غزة التي ما زالت تغيّر في العالم.. لم تغير فيهم شيئا ؟؟؟

كتب رباح جبر: قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول2023، كانت القضية الفلسطينية قد بدأت بالتواري وبدأ العالم نسيانها بما فيه العالم العربي والإسلامي الذي كان يرى فيها لأكثر من عشرة عقود قضيته المركزية ، خاصة مع هرولة العديد من الانظمة العربية للتطبيع مع دولة الإحتلال، وكثرة الحديث عن المنافع الاقتصادية التي ستجنيها المنطقة بعد السلام الزائف مع إسرائيل.
جاءت ملحمة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر وحرب الإبادة وبدأ العالم بالتحوّل… وحسب تعبير الكاتب اليساري الإسرائيلي جدعون ليفي في صحيفة هآرتس.. (غزة أصبحت هيروشيما، لكن روحها ما زالت حية، تم إبعاد القضية الفلسطينية كلياً عن جدول الأعمال الدولي – وجاءت الحرب ووضعتها على رأس القائمة- وأصبح العالم يحبهم ويتعاطف معهم، سكان غزة الذين دفعوا ثمناً لا يمكن وصفه، لا شيء يعزيهم،ربما ينساهم العالم مرة أخرى، لكنهم أصبحوا في قمة العالم).
وإضافة للتحولات الدولية العميقة في الرأي العام الدولي والتي بدأت مفاعيلها تظهر على مستوى الشعوب وإلى حد ما على مستوى البرلمانات، وإن لم تنعكس بالقدر الكافي بعد على مستوى الحكومات ، إلا أن موجة الاعترافات بالدولة الفلسطينية تظهر أثر الطوفان في وضع القضية الفلسطينية على قمة أعمال العالم ، وقبلها الموجة التي اجتاحت جامعات أمريكا والعالم وحملات المقاطعة التي تصاعدت بشكل مضطرد، وحتى في الدول التي يفاخر رؤساؤها بصهيونيتهم كالرئيس الأرجنتيني والرئيس الكولومبي الجديد ، فإن استطلاعات الرأي فيها تشير بوضوح أن غالبية واضحة فيها مؤيدة ومتعاطفة مع الشعب الفلسطيني ومنددة بدولة الإحتلال وتنظر لها بسلبية، كما أن تداعيات الطوفان اضطرت العديد من الأحزاب في العالم إلى مراجعة وتغيير خطابها السياسي لصالح شعبنا ونضاله .
صحيح أن هذه التحولات لم تعط أكلها بعد في اتخاذ الحكومات إجراءات لمعاقبة إسرائيل على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني ووقف عدوانه، لأن هذه الصيرورة التاريخبة من التحوّل الذي مازال جاريا، تحتاج إلى وقت حتى تبدأ بالتأثير على المواقف الرسمية للدول بل وعلى تركيبة هذه الحكومات، وهذا كله من تداعيات طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، والتي كشفت للعالم طبيعة دولة الإحتلال التي أصبحت منبوذة ومعزولة تحاكم أمام محكمتي العدل والجنائية الدولية التي أصدرت أمرا بتوقيف واعتقال رئيس حكومة الإحتلال ووزير حربه السابق.
كل هذا التحوّل والتغير في العالم الذي كان وما زال من المفترض أن تتعامل معه القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية من باب مواكبته وتعميقه واستثماره سياسيا لصالح نضالنا من خلال اعتماد ثلاث ركائز أساسية:
أولا: المبادرة والإستجابة لدعوات استعادة الوحدة الوطنية ليس فقط لأنها شرط للإنتصار في مرحلة التحرر الوطني، بل ولكونها رسالة هامة لأحرار العالم الذي يدعمون شعبنا في نضاله، مفادها أن الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية موحدة وتجاوزت الإنقسام المدمر وحالة التشظي في النظام السياسي.
ثانيا: التعاطي إيجابا مع دعوات اعتماد استراتيجية وطنية كفاحية عمادها الرئيس المقاومة الشعبية بأشكالها المتاحة وتأطيرها على المستوى الوطني والمناطقي، حتى يتناغم الحراك الدولي الداعم لقضيتنا الوطنية مع تصاعد نضالنا، وإلا فسيتحول إلى مجرد تعاطف يفتر تدريحبا.
ثالثا: مغادرة السياسة الإنتظارية ووقف الرهان على الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي دعمت وما زالت العدوان على شعبنا عسكريا وسياسيا وديبلوماسيا، وتغطيه في المحافل الدولية وخاصة في مجلس الأمن، الأمر الذي يتناقض مع رؤية أحرار العالم بما فيهم داخل الولايات المتحدة التي ترى في أمريكيا عدوة شعبنا الأول.
وبدلا من ذلك
استمرت القيادة السياسية للسلطة في ذات النهج والسياسة والأداء، متغافلة كل التحولات الدولية لصالح شعبنا ومتغافلة حتى التطورات الإقليمية المتسارعة والتي هي من دفقات السابع من أكتوبر، وواصلت التضييق من خلال للأجهزة الأمنية للسلطة على الحركة الجماهيرية المساندة لغزة، وحاصرت واقتحمت مخيم جنين واستمرت في الإعتقالات السياسية، بهدف إرسال الرسائل للأمريكان وإسرائيل بأنها مؤهلة للإضطلاع بدور في اليوم التالي.
كما أنها ضربت بعرض الحائط اتفاق بكين لهادف لاستعادة الوحدة الوطنية والذي وقع عليه (14) فصيل وحزب فلسطيني، والذي تم التوافق فيه على كل القضايا الخلافية البرنامجية والتنظيمية وأشكال النضال، هذا التطيل لمسار بكين جاء من جهة استحابة لضغوط دولية وإقليمية ولتعارضه مع مصالح أوساط قيادية رسمية فلسطينية ترى فيه تهديدا لها من جهة أخرى.
كما استمرت في المراهنة على الأمريكان وعلى تغيرات في الخارطة السياسية وتركيبة الحكم في دولة الإحتلال في الإنتخابات الإسرائيلية القادمة ، على أمل العودة لما تبقى من فتات أوسلو، سياسة انتظارية في الوقت الذي تتغول فيه جرائم المستوطنين وجيش الإحتلال في الضفة وسرقة الأرض ومحاولات تغيير الوضع القانوني والسياسي للضفة المحتلة والمضي في عملية الضم، سياسة انتظارية في الوقت الذي لا تنتظر فيه إسرائيل ولا تتلكأ في عدوانها ضاربة بعرض الحائط الإنتقادات الدولية الخجولة.
متى سيبدأ التغيير …وعلى أمل أن تشكّل الإنتخابات الفلسطينية القادمة البداية له؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


