بين سخرية السياسة وفضيحة العجز.. من يحكم الوهم؟

كتب اسماعيل الريماوي: تقف الساحة الفلسطينية أمام مشهد سياسي يثير أكثر من سؤال، ليس عن الديمقراطية فقط ، بل عن معنى الديمقراطية حين تتحول إلى إجراءات شكلية، وعن الانتخابات حين تصبح نتائجها مرسومة قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع.
فالسلطة الفلسطينية وحركة فتح تسعيان بكل ما تملكان من أدوات سياسية وإدارية إلى إحكام السيطرة على مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، من المجلس الوطني إلى المجلس التشريعي ومنظمة التحرير، في وقت تتراجع فيه مساحة المنافسة السياسية ويجري تهميش وإقصاء قوى وشخصيات فلسطينية لا تنسجم مع توجهات القيادة القائمة.
لكن السؤال الذي يبدو أكثر إيلاماً: على ماذا كل هذا الصراع؟ وعلى أي سلطة تتقاتلون؟
إنها سلطة تحت الاحتلال، لا تملك سيادة حقيقية على الأرض، ولا تملك قرار الحدود أو الأمن أو الموارد، ولا تستطيع حماية شعبها من الاقتحامات والاستيطان والهدم والتهجير، وفي الوقت الذي يخوض فيه الشعب الفلسطيني حرباً وجودية تستهدف أرضه وهويته ووجوده ومستقبله، ينشغل بعض السياسيين بالصراع على المناصب والمقاعد والامتيازات، وكأننا أمام دولة مكتملة السيادة تتنافس فيها القوى السياسية على إدارة وطن مستقل.
إنها مفارقة تصل إلى حد العبث السياسي: شعب يُقتلع من أرضه، وغزة تُدمر، والضفة الغربية تتعرض للاستيطان والمصادرة والتهجير، والقدس تواجه أخطر مشاريع التهويد، بينما ينشغل جزء من الطبقة السياسية بمعركة من يجلس على كرسي المجلس الوطني، ومن يسيطر على المجلس التشريعي، ومن يحتفظ بموقعه داخل منظمة التحرير.
وكأن المعركة أصبحت على وهم السلطة، لا على تحرير الأرض وصون المشروع الوطني، لا أحد يعترض على التنافس السياسي، فالتعددية حق، والانتخابات ضرورة، وتداول المسؤولية أمر صحي لأي نظام سياسي، لكن أن يتحول التنافس إلى صراع على النفوذ والامتيازات داخل سلطة مقيدة بالاحتلال، بينما القضية الوطنية نفسها تواجه أخطر مراحلها، فهذا يستدعي إعادة ترتيب الأولويات قبل أن تضيع البوصلة بالكامل.
المفارقة أن من يتحدث عن ترتيب البيت الفلسطيني وتوحيد الصفوف، يمضي في الوقت نفسه نحو بناء بيت سياسي بمفتاح واحد، لا يملك دخوله إلا من يوافق على شروط أصحاب القرار ، وهنا تصبح الديمقراطية مجرد عنوان جميل، بينما تتحول الممارسة إلى ديمقراطية التفرد والإقصاء.
وتشهد الساحة الفلسطينية جدلاً سياسياً واسعاً وحالة متصاعدة من الاستياء الشعبي والفصائلي على خلفية الترتيبات المتعلقة بإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير، ويتركز الاعتراض على الآليات التي تقوم على التعيين والمحاصصة والمجمعات الانتخابية المغلقة، بدلاً من إجراء انتخابات حرة ومباشرة تتيح للفلسطينيين في الداخل والشتات اختيار ممثليهم بأنفسهم.
المشكلة ليست في الانتخابات باعتبارها وسيلة ديمقراطية، وإنما في هندسة العملية الانتخابية بطريقة تجعل الناخب مجرد شاهد على نتيجة جرى إعدادها مسبقاً، فعندما يتم اختيار الناخبين أنفسهم وفق ترتيبات مغلقة، وعندما تُفرض شروط على الترشح، وعندما تصبح أبواب المنافسة مفتوحة لفئة ومغلقة أمام أخرى، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل نحن أمام انتخابات حقيقية، أم أمام عملية لإضفاء الشرعية على اختيارات جاهزة؟
والأخطر من ذلك هو تهميش فلسطينيي الشتات، وهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني وليسوا جالية هامشية يمكن تمثيلها بالتعيين أو الاختيار من فوق، ملايين الفلسطينيين في الخارج لهم حق أصيل في المشاركة في صياغة القرار الوطني واختيار ممثليهم، وليس من حق أي قيادة أن تتعامل معهم باعتبارهم مجرد جمهور يُطلب منه تأييد قرارات اتُخذت بعيداً عنه.
فالمنظمة التي يفترض أنها تمثل الشعب الفلسطيني بأكمله لا يمكن أن تكون ديمقراطية في الداخل وإقصائية في الخارج، ولا يمكن أن تتحدث عن وحدة الشعب الفلسطيني بينما تستبعد ملايين الفلسطينيين من حقهم في المشاركة السياسية.
إن القضية ليست صراعاً على مقاعد مجلس وطني أو تشريعي، بل صراع على مفهوم التمثيل الفلسطيني نفسه: هل هو حق للشعب أم امتياز للقيادة؟ وهل المؤسسات الوطنية ملك للفلسطينيين جميعاً أم أدوات تحتكرها جهة سياسية واحدة؟
والأخطر أن يستمر هذا الصراع على النفوذ في وقت تحتاج فيه القضية الفلسطينية إلى إعادة بناء المشروع الوطني على أساس الشراكة، لا الهيمنة، وعلى أساس المقاومة السياسية والشعبية والدبلوماسية والوحدة الوطنية، لا على أساس تقاسم المقاعد والمواقع.
لقد آن الأوان للخروج من ديمقراطية الشعارات إلى ديمقراطية الممارسة، ومن صراع المناصب إلى صراع الأولويات، فالشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى سلطة تتصارع على سلطة بلا سيادة، ولا إلى قيادات تتنافس على امتيازات فوق أرض محتلة، بل يحتاج إلى قيادة تستمد شرعيتها من شعبها، وتضع تحرير الأرض وحماية الإنسان الفلسطيني وإنهاء الاحتلال فوق كل حسابات الفصائل والمناصب.
ففي اللحظة التي يخوض فيها الشعب الفلسطيني معركة وجود، لا يجوز أن تتحول السياسة إلى معركة على من يملك الكرسي، وفي الوقت الذي يواجه فيه الفلسطيني خطر اقتلاعه من وطنه، يصبح الصراع على المواقع داخل سلطة محدودة الصلاحيات أقرب إلى الصراع على وهم.
الشرعية لا تُمنح بمرسوم، ولا تُصنع بالمحاصصة، ولا تُفرض من خلف الأبواب المغلقة ، الشرعية تُنتزع من الشعب عبر صندوق انتخاب حر ونزيه، يشارك فيه الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والشتات، ويختار من يمثله دون وصاية أو إقصاء.
أما أن يُطلب من الفلسطيني أن يصفق للديمقراطية بينما يُمنع من ممارستها ، وأن يُطلب من الشتات أن يدعم القرار الوطني بينما يُحرم من صناعته ، وأن يُطلب من شعب يخوض معركة وجود أن ينشغل بصراع على مناصب وامتيازات داخل سلطة بلا سيادة، فهذه ليست ديمقراطية، بل سخرية سياسية وفضيحة عجز عن مواجهة الحقيقة.
الشرعية ليست امتيازاً دائماً، و فلسطين قضية شعب ليست فقط قضية سلطة ، والقرار الوطني حق لكل الفلسطينيين، ومن يريد أن يمثل هذا الشعب عليه أولاً أن يثق به، ويترك له حق الاختيار.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



