د. عقل أبو قرع يكتب لوطن: نحو ممارسات مستدامة لحماية النظام البيئي الفلسطيني!!

هذه الأيام لا أحد يجادل أن العالم، يشهد تغيرات مناخية وبيئية عالمية مقلقه، تتمثل في ارتفاع حرارة الارض ومياه المحيطات بسبب ذوبان الجليد وبالتالي زيادة منسوب المياه، وقلة الامطار، وزيادة شدة الأعاصير والفيضانات والتصحر والحرائق والتلوث وما الى ذلك من تداعيات بيئية بعيدة المدى على العالم والعالم العربي والمنطقة، وبالطبع نحن في فلسطين لن نكون بالبعيدين عن ذلك، وربما بدأنا نلمس اثار أو تداعيات هذه التغيرات.
والتغيرات المناخية وبالتالي اثارها البيئية الوخيمة تحدث وسوف تتعمق بسبب مواصلة دول عديدة ومنها الدول الصناعية الكبرى الالتزام بخفض انبعاثات غازات التلوث الى الجو واعطاء الاولوية للبيئة وحمايتها، حيث تنعكس هذه التغيرات البيئية على شكل ظواهر متطرفة أو على الأقل ظواهر غير اعتيادية في حدتها وتوقيتها وصعوبة التعامل معها، وربما نكون قد شهدنا مثل هكذا ظواهر في الماضي، ولكن ليست بنفس الشدة والتكرار، ومن أهم هذه الظواهر ما بات يعرف بظاهرة " التغير المناخي"، أو "البيت الزجاجي" وانعكاساتها من خلال ارتفاع درجة الحرارة، وقلة الامطار والتصحر، والتي ترتبط بشكل مباشر بالتلوث وبالأخص تلوث الهواء في الجو بما تبثه نشاطات الانسان الى طبقات الجو، مسببا تراكما لمواد كيميائية لم نشهدها من قبل ذلك.
وفي بلادنا، الحفاظ على البيئة الفلسطينية من خلال ممارسات مستدامة، سواء في الضفة أوفي غزة، من المفترض أن يكون أولوية وطنية في خطط التنمية الفلسطينية البشرية والاقتصادية، لان من سمات البيئة الفلسطينية ان المصادر الطبيعية، من مياه وأرض وحيز هي مصادر محدودة، وان المساحة الجغرافية ضيقه وتضيق باستمرار، وان كثافة البشر في تلك البقعة مرتفعة وربما من أعلى النسب في العالم وخاصة في قطاع غزة، وان ازدياد البشر وبالتالي نشاطات البشر وما ينتج عن ذلك من نفايات ومخرجات بأنواعها في تصاعد مستمر، وما لذلك من تداعيات بيئية سوف تدمر النظام البيئي اذا لم يتم التعامل معها بشكل ملموس ومستدام في الوقت الحالي ومن خلال ممارسات عملية تتصف بالاستدامة.
وفي بلادنا، ورغم المطالبات والقوانين والإجراءات وبث الوعي، الا اننا ما زلنا نرى النفايات في الشوارع، وما زلنا نستخدم المبيدات الكيميائية بشكل مكثف وفي أحيان بشكل عشوائي وغير آمن أو سليم، وما زالت مياه المجاري وليست فقط المياه العادمة المكررة، تصب في مناطق مكشوفة، وبالإضافة إلى ذلك ما زالت المستوطنات الاسرائيلية تساهم بشكل او باخر في تلويث وتشويه البيئة الفلسطينية، حيث ما زلنا نسمع عن مجاري المستوطنات والمياه العادمة تصب في قرى سلفيت وبيت لحم والخليل ورام الله، وما لذلك من تداعيات قصيرة وبعيدة المدى متواصلة على البيئة الفلسطينية.
وفي ظل هذا الواقع، فأننا نحتاج الى تطبيق حازم للقوانين الفلسطينية المتعلقة بحماية البيئة، بشكل يحقق الغرض من إصدار مثل هكذا قوانين، وبأن يتم محاسبة بشكل رادع من يلوث البيئة بالنفايات الصلبة، او بالمياه العادمة، او من يلوث الهواء بالغازات والمواد الكيميائية، او يلوث المياه الجوفية بالأسمدة، او يلوث المنتجات الزراعية بالمبيدات، وما الى ذلك، وبحيث تطبق القوانين بأيدي الشرطة وسلطة البيئة والبلديات، والهيئات المحلية، وبدعم مجتمعي ،واسع.
ونحتاج الى تكثيف جهود كافة العاملين في مجال حماية البيئة، سواء أكانوا من الجهات الرسمية او غير الرسمية، من أجل اتخاذ إجراءات عملية مستدامة للحد من مواصلة تداعي النظام البيئي، وللتعامل مع وضع كارثي بيئي في قطاع غزة وذلك نتيجة الدمار الهائل للبنية التحتية وتلوث المياه والطعام والهواء، واستنزاف الموارد الطبيعية المحدودة في القطاع.
وهناك ضرورة ماسة الى خطة عملية لمعالجة قضايا بيئية محددة، وهذا يعني إجراء الفحوصات لعينات بيئية من خلال مختبرات مؤهلة سواء أكانت تتبع جهات رسمية او غير رسمية، ومن خلال دراسات تقييم علمي وموضوعي للأثر البيئي لمشاريع او لأعمال يمكن ان تؤثر على البيئة، ومن خلال تفعيل المراقبة والمتابعة لقضايا بيئية، ومن خلال تفعيل العلاقة والتواصل مع المواطن الفلسطيني الذي هو الأساس في العمل من اجل حماية البيئة التي فيها يحيا.
ومن ضمن الأولويات البيئية عندنا، الحاجة إلى بناء ثقافة حماية البيئة وبشكل مستدام، وهذا يتطلب التركيز على تنمية الوعي البيئي، في المدارس والجامعات وفي المصانع وورشات العمل وفي الحقول الزراعية، ويتطلب الاستثمار وبشكل عملي في التعليم البيئي وخاصة في الجامعات، بشكل يلائم احتياجات البيئة الفلسطينية، والتعاون مع مراكز الأبحاث البيئية في جامعاتنا وفي محيطنا العربي من اجل ايجاد حلول لمشاكل البيئة المحلية، وكذلك الاستخدام الأكثر للإعلام وبأشكاله في مجال البيئة، والاهم ترسيخ مفاهيم البيئة واهمية حمايتها وفهمها كأولوية وطنية، ليس فقط تعتمد عليها أي خطة تنمية بشرية او اقتصادية، ولكن لا يمكن العيش حياة سليمة عادية في هذه البيئة إذا كانت ملوثة او غير محمية من التلوث.
والمطلوب كذلك التوجه وبشكل مدروس وعملي نحو مصادر الطاقة الخضراء، حيث أن هذه الطاقة الخضراء والطاقة المتجددة التي لا تنضب، والنظيفة التي لا تلوث البيئة من هواء ومياه وارض وبالتالي الانسان، والاقتصادية، اي التي لا تكلف كثيرا، هي البديل للطاقة الحالية، التي تعتمد على النفط ومشتقاته او على الفحم، والتي في العادة تتناقص ومن ثم تنضب مع الزمن، والتي هي طاقة غير نظيفة، اي لا تؤثر عكسيا على البيئة المحيطة بها، حيث لا يمكن ان تلوث الهواء، ومصادر المياه والطعام.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


