بعد (PISA 2025) ... أي تعليم فلسطيني نريد أن نبني؟

كتب ثروت زيد الكيلاني: تأتي نتائج برنامج التقييم الدولي للطلبة PISA 2025 في لحظة لا تحتمل قراءة سطحية أو الاكتفاء بترتيب فلسطين بين المشاركين. فالنتائج التي كشفت تراجعا في العلوم والرياضيات والقراءة، إلى جانب ضعف واضح في حل المشكلات الحاسوبية، ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مؤشرا على حال المنظومة التعليمية وشروط التعلم التي يعيشها الطالب الفلسطيني.
شارك في الدورة الفلسطينية نحو 9648 طالبا وطالبة من 319 مدرسة، فيما لم يشارك طلبة قطاع غزة بسبب ظروف الحرب، واستبعدت التغطية معظم المدارس المتأثرة بالصراع. وبلغ متوسط فلسطين 359 نقطة في العلوم، و354 في الرياضيات، و350 في القراءة، و393 في حل المشكلات الحاسوبية، مع تراجع مقارنة بعام 2022 في العلوم والرياضيات والقراءة، وإن كان الانخفاض في القراءة غير دال إحصائيا.
الأرقام مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للإجابة عن السؤال الحقيقي. فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقاش حول PISA هو: ماذا تغير في التعليم الفلسطيني منذ 2022 حتى وصلنا إلى هذه النتائج؟
هذا السؤال ينقل النقاش من الطالب إلى البيئة التي يتعلم فيها، ومن الاختبار إلى السياسات التي تشكل شروط التعلم، ومن الحكم على المخرجات إلى مراجعة المسار الذي أنتجها.
من نتيجة الاختبار إلى زمن التعلم
التعلم هو جوهر الحق في التعليم. فالمدرسة تكتسب معناها عندما يتحول حضور الطالب فيها إلى معرفة وفهم وممارسة وقدرة على التفكير والحوار والتطبيق. ولهذا يصبح الزمن الذي يقضيه الطالب في المدرسة موردا تربويا ووطنيا؛ فكل يوم أو حصة تضيع من التعلم تترك أثرا يتراكم مع الوقت.
وتكشف نتائج PISA جانبا مهما من هذه المشكلة. فقد أفاد 46% من الطلبة بأنهم تغيبوا يوما دراسيا كاملا على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، وقال 38% إنهم غابوا عن حصة واحدة على الأقل، فيما أفاد 52% بأنهم تأخروا عن المدرسة. هذه المؤشرات لا ينبغي التعامل معها بوصفها تفاصيل سلوكية منفصلة؛ إنها تعكس مقدار الزمن الذي لم يتحول إلى تعلم.
وهنا ينبغي أن نوسع مفهوم فقد التعلم. فالخسارة ليست فقط في صفحة لم تُشرح أو وحدة لم تُستكمل. إنها خسارة في وقت الفهم والممارسة والتطبيق والحوار والتغذية الراجعة والتقويم والدعم، وفي العلاقة التربوية التي تجعل المعرفة قابلة للتحول إلى قدرة.
حين يتآكل زمن التعلم، تتسع الفجوة بين الزمن الرسمي المعلن للتعليم والزمن الذي يتاح فعليا للتعلم. ويصبح الطالب مطالبا بتحقيق نواتج يفترض أنها بُنيت على وقت تعليمي لم يعد متاحا بالقدر نفسه.
تبدأ استعادة التعلم باستعادة الزمن الذي ينتجه؛ فانتظام المدرسة، وحضور المعلم، واستقرار الحصة، وإتاحة وقت للممارسة والتطبيق، ومعالجة الفجوات، والتقويم المستمر، كلها عناصر في معادلة واحدة، ولا تستطيع مادة تعليمية، مهما كانت جودتها، أن تعوض وحدها عن اختلال هذه البنية. لذلك، فإن السؤال عن الزمن يتجاوز عدد الأيام والحصص إلى جوهر فلسفة التعليم نفسها: كم من الزمن يحتاج الإنسان كي يفهم، ويمارس، ويخطئ، ويصحح، ويحاور، ويعيد بناء فهمه؟ وعندما يتراجع هذا الزمن أو يصبح هامشيا، يفقد التعليم أحد شروطه الأساسية، وتتسع الفجوة بين زمن المدرسة المعلن وزمن التعلم الفعلي.
يبدأ بناء التعلم من حماية الزمن الذي ينتجه؛ فانتظام المدرسة، وحضور المعلم، واستقرار الحصة، وإتاحة وقت للممارسة والتطبيق، ومعالجة الفجوات، والتقويم المستمر، كلها عناصر في معادلة واحدة. ولا تستطيع مادة تعليمية، مهما كانت جودتها، أن تعوض وحدها عن اختلال هذه البنية. لذلك، فإن السؤال عن الزمن يتجاوز عدد الأيام والحصص إلى جوهر فلسفة التعليم نفسها: كم من الزمن يحتاج الإنسان كي يفهم، ويمارس، ويخطئ، ويصحح، ويحاور، ويعيد بناء فهمه؟ وعندما يتراجع هذا الزمن أو يصبح هامشيا، يفقد التعليم أحد شروطه الأساسية، وتتسع الفجوة بين زمن المدرسة المعلن وزمن التعلم الفعلي.
فالهدف الأول في هذه المرحلة يجب أن يكون واضحا: وقف التدهور واستعادة قدرة المدرسة على إنتاج التعلم.
الطالب والمعلم والمدرسة منظومة واحدة
من السهل أن تتحول نتائج PISA إلى حديث عن ضعف الطلبة أو قصور المعلمين. وهذه القراءة تختزل مشكلة منظومة في أفراد، فالمؤشرات نفسها تقدم صورة أكثر تعقيدا. فنحو 80% من الطلبة يرون أن معلم العلوم يهتم بتعلم كل طالب، و81% يرون أنه يستمر في الشرح حتى يفهم الطلبة، فيما يقول 82% إنه يقدم مساعدة إضافية عند الحاجة. وهذه المعطيات تكشف عن استمرار الرغبة المهنية لدى المعلم في حماية تعلم طلبته، حتى في ظل ظروف تعليمية شديدة الصعوبة.
المعلم ليس منفذا للسياسة التعليمية؛ إنه أحد الشروط التي تتحول فيها السياسة إلى تعلم فعلي. ولذلك فإن استقرار المعلم الاقتصادي والنفسي، وحماية حقوقه وكرامته، وتعزيز مكانته المهنية، وإتاحة فرص التطوير والمشاركة في القرار، كلها قضايا مرتبطة مباشرة بجودة التعلم. وإذا كان الطالب يحتاج إلى زمن تعلم مستقر، فإن المعلم يحتاج إلى شروط مهنية مستقرة يستطيع فيها أن يستثمر هذا الزمن.
أما المدرسة، فهي الحلقة التي تلتقي فيها السياسات بالواقع. والمدرسة القادرة على التعلم هي التي تستطيع قراءة بيانات طلبتها، وتشخيص فجواتهم، وفهم احتياجاتهم، ووضع خطط واقعية، ومراجعة نتائجها، وتوجيه مواردها، وطلب الدعم حين تحتاج إليه.
وهنا يصبح الإنصاف جزءا من جودة التعليم. فالطلبة لا يحتاجون دائما إلى المقدار نفسه من الموارد والدعم؛ من يواجه فجوة أكبر يحتاج إلى دعم أكبر، ومن تعرض لخسارة تعليمية أشد يحتاج إلى استجابة أكثر تركيزا. لذلك ينبغي أن تصبح البيانات أداة لتوجيه الموارد نحو الحاجة، لا مجرد وسيلة لإنتاج التقارير.
كما أن المدرسة لا تعمل وحدها. الأسرة والمجتمع شريكان أساسيان في حماية التعلم، لكنهما لا يستطيعان تعويض نظام تعليمي يفقد انتظامه وزمنه وموارده. وتكشف نتائج PISA تراجعا في بعض أشكال المتابعة الأسرية؛ فقد انخفضت نسبة الطلبة الذين يقولون إن أولياء أمورهم يسألونهم أسبوعيا عما تعلموه في المدرسة من 62% عام 2022 إلى 52% عام 2025، وانخفضت نسبة من يناقشون معهم مشكلات المدرسة من 53% إلى 40%.
هذه المؤشرات لا تستدعي إلقاء المسؤولية على الأسرة، وإنما تستدعي إعادة بناء العلاقة بين المدرسة والأسرة والمجتمع ضمن إطار وطني واضح يجعل الشراكة ممكنة وفاعلة.
وفي الحالة الفلسطينية تزداد أهمية هذه المنظومة بسبب الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتداخل مع العملية التعليمية. لذلك تقاس جودة النظام أيضا بقدرته على حماية التعلم في أثناء الأزمات، واستعادة الزمن والمعرفة بعد انحسارها، وبناء القدرة المؤسسية على التعافي.
المنهاج والرزم والقرار التربوي
بين 2022 و2025 لم يحدث تغيير جوهري في المنهاج الفلسطيني يمكن أن يفسر هذا التحول في النتائج، بينما توسعت الرزم التعليمية استجابة لفقد التعلم واضطراب العملية التعليمية. وهنا ينبغي التمييز بين الأداة والغاية؛ فالرزمة قد تساعد في المراجعة والتدريب ومعالجة فجوة محددة، لكنها لا تعوض الزمن الذي فقده
الطالب، ولا تؤدي وظائف المدرسة في الحوار والممارسة والتطبيق والتغذية الراجعة والتقويم والدعم. وعندما تصبح الرزم بديلا عن زمن التعلم، يتحول علاج فقد التعلم إلى إدارة لفقده.
لذلك ينبغي أن يبدأ التعامل مع فقد التعلم من الأسئلة الأساسية: كم يوما يتعلم الطالب؟ وكم حصة فعلية يحصل عليها؟ وكم وقتا يخصص للفهم والممارسة؟ وكيف تشخّص الفجوات ويستعيد الطالب ما فقده؟ وما الدور الذي يؤديه المعلم في هذه العملية؟ فهذه الأسئلة تسبق زيادة المواد التي توزع على الطلبة، وتفرض إعادة النظر في العلاقة بين الزمن والمحتوى، بما يحمي المعارف والكفايات الأساسية، ويحدد الأولويات التعليمية، ويوفر مسارات حقيقية لاستعادة التعلم.
أما المنهاج، فهو أوسع من الكتاب المدرسي؛ إنه قرار تربوي ومعرفي ووطني يحدد ما الذي يتعلمه أبناؤنا، ولماذا يتعلمونه، وأي إنسان نريد أن نساعده على أن يكون، وأي مجتمع ومستقبل نريد أن نبني. ومن ثم تبرز الحاجة إلى مراجعة فلسفته في ضوء التحولات الكبرى التي يعيشها العالم، حيث يتجه الفكر التربوي المعاصر نحو تجاوز التجزئة والانفصال المعرفي لصالح التفكير المركب الذي يرى الإنسان في كليته، ويربط المعرفة بالحياة، والعلم بالأخلاق، والمهارة بالمعنى، والمدرسة بالمجتمع. فأي إنسان نبني عندما نفصل المعرفة عن الحياة، والعلم عن الأخلاق، والمهارة عن المعنى؟
والتعليم الذي نحتاجه بعد 2030 ينبغي أن يمنح المتعلم القدرة على الربط والتحليل وفهم العلاقات بين المعرفة والبيئة والتكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع والهوية والمسؤولية الأخلاقية. وفي عصر الذكاء الاصطناعي تزداد أهمية قدرة الإنسان على السؤال والفحص والمقارنة والتحقق والحكم والإنتاج؛ فالتكنولوجيا أداة، أما المسؤولية عن المعنى والاختيار والحكم فتبقى مسؤولية الإنسان. ومن هنا تصبح السيادة المعرفية جزءا من صميم الإصلاح التربوي، عبر القدرة على إنتاج المعرفة حول واقعنا، وقراءة بياناتنا، وفهم احتياجات طلبتنا، وتقييم سياساتنا، ومراجعة مناهجنا، وبناء قراراتنا على الأدلة. نحن بحاجة إلى أن نعرف واقعنا قبل أن نستورد حلوله، وأن ننتج المعرفة التي تساعدنا على فهم مشكلاتنا قبل أن نبحث عن إجابات جاهزة لها.
ومع تزايد تدخلات المانحين في التمويل والإصلاح وتحديد الأولويات، تصبح المرجعية الوطنية أكثر أهمية. فالتعاون الدولي والخبرة الخارجية والتمويل يمكن أن تكون مصادر قوة، لكن اتجاه التعليم ومعاييره وأولوياته ينبغي أن تنطلق من حاجات المجتمع الفلسطيني وحقه في تحديد مستقبله التربوي. فالانفتاح على العالم يكون أكثر قوة عندما يستند إلى بوصلة وطنية واضحة، والسيادة التربوية تعني امتلاك القدرة على الاختيار الواعي: ماذا نأخذ؟ ولماذا؟ وكيف نكيفه؟ وما الذي لا يتوافق مع سياقنا واحتياجاتنا؟
من إدارة الأزمة إلى بناء تعليم فلسطيني يملك بوصلته
تكشف نتائج PISA 2025 أن الأزمة أعمق من نتيجة اختبار، وأوسع من أداء مبحث أو صف دراسي. نحن أمام تفاعل بين زمن تعلم متآكل، وفجوات تراكمت، وضغوط على المعلمين، واضطراب في انتظام المدرسة، وتراجع في بعض أشكال الدعم الأسري، وظروف سياسية واقتصادية وأمنية أثرت في قدرة النظام على حماية التعلم.
هذه الظروف تفسر جزءا من الواقع، لكنها تضع أمام السياسات التعليمية مسؤولية أكبر في بناء القدرة على الصمود والتعافي. فالظرف الصعب لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير دائم للتراجع، وإنما إلى دافع لبناء نظام أكثر قدرة على حماية التعلم في أثناء الأزمة واستعادته بعدها.
وهنا تلتقي العدالة بالجودة، وتلتقي المرونة بالمسؤولية. فالنظام العادل هو الذي يعرف أين تقع الفجوات، ومن يحتاج إلى الدعم الأكبر، وكيف يوجه موارده وفق الحاجة. والنظام القادر على الصمود هو الذي لا يترك التعلم رهينة للظرف، وإنما يمتلك خططا لاستمراره واستعادته.
وهذا يتطلب الانتقال من إدارة الخسارة إلى استعادة القدرة. كيف نستعيد زمن التعلم؟ كيف نستعيد ثقة المعلم؟ كيف نمكّن المدرسة؟ كيف نوجه الموارد نحو الفجوات الحقيقية؟ كيف نراجع المنهاج في ضوء حاجات الإنسان الفلسطيني؟ كيف نربط المدرسة بالجامعة والمجتمع والبحث؟ وكيف نبني نظاما يستطيع أن يتعلم من بياناته ويصحح قراراته؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تؤسس للتحول التربوي بعد 2030.
نحن بحاجة إلى نظام تعليمي يتعلم باستمرار، ينتج المعرفة عن واقعه، يحمي زمن الطالب، يمكّن المعلم، يعطي المدرسة قدرة حقيقية على الفعل، يوجه الموارد وفق الحاجة، ويصحح قراراته على أساس الأدلة، ويحافظ في الوقت نفسه على مرجعيته الوطنية.
وهنا ينبغي أن نعيد النظر في معنى الإصلاح نفسه. الإصلاح التربوي يبدأ بقدرة النظام على مراجعة ذاته، وامتلاك المعرفة التي تسمح له بفهم ما يحدث، وتحمل مسؤولية قراراته، وتصحيح مساره. وهذا هو المعنى الحقيقي للتعليم الذي يتعلم.
لذلك لا ينبغي أن يكون PISA نهاية النقاش، وإنما بداية مراجعة أعمق لمسار التعليم الفلسطيني. فالاختبار يخبرنا أين وصلنا، لكنه لا يقرر وحده إلى أين ينبغي أن نذهب. والاتجاه الذي نحتاجه واضح في جوهره:
وقف التدهور أولا، ثم استعادة التعلم، ثم بناء منظومة قادرة على إنتاج تعلم مستدام وعادل وذي معنى.
هذه المهمة تستدعي استعادة المدرسة بوصفها المكان الذي يلتقي فيه الزمن بالمعرفة، والمعلم بالطالب، والمنهاج بالواقع، والتقويم بالتطوير، والهوية بالانفتاح، والمعرفة بالقدرة على الفهم والفعل. كما تستدعي أن ننظر إلى
التعليم الفلسطيني باعتباره جزءا من مشروع أوسع للتحرر الإنساني والوطني. فحين يمتلك الإنسان القدرة على السؤال والفهم والنقد والإنتاج والاختيار، يصبح أكثر قدرة على المشاركة في تقرير مستقبله. وحين تمتلك المنظومة التعليمية شروط إنتاج المعرفة وتقييمها واختيارها، تصبح أكثر قدرة على حماية قرارها التربوي.
لهذا فإن السؤال بعد PISA 2025 لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نرفع درجاتنا في الاختبار؟ وإنما أي إنسان فلسطيني نريد أن يبني التعليم قدرته على أن يكون؟ وأي معرفة نريد أن يمتلكها؟ وأي مدرسة نريد أن نوفرها له؟ ومن يملك القرار في تحديد ذلك؟
وعند هذه النقطة تلتقي فلسفة التعليم بفلسفة التحرر؛ فحين تتحرر المعرفة من التبعية والتجزئة والانغلاق، يتحرر العقل من حدودها؛ وحين يمتلك العقل القدرة على الفهم والنقد والإنتاج، يبدأ الإنسان في كتابة مصيره.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق المرحلة المقبلة كلها: هل نستطيع أن نمتلك قرارنا التربوي، ونستعيد زمن التعلم، ونبني البوصلة التي تقود التعليم الفلسطيني إلى المستقبل الذي نريده؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


