من قتل الإنسان إلى اغتيال الحضارة... ماذا يريد الاحتلال من غزة؟

20.07.2026 08:10 AM

كتب  إسماعيل جمعة الريماوي: ليست الحروب مجرد مواجهة بين جيوش، ولا تقاس نتائجها بعدد الضحايا أو حجم الدمار العمراني فقط، بل بقدرتها على استهداف ذاكرة الشعوب وهويتها الحضارية، ففي غزة لم تقتصر المأساة على قتل عشرات الآلاف من المدنيين، وتدمير الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس والجامعات، بل امتدت لتطال إرثًا حضاريًا وثقافيًا ودينيًا تراكم عبر آلاف السنين، في واحدة من أخطر عمليات محو الذاكرة التاريخية التي شهدها العصر الحديث.

غزة ليست مدينة ولدت مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وليست مجرد بقعة جغرافية تتنازعها القوى السياسية، بل هي واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، تعاقبت عليها الحضارات الكنعانية والمصرية والآشورية والفارسية واليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية والعثمانية، وعلى أرضها تركت كل حضارة بصمتها، فغدت المدينة متحفًا مفتوحًا يروي تاريخ المنطقة بأكملها.

لكن ما يجري اليوم يتجاوز حدود الحرب التقليدية، فحين تُقصف الكنائس التاريخية، وتُدمر المساجد العتيقة، وتُستهدف المتاحف والمواقع الأثرية والمخطوطات والمكتبات، فإن القضية لم تعد مجرد خسائر مادية، بل محاولة لطمس الشواهد التي تثبت عمق الوجود الفلسطيني على هذه الأرض، وإزالة كل ما يربط الإنسان بجذوره التاريخية.

لقد تعرضت معالم دينية وتاريخية عريقة للتدمير أو لأضرار جسيمة، ومنها الكنائس التي يعود تاريخ بعضها إلى القرون الأولى للمسيحية، والمساجد التاريخية التي شهدت قرونًا من الحياة الإسلامية، والأسواق القديمة، والمباني الأثرية، والمراكز الثقافية، والمتاحف التي احتضنت آلاف القطع الأثرية النادرة، كما دُمرت الجامعات والمكتبات التي كانت تحفظ الذاكرة العلمية والثقافية للشعب الفلسطيني، في مشهد يبدو وكأنه يستهدف الإنسان وتاريخه معًا.

إن التراث الثقافي ليس مجرد مبانٍ حجرية يمكن إعادة تشييدها، بل هو الذاكرة الحية للشعوب، وهو الوثيقة التي تثبت وجودها واستمراريتها عبر الزمن، وعندما يُمحى هذا التراث، فإن المستهدف ليس الماضي وحده، وإنما المستقبل أيضًا، لأن الأجيال القادمة تُحرم من معرفة جذورها ومن الشواهد التي تؤكد انتماءها إلى هذه الأرض.

ولعل الأخطر أن استهداف التراث في غزة يأتي ضمن سياق أوسع من محاولات إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والرواية التاريخية، فالمعركة لم تعد على الأرض فقط، بل على الذاكرة والوجود أيضًا، وإذا كان الاحتلال يسعى إلى فرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية، فإنه يدرك أن الرواية التاريخية تشكل أحد أهم عناصر الصراع، ولذلك يصبح تدمير الشواهد الأثرية جزءًا من معركة السيطرة على التاريخ نفسه.

فمن يطمس المعالم التاريخية يسعى إلى إضعاف الأدلة المادية التي تثبت هوية المكان، ومن يدمر المساجد والكنائس والمتاحف، لا يستهدف دور العبادة أو المباني فحسب، بل يستهدف المعنى الذي تحمله، والرسالة التي تقول إن لهذا الشعب جذورًا عميقة في هذه الأرض، سبقت الاحتلال بقرون طويلة.

وليس هذا النمط جديدًا في التاريخ، فالقوى الاستعمارية كثيرًا ما سعت إلى محو تراث الشعوب التي احتلتها، لأنها تدرك أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن إخضاع الشعوب يقتضي أيضًا تفكيك ذاكرتها الجماعية، وقطع صلتها بتاريخها، وإضعاف روايتها الوطنية، ولذلك كانت عمليات تدمير التراث دائمًا ترافق مشاريع الاستيطان والتهجير والإحلال السكاني.

وما يزيد المشهد قسوة أن غزة، التي كانت تضم كنوزًا أثرية نادرة تعود إلى آلاف السنين، تواجه اليوم خطر فقدان جزء كبير من هذا الإرث إلى الأبد، فالقطع الأثرية التي حطمت ، والمخطوطات التي حرقت ، والمباني التاريخية التي انهارت ، لكن خسارة هذه الكنوز لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل خسارة للتراث الإنساني العالمي بأسره، لأن الحضارة لا تُقسم وفق الحدود السياسية، بل هي ملك للبشرية جمعاء.

ومن المؤلم أن العالم الذي يتحرك بسرعة لحماية الآثار في كثير من مناطق النزاع، بدا عاجزًا أو صامتًا أمام ما يحدث في غزة، فالمواثيق الدولية التي تؤكد ضرورة حماية التراث الثقافي أثناء الحروب، بقيت في كثير من الأحيان حبرًا على ورق، بينما كانت المواقع التاريخية تتحول إلى ركام أمام أنظار العالم.

إن الحرب على غزة لم تستهدف الحياة فقط، بل استهدفت الزمن نفسه، لقد حاولت أن تقطع السلسلة التي تربط الماضي بالحاضر، وأن تقتلع الشواهد التي تؤكد أن هذه الأرض عاشت عليها حضارات متعاقبة، وأن الفلسطينيين ليسوا طارئين على المكان، بل امتداد طبيعي لتاريخه الطويل.

ورغم كل هذا الخراب، يبقى التاريخ أكثر صلابة من القنابل، فقد تهدم الجدران، وتحترق المخطوطات، وتنهار القباب والمآذن، لكن ذاكرة الشعوب لا تُمحى بالقوة، لأن التاريخ لا يعيش في الحجر وحده، بل في وجدان الناس، وفي روايتهم، وفي تمسكهم بحقهم في أرضهم وتراثهم.

لقد أثبتت غزة، عبر تاريخها الطويل، أنها قادرة على النهوض بعد كل كارثة، وأن الحضارات التي مرت عليها لم تستطع محو هويتها، واليوم ورغم حجم الدمار غير المسبوق، فإن إعادة إعمار الحجر قد تكون ممكنة، أما إعادة بناء ما فقده العالم من آثار وكنوز تاريخية فستحتاج إلى عقود، وربما لن يكون ذلك ممكنًا أبدًا.

إن الدفاع عن غزة اليوم ليس دفاعًا عن شعب يتعرض للحرب فحسب، بل هو دفاع عن ذاكرة الإنسانية، وعن التراث الذي يمثل سجلًا حيًا لحضارات تعاقبت على هذه البقعة من العالم، ومن يصمت على تدمير هذا الإرث، لا يشارك في خسارة الفلسطينيين وحدهم، بل يشارك في إفقار التاريخ الإنساني نفسه، لأن الحضارة حين تُقصف لا تسقط حجارتها فقط، بل يسقط معها جزء من ذاكرة العالم.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير