد الأسئلة داخل الولايات المتحدة حول جدوى هذه السياسات وكلفتها.

وفي النهاية، قد لا يكون الامتحان الحقيقي لترامب في المؤتمرات الصحفية أو الخطابات الانتخابية، بل في حكم الناخب الأميركي، فإذا كان قد وعد بأنه سيصنع السلام وفشل في الحفاظ عليه، وإذا كان قد قدم نفسه بوصفه رجل الصفقات الذي لا يخسر، بينما استمرت الحروب واتسعت الأزمات، فإن صناديق الاقتراع قد تتحول إلى استفتاء على سياساته الخارجية، فالتاريخ لا يتذكر القادة بما قالوه عن أنفسهم، بل بما حققوه على أرض الواقع، والناخب الأميركي قد يكتشف أن الثقة المفرطة بالنفس، والغطرسة في إدارة العلاقات الدولية، لا تصنع سلامًا، ولا تمنح رئيسًا حصانة من المحاسبة السياسية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير