نصر في عيون رفاقه

نصر.. حارس البيدر

20.07.2026 10:19 PM

وطن للأنباء: من قرية بيت دجن، شرق نابلس، بدأت الحكاية. هناك، في السادس والعشرين من تموز عام 1969، وُلد نصر خليل أبو جيش، ليكبر على قناعةٍ بأن الانتماء للوطن لا يكون شعارًا، بل مسيرةً من العطاء والمواقف.

رحل نصر حارسُ البيّدر، تاركًا خلفه عقودًا من العمل الوطني والسياسي، ارتبط خلالها اسمه بحزب الشعب الفلسطيني، الذي انضم إليه عام 1986، متأثرًا بوالده، أحد كوادر الحزب الشيوعي الفلسطيني. ومنذ سنواته الأولى، اختار طريق النضال، فتعرض للاعتقال مرات عدة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، قبل أن يتدرج في المواقع التنظيمية للحزب، وصولًا إلى عضوية لجنته المركزية، ثم مكتبه السياسي.

وداع يليق بمناضل

وفي مسقط رأسه شيّعته جماهير غفيرة من أبناء شعبنا وبمشاركة ممثلين عن القوى الوطنية والإسلامية وفعاليات وقوى محافظة نابلس والوطن، وخيّمَ الحزنُ على المحافظة التي فقدت أحد رجالها الشجعان، لم يكن الفقيد شخصيا عاديا بل رمزا وطنيا للمقاومة الشعبية التي طالما عكرت صفو الاحتلال. فحجارة واشجار الزيتون وكل القلاع حزينة اليوم على فراق حارس لم يتوانى لحظة عن الدفاع عن ثرى ترابها.

وبين عائلته وأبنائه السبعة، كان أبًا يزرع قبل الكلمات قيم الوفاء لفلسطين، ويغرس في نفوسهم معنى التمسك بالأرض والهوية، كما حمل هو طوال حياته قناعة بأن الوطن ليس قضية تُحمل في الشعارات، بل عهدٌ يُورّث للأجيال.

لم يكن حضوره مقتصرًا على العمل الحزبي، بل امتد إلى مؤسسات العمل الوطني الفلسطيني، فشغل عضوية المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتولى تنسيق لجنة فصائل العمل الوطني في نابلس، كما نشط في جهود الإصلاح الاجتماعي، والدفاع عن حقوق العمال والطلاب والفلاحين، وشارك في عدد من لقاءات لجان الحوار الخاصة بالمصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس في القاهرة ورام الله.

وفي مسقط رأسه بيت دجن، ترأس المجلس القروي، وبقي قريبًا من الناس، مدافعًا عن حقوق العمال والطلبة والفلاحين، ومنخرطًا في جهود الإصلاح المجتمعي، كما شارك في لقاءات الحوار الخاصة بالمصالحة الفلسطينية، مؤمنًا بأن وحدة الصف هي الطريق الأقصر نحو الحرية.

برحيل نصر خليل أبو جيش، تفّقِدُ الساحة الفلسطينية أحد وجوهها الوطنية التي كرّست حياتها للعمل العام، لكن سيرته تبقى شاهدة على رجلٍ حمل فلسطين في فكره ومواقفه، وآمن بأن خدمة الوطن مسؤولية تستمر ما دام في العمر نبض.

إجماع على مسيرة استثنائية

وقال الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني، بسام الصالحي، إن الحزب يودع "رفيقًا متمردًا"، تميز منذ شبابه بروح المبادرة والعمل، واستطاع أن يشق طريقه حتى أصبح أحد أبرز قادة الحزب وركائز العمل الوطني في محافظة نابلس.

من جانبه، قال شقيقه د. نصري أبو جيش، لوطن للأنباء، إن وفاة شقيقه جاءت نتيجة تعرضه المتكرر للغازات السامة التي أطلقها جيش الاحتلال والمستوطنون خلال مشاركته في فعاليات المقاومة الشعبية، معتبرًا أنه "شهيد الغازات السامة" التي حصدت أرواح عدد من النشطاء الفلسطينيين.

أما ابن عمه، مدير عام الإغاثة الزراعية منجد أبو جيش، فأكد لوطن للأنباء، أن الراحل كان شديد الارتباط ببلدته وأهلها، ولم ينقطع يومًا عن متابعة تفاصيل حياتها، حتى أثناء سفره، مشيرًا إلى أن رحيله يشكل خسارة كبيرة لبيت دجن، وحزب الشعب، ومحافظة نابلس.

بدوره، استذكر محافظ نابلس غسان دغلس، سنوات النضال التي جمعت الراحل برفاقه في المسيرات والمواجهات الشعبية، مؤكدًا أن حضوره كان دائمًا في الصفوف الأولى، وأنه ظل رمزًا للصمود والعمل الميداني حتى آخر أيامه.

وقالت محافظة رام الله والبيرة الدكتورة ليلى غنام، لوطن للأنباء، إن أبو جيش ترك مدرسة وطنية ستبقى حاضرة في نفوس رفاقه وكل من سار على نهجه، مؤكدة أنه كان دائمًا في مقدمة العمل الجماهيري والمقاومة الشعبية.

ووصف أمين سر حركة فتح في نابلس محمد حمدان الراحل بأنه "قائد استثنائي"، قائلا: ننعى إلى الشعب الفلسطيني هذا القائد الاستثنائي بكل مواصفاته وتفاصيله.. المناضل الكبير أبو يسار على مثلك تبكي الرجال.

وأكد القيادي في حزب الشعب عاصم أبو حنيش، لوطن للأنباء، أن الراحل نصر أبو جيش كان من أبرز الشخصيات التي أسهمت في استنهاض العمل الوطني داخل بيت دجن وخارجها، وترك بصمة واضحة في مسيرة المقاومة الشعبية، مشيرًا إلى أن رفاقه تعلموا منه الكثير خلال مسيرته النضالية، وأنه سيظل أحد أعمدتها الذين يصعب أن توفيهم الكلمات حقهم.

ووصف مازن أبو جيش ابن عم الراحل ، لوطن للأنباء، أبو يسار بأنه كان قريبًا من الجميع، لا يفرّق بين فقير وغني، أو صغير وكبير، ويحمل همّ أبناء بلدته وأمنها واستقرارها، مؤكدًا أنه امتلك صفات القائد الحقيقي الذي شكّل سندًا لأبناء بيت دجن، وأن رحيله ترك فراغًا كبيرًا في القرية.

من جانبه، قال عضو هيئة الرقابة الحزبية في حزب الشعب معتز السيد، لوطن للأنباء، إن الراحل كان مثالًا للعطاء والانضباط، إذ اعتاد أن يبدأ يومه باكرًا في متابعة شؤون المجلس القروي، قبل أن يواصل نشاطه الوطني في محافظة نابلس، باحثًا باستمرار عن كل ما يخدم القضية الوطنية.

واستذكر صديقه ورفيق دربه رياض حنيش، في حديثه لوطن للأنباء، شخصية أبو جيش، واصفًا إياه بالثائر المتمرد، لكن تمرده كان إيجابيًا وخلاقًا، إذ امتلك قدرة على ابتكار أساليب نضالية جديدة، وأسهم في تطوير العمل الوطني والمقاومة الشعبية.

بدوره، أكد عضو لجنة المقاومة الشعبية عزمي حنايشة، لوطن للأنباء، أن ميادين المواجهة كانت الشاهد الحقيقي على مسيرة أبو يسار، معتبرًا أن حضوره في مواقع المقاومة الشعبية الممتدة من جبال الأغوار إلى بيت دجن ورام الله ونابلس، هو الذي يوثق تاريخه النضالي أكثر من أي كلمات أو شهادات.

وأشار مدير الإغاثة الطبية في نابلس الدكتور غسان حمدان، في حديثه لوطن للأنباء، إلى أن الراحل كان شخصية وطنية جامعة، تجاوزت الانتماءات الحزبية، إذ مثّل قاسمًا مشتركًا بين مختلف القوى الفلسطينية بفضل مواقفه الوطنية الجامعة، وحضوره الدائم في مقدمة الفعاليات والميدان دفاعًا عن القضية الفلسطينية.

من جهته، استعاد رئيس جمعية أبناء العشائر الدكتور حسن الهلالي، خلال حديثه لوطن للأنباء، سنوات الاعتقال التي جمعته بالراحل عام 1988، مؤكدًا أنه لمس فيه منذ شبابه الصبر والثبات وقوة الإرادة في مواجهة التحقيق والتعذيب، وأنه ظل وفيًا لشعبه وقضيته حتى آخر أيامه، مستحقًا عن جدارة وصف "ابن الشعب".

وقال رفيق دربه عازم الحج محمد، لوطن للأنباء، إن الكلمات تعجز عن وصف شخصية أبو يسار، لما امتلكه من شجاعة ونبل وقدرة على بث الأمل في نفوس كل من عرفه وعمل معه، مؤكدًا أنه كان نموذجًا للمناضل الذي ألهم رفاقه على الدوام.

أما رفيقه بكر حماد، فأكد لوطن للأنباء، أن نصر أبو جيش كان مناضلًا صادقًا وأمينًا وشجاعًا، يتمتع بحضور لافت أينما وجد، وشارك بفاعلية في ميادين المقاومة الشعبية، كما عُرف بصموده خلال سنوات الأسر، ليبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة رفاقه وكل من عرف مسيرته النضالية.

تصميم وتطوير