صحافة النفاق.. حين يصمت القلم أمام الظلم ويتاجر بالوطن والشهداء

كتب إسماعيل الريماوي: الصحافة الحرة ليست ترفاً سياسياً، ولا امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء وتسحبه ممن تشاء، بل هي إحدى أهم أدوات حماية المجتمع من الظلم والفساد والاستبداد، وصوت الناس حين تعجز المؤسسات عن الدفاع عن حقوقهم، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نريد صحافة حرة تنقل وجع الناس وتكشف الخلل وتنتقد السلطة، أم نريد صحافة تتحول إلى لسان للسلطة، لا ترى إلا ما يُسمح لها برؤيته، ولا تتحدث إلا باللغة التي ترضي أصحاب النفوذ؟
المشكلة تبدأ عندما يصبح النقد جريمة، ويصبح السؤال اتهاماً، وتتحول القوانين من أدوات لحماية المواطن إلى أدوات يمكن استخدامها لإسكات المختلفين وملاحقة الأصوات التي تزعج أصحاب القرار، عندها لا تعود القضية قضية صحفي أو كاتب، بل تصبح قضية مجتمع بأكمله؛ لأن المجتمع الذي يخاف فيه الصحفي من الكتابة، ويخاف فيه المواطن من الحديث، وتخاف فيه المؤسسات من مساءلة أصحاب النفوذ، هو مجتمع يفقد تدريجياً قدرته على تصحيح أخطائه.
والأخطر من تكميم الأفواه هو صناعة صحافة لا تحتاج السلطة إلى إسكاتها، لأنها اختارت الصمت طوعاً، أو أصبحت ترى الوطن من زاوية واحدة فقط ، صحافة ترفع صوتها عندما يكون الحديث آمناً، وتصمت عندما يصبح السؤال موجهاً إلى أصحاب النفوذ، وتبحث عن أخطاء الخصوم بينما تغض الطرف عن الأخطاء داخل البيت السياسي الذي تنتمي إليه ، وفي هذه الحالة يتحول الإعلام من سلطة رقابة إلى جزء من منظومة السلطة، ومن عين تراقب الجميع إلى عين لا ترى إلا ما يخدم رواية واحدة.
لا يمكن الحديث عن الوطنية من دون الحديث عن حق المواطن في النقد، ولا يمكن الدفاع عن الوطن بإخفاء مشكلاته ومعاناته ، الوطن ليس حزباً، وليس سلطة، وليس فصيلاً، وليس مجموعة من الأشخاص الذين يحتكرون الحديث باسمه، الوطن أكبر من الجميع، والشهداء ليسوا ملكاً سياسياً لأحد، ولا يجوز أن تتحول تضحياتهم إلى مادة للمزايدة أو وسيلة لمنح الشرعية لهذا الطرف أو ذاك.
المفارقة الأكثر إيلاماً أن البعض يتحدث اليوم عن ضياع الضفة الغربية وكأنها اكتشاف جديد، بينما تتوسع المستوطنات ويزداد الاعتداء على الفلسطينيين وتتغير الوقائع على الأرض أمام أعين الجميع، وفي الوقت نفسه يتحدث آخرون عن غزة وعن معاناتها، بعد سنوات من الانقسام والحصار والصراع السياسي الذي دفع ثمنه المواطن الفلسطيني قبل غيره، وهنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا لا تكون معاناة الفلسطيني واحدة، أياً كان مكانه وانتماؤه السياسي؟
لا يمكن أن يكون هناك فلسطيني يستحق التضامن أكثر من فلسطيني آخر بسبب مكان ولادته أو انتمائه السياسي. ولا يجوز أن تتحول الضفة وغزة إلى قضيتين منفصلتين، أو أن يصبح الألم الفلسطيني موضوعاً للمزايدة السياسية، إذا كانت غزة محاصرة وتأن من القهر والالم ، فالواجب كسر الحصار عنها، وإذا كانت الضفة تتعرض للاستيطان والاعتداء ومصادرة الأرض، فالواجب مواجهة ذلك، وإذا كان المواطن يتعرض للظلم من أي جهة، فالصحافة مطالبة بأن تنقل صوته، لا أن تبحث عن تبرير لصمته.
الصحافة التي تستحق اسمها هي التي تسأل السلطة والمعارضة والفصائل وكل أصحاب النفوذ الأسئلة نفسها، ولا تمنح أحداً حصانة سياسية أو أخلاقية، وهي التي تستطيع أن تقول لمن يحكم: أخطأت، ولمن يعارض: أخطأت أيضاً، وللمواطن: من حقك أن تعرف وتسأل وتنتقد، أما الصحافة التي تنطق بلسان طرف واحد، وتحوّل النقد إلى خيانة، وتستخدم لغة التخوين لتغطية الفشل، فهي لا تحمي الوطن، بل تحمي أصحاب النفوذ من مساءلة الوطن.
إن حرية الصحافة لا تعني الفوضى، كما أن النقد لا يعني إسقاط الدولة أو إضعاف المجتمع، على العكس، الصحافة الحرة تساعد المؤسسات على اكتشاف أخطائها قبل أن تتحول إلى أزمات، وتمنح المواطن وسيلة سلمية للتعبير عن غضبه ومطالبه. ولهذا فإن التضييق على الصحافة لا يلغي المشكلات، بل يلغي القدرة على الحديث عنها.
وتشير منظمة «مراسلون بلا حدود» في تقييمها لعام 2026 إلى أن الإطار القانوني الفلسطيني ينص على حرية اللصحافة والرأي، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى وجود فجوة بين النص القانوني والممارسة، وإلى تعرض الصحفيين في الضفة الغربية لضغوط وانتهاكات من السلطة والقوات الإسرائيلية. كما وثقت لجنة حماية الصحفيين اعتقالات طالت صحفيين فلسطينيين من جهات مختلفة منذ بداية الحرب، بما في ذلك حالات اعتقال من السلطات الفلسطينية.
وهذا يعني أن المعركة من أجل الصحافة الحرة ليست معركة ضد طرف واحد فقط، بل هي معركة من أجل مبدأ واحد: ألا يكون هناك أحد فوق النقد، وألا يتحول القانون إلى أداة انتقائية، وألا يصبح الصمت ثمناً للسلامة أو الوظيفة أو القرب من السلطة.
فالوطن الذي يحتاج إلى صحافة تمدحه دائماً ليس قوياً، والسلطة التي لا تحتمل النقد ليست محصنة، والإعلام الذي يخشى السؤال يفقد جوهر وجوده، أما الوطن الحقيقي فهو الذي يستطيع أن يسمع أصوات أبنائه جميعاً، حتى تلك الأصوات التي تنتقده، لأن النقد لا يهدم الأوطان، وإنما الذي يهدمها هو الظلم حين يصبح ممنوعاً من الكلام، والفساد حين يصبح ممنوعاً من السؤال، والاستبداد حين يصبح ممنوعاً من الاعتراض.
وفي النهاية، لا يحتاج الفلسطينيون إلى لسان واحد يتحدث باسمهم، بل إلى أصوات متعددة تكشف الحقيقة من زوايا مختلفة، لا يحتاجون إلى صحافة تصفق للسلطة، ولا إلى صحافة تتاجر بالشهداء، ولا إلى إعلام يختار من يستحق التضامن ومن لا يستحقه، ما يحتاجونه هو صحافة تقف مع الإنسان الفلسطيني قبل السلطة، ومع الحقيقة قبل الحزب، ومع الوطن قبل أصحاب النفوذ.
فحين تُكمّم الأفواه باسم الوطن، يصبح من حقنا أن نسأل: أي وطن نحمي، ومن نحمي باسم الوطن؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


