إبداع من رحم الحرب: مشروع صغير يعيد لميار شغف الحياة
غزة – نغم كراجة- وطن للأنباء: بين أزقة مدينة غزة المحترقة وتحت أسقف متصدعة، تحاول ميار أبو العوف (19 عامًا) أن تعيد بناء ما تهدم من حياتها، بعد أن دفعتها الحرب القاسية إلى ترك مقاعد الدراسة الجامعية، والتوجه نحو مشروع بسيط في مجال المشغولات اليدوية ليكون نافذتها نحو البقاء.
هذه الفتاة التي كانت الأولى على دفعتها في الجامعة وقطعت فصلين دراسيين بتفوق، وجدت نفسها فجأة خارج أسوار التعليم بعدما حاصرها النزوح المتكرر وشح الإمكانات وغياب أي مقومات طبيعية للحياة.
حين نزحت عائلتها من مدينة غزة إلى الجنوب في نوفمبر 2023، كانت ميار تحمل في حقيبتها الصغيرة كتبها وأوراقها التي خططت عبرها لمستقبل مهني وأكاديمي واضح لكن سرعان ما تحولت تلك الأوراق إلى مجرد ذكرى ثقيلة بعد أن سقط منزلهم في الشجاعية تحت القصف، العودة إلى غزة نهاية يناير 2025 لم تكن أكثر رحمة، فالبيت الذي حلمت أن تعود إليه تحول إلى ركام أسود، والغرف لم تعد تصلح إلا لتأريخ حجم الكارثة، أمام هذا المشهد، استقرت الأسرة في منزل متضرر، جدرانه متشققة وزواياه تحكي قصة نيرانٍ أحرقت كل ما فيه.
من هناك بدأت ميار رحلتها الجديدة، تقول بصوت يختلط فيه الأمل بالخذلان لوطن للأنباء: "حين وجدت أن الطرق أُغلقت في وجهي، أدركت أن عليّ أن أبحث عن مساحة صغيرة أتنفس من خلالها، لم يعد بإمكاني انتظار انتهاء هذه الحرب لأعود للدراسة، فقررت أن أفتح مشروعاً منزلياً في صناعة المشغولات اليدوية، صحيح أن الربح محدود، لكنه يمنحني شعوراً بأنني أقاوم بطريقتي الخاصة، وأنني قادرة على أن أكون سنداً لعائلتي بدل أن أظل حبيسة الانتظار".
اختارت أن تطلق على مشروعها شعار "إبداع من رحم الحرب”، وروجت لمنتجاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فوجدت تفاعلاً يشجعها على المضي رغم المصاعب. تضيف: "قد يظن البعض أن الأزمات تدفن الطموح لكنني أؤمن أن الفتاة الفلسطينية قادرة على النهوض مهما كان حجم الدمار، نحن نستطيع أن نبدأ من الصفر، ونحوّل الخسارة إلى دافع للعمل حتى لو كنا نعيش بين الجدران المحترقة، ما أقوم به ليس مجرد تجارة، بل هو رسالة أن المرأة تستطيع أن تكون عماد بيتها ومصدر عزيمة لأسرتها".
رغم نجاحها النسبي، يظل حلم الدراسة مؤرقاً لها. بلهجة مثقلة بالشوق تقول: "أفتقد قاعات المحاضرات، وأشعر أن حياتي معلقة حتى أعود إليها. تعليمي هو الأمل الأكبر بالنسبة لي، ولن أتخلى عنه مهما طال الغياب، أتمنى أن يأتي اليوم الذي أستكمل فيه رحلتي الأكاديمية، وأثبت للعالم أن الفتاة التي حُرمت من حقها في التعليم بسبب الحرب يمكن أن تنهض من جديد وتصل إلى ما تريد".
بهذه الإرادة، تكتب ميار أبو العوف قصة مختلفة عن شبابها الضائع، فتاة صنعت من الألم قوة، وحوّلت من الركام مساحة صغيرة للحياة والإبداع.




