العدل يمشي في الجوار ...بقلم: ناحوم برنياع / يديعوت

30.07.2011 10:21 AM

أشبه نتنياهو هذا الاسبوع شخصا خرج ليسبح في البحر. فهو على ثقة بأنه يعلم الى أين يريد الوصول وكيف: فالسباحة تخصصه. لكنه يتبين فجأة أن الأمواج عالية تسحبه الى الاتجاه المعاكس. وهو يحاول أن يرفع رأسه لكن الزبد يضرب وجهه ويغوص تحت الأمواج لكن التيار أقوى منه. وقبل أن يستسلم نهائيا يجمع مؤتمرا صحفيا ويعلن قائلا: اخطأتم بي. هدفي أن أسير مع الأمواج لا في معاكستها. وأنا لست سباحا بل متزلجا. أنا بيبي الموجة والاماكن التي أُجر اليها هي الاماكن التي أردت وصولها حقا منذ كنت.

            البشرى السيئة هي أن لا أحد يصدقه. والبشرى الخيرة انه ما يزال يطفو حتى الآن.

            عندما خاف آباؤنا من قوة ظواهر الطبيعة اعتادوا أن يُقربوا لها القرابين. في يوم الثلاثاء أعطى نتنياهو الطلاب الجامعيين 150 في المائة مما طلبوا. ووعد بأن يغرق البلاد بالشقق. وعندما أدرك أن قربانه غير مُرض خفض سعر الحليب ورسوم السفر لعجلات الاولاد، ولم يكن هذا القربان ايضا مرضيا فقد طغى الاحتجاج كأن له حياة تخصه دونما صلة بما يعد به أو لا يعد رئيس الحكومة. وقال له مستشاروه ان الآلهة ظامئة لقربان بشري، فقرب شتاينيتس تهدأ البلاد.

            ظن للحظة أن هذا هو الحل الصحيح. فبدل شتاينيتس يُعين كحلون الحبيب الى وسائل الاعلام الاقتصادية، ويمكن الخطبة أن تكتب من تلقاء ذاتها: عدة جمل في مدح الكحلونية، وكلمة لا يفهم أحد معناها لكن رنينها ممتاز، وفقرة في حساسية وزير المالية الجديد الاجتماعية، وايماء طفيف الى الأصل الطائفي الصحيح حتى تُنقض الخيام.

            لكن لا، فسكان الخيام في العفولة وعسقلان ورتشيلد ولفنسكي لا يهمهم كيف يُسمى وزير المالية – شتاينيتس أو كحلون أو غيلا غملئيل فجميعهم شتاينيتس.

            عرفت اسرائيل في سنيها أمواج احتجاج أكبر وانفجارات غضب أكثر حدة لكن يبدو أنه لم يكن قط فرق الفهم بين الساسة والمحتجين كبيرا الى هذه الدرجة. فالساسة لا يؤمنون بأنه يوجد شيء كهذا، أي احتجاج عفوي وانتظام مدني. فاذا كان يوجد من يحتج فهذه علامة على أن شخصا ما دفع اليه وأنه تكمن وراء المتظاهر الساذج مؤامرة خصوم سياسيين وتدبير خفي.

            يتذكر نتنياهو جيدا مظاهرات جنود الاحتياط الذين عادوا من لبنان في 2006. كان الاحتجاج أصيلا وكان طلب عزل اولمرت وبيرتس وحلوتس صادقا، لكن المال دفعه مجلس "يشع" واصدقاء نتنياهو الأثرياء في امريكا، فنتنياهو مدين بانتخابه لهم.

            وهو يتذكر ايضا خطبة الانتخابات البائسة لاسحق شمير في 1992 في الحي د في بئر السبع. رفع شباب من الحي في منتصف الخطبة لافتات اتهمت شمير بالبلادة الاجتماعية. عرض لي أن اصحب شمير الى ذلك العرض الذي كان علامة على بدء الانقلاب الذي جاء برابين للحكم. دفع حزب العمل اليهم، قال لي شمير في الطريق الى المروحية، وكان شكه في محله – فقد حفز مقر انتخابات رابين المتظاهرين – لكنه يعرف كيف يصد موجة الاحتجاج تلك.

            الدرس الذي تعلمه نتنياهو مزدوج وهو أنه يجب تبني المتظاهرين الاجتماعيين. لا يجوز أن يُقال فيهم انهم غير لطيفين كما قالت غولدا مئير في الفهود السود. يجب الاصغاء اليهم وفتح الجيب والاعطاء. وفي المقابل وضع علامة سؤال على بواعثهم السياسية. ينبغي أن ترشوهم وتشك فيهم. فالاحتجاج لا بأس به. والمحتجون مريبون. أسماهم نتنياهو في مؤتمره الصحفي "انتهازيين".

            نتنياهو معاصر التلفاز. فهو يكون في أفضل حالاته عندما يُزين ويلعب بيديه وبصوته إزاء عدسة التصوير. لكنه لا يفهم جيل الفيس بوك ولا قواعد اللعب. ولا الازمات ولا الارتباطات الانسانية. يبدو أن هذه هي الازمة الاولى في حياته السياسية التي تجعله يشعر بأنه شيخ.

            لديه نظرية مرتبة لكل ما يتعلق بالاقتصاد والمجتمع. فهو مثل نظرائه الجمهوريين يسجد للاقتصاد الحر والمنافسة وملوك المال، وكل ما يستطيع المال الكثير شراءه. ان الجهاز السياسي في اسرائيل مقسوم الى طائفتين مستقلتين. ففي الجدل السياسي يوجد نتنياهو في قلب الجهة اليمنى من الطيف السياسي فيما يمكن أن يسمى يمينا ضابطا لنفسه. وفي الجدل الاجتماعي يجلس هو وليبرمان معا في أقسى اليمين، وباراك قريب منهما. وأكثر الليكود وأكثر كديما يراوحون بين المركز واليمين. أما حزب العمل فهو متصل بجزء منه بلجان العمال القوية. لم يوجد حتى اليوم يسار اجتماعي في الكنيست ما عدا ميرتس المتقلصة وأجزاءا من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.

            إن موجة الاحتجاج تعرض نتنياهو لمواجهة معضلة غير بسيطة. فغرائزه الاقتصادية تحذره من أن الاستسلام للمتظاهرين سيجلب الخراب على الاقتصاد. وغرائزه السياسية تحذره من أن العناد سيسقطه عن كرسيه وهو ما يزال يبحث عن الطريق المستقيم.

            قبل شهرين فقط عاد نتنياهو متوجا بالنصر من امريكا. يعاقبون على الانتصارات. كان العقاب الاول سيطرة اليمين الاستيطاني على سياسة الحكومة وعلى سن القوانين في الكنيست. وكان العقاب الثاني الفراغ الاخباري. فلا توجد مسيرة سياسية ولا حرب ولا ارهاب. هذا وقت النضال – عن سعر المحروقات أولا ثم عن سعر الكوتج وعن السكن بعد ذلك، وعن كل شيء الآن – عن التربية والصحة والرفاه والغنى الخنزيري لقلة مقربة من السلطة – جميع المشكلات التي توهن حياة الشباب من الطبقة الوسطى.

            لو أن الفلسطينيين استطاعوا أن يبدأوا انتفاضتهم في الاول من آب لا في موعد ما من ايلول لأصبح نتنياهو أسعد الناس.

 

            مصلحة الأكثرية

            ولدت موجة الاحتجاج في الفيس بوك، لكن البذرة بذرت في تشرين الثاني 2008 في الحملة الانتخابية لعضو الكنيست دوف حنين (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة) لرئاسة بلدية تل ابيب. أفضت اسعار الايجار العالية بشباب كثيرين الى الانضمام الى حنين برغم بعدهم عن حزبه. وتمتعت الحملة الانتخابية بطاقة ايجابية وطراوة ونقاء. وكان العدو رون حولدائي وكان الامر سهلا. لم يتوقع أحد في الحقيقة النصر لكنهم جميعا فرحوا بالمشاركة.

            هناك بُعد ساخر لحقيقة أن حولدائي أجاز لمتظاهري الموجة الحالية أن يقيموا خيامهم في جادة روتشيلد واهتم بأن ينظف عمال البلدية ويصونوا. فبدل أن يعطيهم شققا أعطاهم جادة.

 

            عندما تُفتح صناديق الاقتراع

            هل سيولد الاحتجاج حركة سياسية؟ هذا السؤال مفتوح. كما تبدو الامور الآن فان كل محاولة لادخال الاحتجاج في مسار سياسي سيقتله في مهده. مع ذلك يوجد شيء سياسي جدا حدث هنا: فاليسار الذي تلقى ضربة فظيعة في سنة 2000 بُعث حيا بلباس جديد. وهو يسار لا تشغله القضية الفلسطينية ولا حقوق الانسان ولا ضائقة الطبقات الضعيفة، وهو يسار ليس مستعدا ليعيش حياة الآخرين. لن تبقى هذه الطاقة في الفيس بوك.

            لا ترى تسيبي لفني في الاحتجاج سوى شيء ايجابي. فهي تريد مجتمعا مدنيا نشيطا. وبالمناسبة، تتمتع بأزمة نتنياهو. فهي تؤمن انه في النهاية عندما تفتح صناديق الاقتراع، وحينما يُدعى الناخبون للاختيار بينها وبينه فان كديما سيكون العنوان.

 

            سنحرز أكثر في النهاية

            يقول وزير الاسكان اريئيل اتياس: "ان احتجاج الخيام من جهتي يشبه الربح في اليانصيب. وزمن شراء. حصلت على ما أردت. ليست لي مطالب جديدة".

            إن اتياس ابن الواحدة والاربعين واحد من الطموحين في وزراء الحكومة. حينما أدرك نتنياهو أنه يجب عليه أن يخرج فورا بخطة تصد موجة الاحتجاج كان اتياس هو العنوان. وكانت الخطط معدة. فقد كانت نفس الخطط التي اقترحها على نتنياهو في الماضي وأُجيب بأجوبة مثل: ليس الآن، سيكون ايلول زمنا أفضل؛ أو: أنا اؤيد لكن المالية تعارض، أو: تعال نر. "كان الخطأ أنهم لم يستمعوا لي"، يقول اتياس. "فبدل أن يحاولوا احراز كل شيء بمرة واحدة حاولوا نيله مفرقا.

            "أجزنا الاصلاح في مديرية اراضي اسرائيل وفي التخطيط لكن الناس لم يروا أي شيء على الارض لسنتين، فأحدث هذا فجوة ثقة.

            "قلت طوال الوقت، لا يمكن أن تعمل مديرية اراضي اسرائيل من اجل نيل اقصى ربح. فكما تباع الكنس أو المراكز الجماهيرية أو برك السباحة العامة اراضي بلا ربح، يجب وقف البحث عن ربح على الشقق. وكان نتنياهو وشتاينيتس معارضين. والآن استغللت الفرصة.

 

            ساعته الصعبة

            خططوا في ديوان رئيس الحكومة لاخماد الاحتجاج على عجل. وقد أوكل الامر لايتسيك شمولي، رئيس اتحاد الطلبة الجامعيين. فقد كان يفترض أن يجلس على المنصة الى جانب نتنياهو. وكان نتنياهو سيفصل الافضالات على الطلبة الجامعيين ويباركه شمولي.

            لم يحضر شمولي هناك فقد عاد الى خيمته في روتشيلد. "كانت لي ساعة صعبة"، يقول. "فمن جهة حصلنا على انجاز تاريخي ومن جهة ثانية لم ينقض النضال الاجتماعي". هاتف 45 من رؤساء اتحادات الطلبة الجامعيين فأيد أكثرهم الاستمرار في النضال. "أتفهمون ماذا يعني هذا"، حذرهم شمولي. "سيكون النضال صعبا وطويلا. فنحن نقول لا لرئيس الحكومة".

            تثبت معضلة شمولي الفرق بين احتجاج من أسفل واحتجاج من أعلى. سيمتحن الطلبة الجامعيون الاتحاد بحسب الافضالات التي يدخلها في جيوبهم لا بحسب اسهامه في العدل الاجتماعي.

            تبين حتى الآن أن الوعود للطلبة الجامعيين بعيدة عن التنفيذ. فخفض السعر في المواصلات العامة سيتم ببطاقة ذكية. واعدادها سيستغرق شهورا كثيرة. وبناء منازل السكن الجامعية قضية لسنين اذا حدثت أصلا. وشمولي يدرك أن جزءا من الوعود التي تلقاها هي وعود على جليد.

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير