محمود كلّم يكتب لوطن: نزار بنات... وجع الخليل وصمت العالم

في الخليل لا يبدو الليل هادئاً كما ينبغي لمدينة أنهكها الخوف، ولا تبدو البيوت قادرة على إخفاء القلق خلف أبوابها المغلقة. أمهات يخفين مخاوفهن عن أطفالهن، وآباء يحاولون أن يمنحوا أبناءهم أماناً لا يملكونه، ومدينة تنتظر الصباح ولا تعرف ماذا يحمل لها.
في الخليل لا يُعاش الاحتلال خبراً عابراً في نشرة أخبار، بل واقعاً يتسلل إلى تفاصيل الحياة، ويثقل الخطوات، ويحوّل أبسط حقوق الإنسان إلى مطالب مؤجلة. فالخليل ليست مجرد اسم يمر في الأخبار، بل مدينة لها ذاكرة وأهل وبيوت وأطفال وأحلام، وأناس يريدون أن يعيشوا بكرامة وأمان، بعيداً عن الخوف الذي يطارد تفاصيل يومهم.
لكن ما يزيد معاناة أهلها قسوةً أن يشعروا بأنهم يواجهون مصيرهم وحدهم، فيما تتكاثر الأسئلة ولا تأتي الإجابات بحجم ما يعيشونه.
من حق الناس أن يسألوا قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وسلطة رام الله: ماذا تفعلون من أجل الخليل؟ وأين موقفكم مما يعانيه أهلها؟
ومن حقهم أن يسألوا محمود عباس: هل يصل إليك صوت هذه المدينة؟ وهل تعرف ما يعيشه أبناؤها، وما يثقل حياتهم من خوف وقلق وانتظار؟
ليست هذه أسئلة خصومة سياسية، بل أسئلة شعب أنهكه الانتظار. فالناس لا يريدون خطباً طويلة ولا بيانات تُقرأ ثم تُنسى؛ يريدون قيادة تشعر بمعاناتهم، وتتعامل مع أمنهم وكرامتهم بوصفهما مسؤولية وطنية لا تفصيلاً هامشياً في حسابات السياسة.
ويزداد التناقض إيلاماً حين يُرفع شعار حماية الوطن والأمن، ويُقدَّم «التنسيق الأمني المقدس» باعتباره ضرورة، بينما يبحث المواطن عن الطمأنينة فلا يجدها. فما قيمة الشعارات إذا ظل الإنسان وحيداً أمام خوفه، عاجزاً عن تقديم جواب لأطفاله حين يسألونه: لماذا يحدث هذا لنا؟
وفي الضفة الغربية، لا تقتصر المأساة على ما تنقله الصور من دم ودمار؛ فهناك أيضاً شعور متراكم بأن المعاناة تتكرر، وأن العالم اعتاد مشاهد الألم حتى كاد يفقد القدرة على الإصغاء إلى أنين المتألمين. وحين يصبح وجع الناس مشهداً مألوفاً، تتحول المأساة من جرح مفتوح إلى خبر عابر، ويصبح الصمت شريكاً في إطالة معاناة الضحايا.
أما اللصوص وخفافيش الليل، فجميعهم بخير.
عبارة تختصر مرارة شعب يرى الفقراء يدفعون ثمن الأزمات، فيما تتواصل الأسئلة عن المصالح والفساد وغياب المحاسبة. وحين يشعر المواطن بأن الأعباء تقع على كتفيه، وأن العدالة لا تطال الجميع بالقدر نفسه، يصبح الظلم جرحاً إضافياً في حياة مثقلة بالجراح. فأي قسوة أشد من أن يخاف الإنسان على بيته وأبنائه، ثم يشعر بأنه عاجز حتى عن استرداد حقه من الظلم؟
وفي الخليل، لا يمكن الحديث عن الكرامة والمحاسبة من دون استحضار الشهيد نزار بنات؛ الرجل الذي جعل من مساءلة السلطة جزءاً من صوته، ومن المطالبة بالحقوق موقفاً لم يتخلَّ عنه.
لم يكن نزار بنات غريباً عن وجع مدينته، بل كان ابنها الذي حمل أسئلته إلى الناس، ورفع صوته مطالباً بالكرامة والمحاسبة، قبل أن تنتهي حياته في واقعة هزّت الضمير الفلسطيني وفتحت جرحاً لا يندمل، وألماً لا يخفّ مهما طال الزمن.
لم يكن رحيله فقداناً لإنسان فحسب؛ فقد ترك وراءه قضية تتجاوز حياته الشخصية إلى أسئلة جوهرية عن المسؤولية والعدالة وحق المواطن في أن يقول ما يؤمن به، وأن ينتقد من يحكمه من دون أن يخشى على حياته.
ولهذا، يعود اسم نزار كلما عادت أسئلة الخليل عن الكرامة والمحاسبة. فالرجل الذي طالب بمساءلة السلطة غاب عن أهله ومحبيه، لكن الأسئلة التي حملها لم تغب، ولم يعد ممكناً فصل ذكراه عن حق الناس في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة.
تخيّلوا ألم زوجته وأولاده؛ أن يغيب عنهم من كان جزءاً من تفاصيل حياتهم، وأن تتحول ذكراه إلى حضور يومي لا يخفف منه مرور الزمن. إنهم لا يواجهون فقدان زوج وأب عزيز فحسب، بل يحملون أيضاً ثقل قضية لا تزال العدالة فيها مطلباً حاضراً. وبين ألم زوجته وأولاده، ووجع مدينته، تتلاقى المأساة الشخصية مع المأساة الوطنية، ويصبح الغياب أكبر من أن تحتمله زوجته وأطفاله وحدهم.
والخليل التي أنجبت نزار بنات لا تستحضر اسمه لتبكيه فحسب، بل لتسأل عن الوطن الذي حلم به؛ وطن يكون فيه المواطن حراً وكريماً، وتُصان فيه حياته، وتُسمع فيه كلمته، ولا تتحول المطالبة بالحق إلى مخاطرة يدفع ثمنها صاحبها.
رحل نزار، وبقيت زوجته وأولاده يحملون ألم غيابه، وبقي اسمه حاضراً في الذاكرة الفلسطينية، شاهداً على أسئلة لم تجد أجوبتها بعد. وليس الوفاء له أن نكتفي باستعادة كلماته أو رثائه في المناسبات، بل أن نبقي قضية العدالة حية، وألا نسمح بأن يتحول رحيله إلى ذكرى تُستعاد ثم تُطوى.
فالخليل لا تحتاج إلى كلمات ترثي نزار ثم تمضي، ولا إلى شعارات تتغنى بالكرامة فيما يبقى المواطن وحيداً أمام خوفه. إنها تحتاج إلى مواقف ملموسة تشعر أهلها بأن معاناتهم ليست منسية، وأن حقهم في الأمان والكرامة ليس وعداً مؤجلاً إلى أجل مجهول.
أقسى ما يمكن أن يحدث لمدينة تنزف ليس أن تتألم، بل أن يصبح ألمها مألوفاً إلى الحد الذي يتوقف فيه الآخرون عن الإصغاء. وأقسى ما يمكن أن يحدث لشعب أن يفقد أبناءه، ثم يخشى أن تضيع الأسئلة التي تركوها خلفهم، وأن يُطوى حقهم في العدالة تحت ركام النسيان.
الخليل تنزف، ونزار غاب، والعدالة ما زالت سؤالاً مفتوحاً.
فمن يشعر بوجع الخليل؟ ومن ينصف أهلها؟ ومن يجيب عن الأسئلة التي تركها نزار وراءه؟ ومتى يصبح للإنسان الفلسطيني وطن تُصان فيه حياته وكرامته، ويستطيع فيه أن يرفع صوته من دون خوف، وأن يطالب بحقه من دون أن يشعر بأنه وحيد؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


