الانتخابات الفلسطينية إلى 2027.. تأجيل الاقتراع أم تأجيل المحاسبة؟

كتب إسماعيل الريماوي: لم يكن تأجيل الانتخابات الفلسطينية إلى الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2027 مجرد تعديل في موعد الاستحقاقات السياسية، بل قراراً يعيد فتح أزمة الشرعية الفلسطينية، ويطرح سؤالاً جوهرياً: من يمنح القيادة شرعيتها، ومتى يستعيد الشعب حقه في اختيار ممثليه ومحاسبتهم؟
يأتي التأجيل في ظل ظروف وطنية بالغة الخطورة، من حرب غزة وتداعياتها الكارثية، إلى تصاعد الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، واستمرار الانقسام الداخلي، والضغوط الأميركية الرامية إلى فرض تصورات سياسية تمس مستقبل القضية الفلسطينية، وفي هذه اللحظة، كان يفترض أن تشكل الانتخابات مدخلاً لتوحيد النظام السياسي وتجديد الشرعية، لا أن تتحول إلى استحقاق جديد مؤجل.
ولم تقتصر الانتقادات على القوى المعارضة، بل صدرت أيضاً أصوات من داخل حركة فتح اعتبرت أن التأجيل يعكس قصوراً في تحمل المسؤولية الوطنية، ويؤجل حق الشعب في انتخاب قيادة موحدة قادرة على مواجهة التحديات، كما طرحت تساؤلات مشروعة حول أسباب عدم إجراء الحوارات الوطنية قبل اتخاذ القرار، وحول غياب التنسيق المسبق بين القوى والفصائل لمواجهة الاستيطان والحرب والتهديدات التي تستهدف الفلسطينيين.
وتكشف هذه الانتقادات أن الأزمة لا تتعلق بموعد الاقتراع وحده، بل بطبيعة إدارة القرار السياسي، ومدى إشراك القوى الوطنية في القضايا المصيرية، فكيف يمكن الحديث عن الوحدة الوطنية إذا كانت القرارات المتعلقة بمستقبل التمثيل السياسي لا تنطلق من حوار شامل؟ وكيف يمكن بناء قيادة موحدة من دون الاحتكام إلى إرادة الشعب؟
الاحتلال يعرقل.. لكنه لا يعفي القيادة من المسؤولية
لا يمكن التقليل من خطورة المعيقات الإسرائيلية، خصوصاً في القدس المحتلة وقطاع غزة، حيث يفرض الاحتلال قيوداً على الحركة والتنقل، ويواصل الاستيطان والاعتداءات، فيما تجعل الحرب والدمار والنزوح إجراء انتخابات حرة وشاملة أمراً بالغ التعقيد.
لكن الاعتراف بهذه العقبات لا يعني تحويلها إلى مبرر دائم لتعليق الحياة الديمقراطية، فالمطلوب ليس إجراء انتخابات شكلية في ظروف غير مضمونة، وإنما وضع خطة سياسية وقانونية واضحة لمواجهة العرقلة الإسرائيلية، تشمل التحرك الدولي، وضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس وغزة والضفة الغربية، وتحديد جدول زمني ملزم للاستعداد للاقتراع.
والسؤال الأساسي هو: ما الذي سيجعل انتخابات أيلول/سبتمبر 2027 مختلفة عن الاستحقاقات المؤجلة؟ وما الضمانات التي تمنع تكرار التأجيل إذا استمرت الظروف ذاتها؟ إن تحديد موعد جديد من دون خطة تنفيذية واضحة يترك الشرعية الفلسطينية رهينة واقع لا يملك المواطنون تغييره.
هل تخشى المنظومة السياسية المحاسبة؟
منذ الانتخابات التشريعية عام 2006، لم تُجرَ انتخابات تشريعية عامة جديدة، فيما تعود آخر انتخابات رئاسية إلى عام 2005. وخلال هذه السنوات، تعمق الانقسام، وتعطلت مؤسسات أساسية، وتراجعت ثقة قطاعات من الشارع الفلسطيني بقدرة النظام السياسي على الاستجابة لتطلعاتها.
ولا يمكن الجزم بأن التأجيل نابع من الخوف من نتائج الانتخابات أو خسارة النفوذ، لكن من المشروع التساؤل عن الحسابات الداخلية التي تحيط بالقرار، وعن مدى استعداد القوى المتنفذة لقبول تغيير قد تفرزه صناديق الاقتراع.
فالانتخابات تتيح للمواطنين محاسبة القيادة وتجديد التفويض الشعبي، بينما يؤدي استمرار غيابها إلى توسيع الفجوة بين الحاكم والمحكوم، ويحد من قدرة المجتمع على إحداث تغيير مؤسسي، كما أن التجديد الديمقراطي لا يهدد أي حركة تحظى بثقة الناس، بل يمنحها فرصة لإثبات قدرتها على الاستمرار بإرادة الناخبين.
الوحدة الوطنية تبدأ بإرادة الشعب
في ظل الضغوط الأميركية والتصورات المطروحة بشأن مستقبل غزة، تزداد الحاجة إلى قيادة فلسطينية موحدة تستند إلى شرعية شعبية متجددة، وتملك القدرة على صياغة موقف وطني جامع والدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
لكن الوحدة لا تتحقق بمجرد الدعوات إلى الحوار، ولا بتقاسم المواقع والنفوذ بين القوى السياسية، فالحوار الوطني ضرورة للتوافق على قواعد المنافسة ومعالجة الانقسام وضمان المشاركة، لكنه لا يجوز أن يصبح بديلاً دائماً عن الانتخابات أو وسيلة لتجاوز إرادة الناخبين.
ولهذا، ينبغي أن تتحول الفترة الممتدة حتى أيلول/سبتمبر 2027 إلى مرحلة إصلاح حقيقية، تتضمن خطة معلنة للاستعداد للانتخابات، وضمان حرية العمل السياسي والإعلامي، وتعزيز الرقابة والشفافية ومكافحة الفساد، وفتح المجال أمام الشباب والنساء والقوى المستقلة للمشاركة الفعلية في الحياة السياسية.
الشرعية لا تُمدَّد إلى ما لا نهاية
إن تأجيل الانتخابات لا يؤجل الاقتراع فحسب، بل يطيل أزمة التمثيل والمساءلة في وقت يحتاج فيه الفلسطينيون إلى مؤسسات موحدة وقيادة تمتلك تفويضاً شعبياً واضحاً لمواجهة الاحتلال والاستيطان والحرب والانقسام.
ولا يمكن تجاهل مسؤولية الاحتلال عن عرقلة الحياة الفلسطينية، كما لا يمكن إعفاء القيادة من مسؤولية البحث عن البدائل ومصارحة المواطنين، وبين الأمرين تقع مسؤولية وطنية تفرض حواراً شاملاً، وخطة قابلة للتنفيذ، وضمانات تحول دون تكرار التأجيل.
السؤال اليوم ليس فقط: لماذا تأجلت الانتخابات؟ بل ماذا ستفعل القيادة خلال عام إضافي كي لا يتكرر التأجيل؟ وهل سيكون أيلول/سبتمبر 2027 موعداً فعلياً لاستعادة حق الفلسطينيين في الاختيار، أم محطة أخرى في سلسلة من الاستحقاقات المؤجلة؟
فالانتخابات ليست امتيازاً تمنحه السلطة حين تسمح الظروف، بل حق أصيل وأداة للمحاسبة وتجديد الشرعية ، والخطر الحقيقي ليس في تأجيل الاقتراع وحده، بل في أن يتحول التأجيل إلى نهج، وإلى وسيلة لاستمرار الوضع القائم بعيداً عن إرادة الشعب الفلسطيني.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


