انتخابات السويد : المهاجرون وصندوق الاقتراع.. من يملك مفتاح السويد بعد الانتخابات؟

17.09.2026 09:43 AM

كتب اسماعيل جمعة الريماوي: لم تكن الانتخابات السويدية مجرد منافسة تقليدية بين اليمين واليسار على تشكيل الحكومة، بل كانت اختباراً جديداً لتحولات عميقة يعيشها المجتمع السويدي، وفي مقدمتها قضية الهجرة والاندماج، التي انتقلت خلال السنوات الأخيرة من كونها ملفاً سياسياً إلى واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في خيارات الناخبين، ومع تقدم المعارضة، وفق النتائج الأولية، بـ176 مقعداً مقابل 173 لأحزاب اتفاق تيدو، فإن ثلاثة مقاعد فقط تفصل بين المعسكرين، ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات سياسية متعددة، خصوصاً أن الفارق الضيق يعني أن كل صوت وكل مقعد يمكن أن يكون له تأثير حاسم في تحديد شكل الحكومة المقبلة.

لكن السؤال الذي يتجاوز أرقام المقاعد ونسب التصويت هو: ماذا تعني هذه الانتخابات للمهاجرين في السويد؟ وهل يمثل تقدم المعارضة بداية تراجع عن السياسات التي اتجهت إليها البلاد منذ انتخابات عام 2022، أم أن التحول في سياسة الهجرة أصبح أعمق من أن يتغير بمجرد انتقال السلطة من معسكر إلى آخر؟

خلال السنوات الماضية شهدت السويد تغيراً واضحاً في تعاملها مع الهجرة والإقامة والجنسية والاندماج، ولم يعد النقاش يدور فقط حول استقبال المهاجرين واللاجئين، بل أصبح مرتبطاً بشروط الإقامة، ومتطلبات الجنسية، والعمل، واللغة، والاندماج، ولمّ شمل الأسر، ومكافحة ما تسميه الدولة العزلة المجتمعية والجريمة المنظمة، وكان صعود ديمقراطيي السويد عاملاً أساسياً في دفع هذه القضايا إلى مركز الحياة السياسية، لكن التطور الأهم أن تشدد سياسة الهجرة لم يعد حكراً على اليمين وحده، بل بدأت أحزاب أخرى، بما فيها أحزاب في المعسكر المعارض، تتبنى مواقف أكثر تشدداً مما كانت عليه في السابق.

وهنا يجد المهاجر نفسه أمام معادلة سياسية جديدة، فليس كل من صوّت ضد ديمقراطيي السويد يريد بالضرورة العودة إلى السويد التي كانت أكثر انفتاحاً على الهجرة قبل سنوات، كما أن التصويت للمعارضة لا يعني تلقائياً إلغاء السياسات التي تم إقرارها خلال السنوات الأخيرة، لقد تغيرت الخريطة السياسية، وتغير معها خطاب معظم الأحزاب بشأن الهجرة، وأصبح من الصعب على أي حكومة مقبلة أن تتجاهل المخاوف الشعبية المتعلقة بالأمن والاندماج والهجرة غير المنضبطة، حتى لو اختلفت الأحزاب في طريقة معالجة هذه الملفات.

ومن هنا يمكن فهم تراجع ديمقراطيي السويد مقارنة بالانتخابات السابقة باعتباره نتيجة سياسية مهمة، لكنه لا يعني بالضرورة أن المجتمع السويدي عاد إلى الوراء في قضية الهجرة، فقد يكون الناخب قد رفض أسلوب الخطاب أو بعض مواقف الحزب، أو أراد تغيير الحكومة، أو صوت لقضايا أخرى مثل الاقتصاد والرعاية الصحية والتعليم والأمن، دون أن يعني ذلك تأييده لعودة سياسة الهجرة السابقة، وهذا تحديداً ما يجب أن يدركه المهاجرون أنفسهم؛ فالانتخابات ليست استفتاءً واحداً على الهجرة، وإنما هي اختيار شامل لمستقبل البلاد.

وفي المقابل، فإن المهاجرين أنفسهم لم يعودوا كتلة انتخابية واحدة، فالمهاجر الذي وصل إلى السويد حديثاً ليست له بالضرورة الأولويات نفسها التي يحملها مهاجر يعيش في البلاد منذ عشرين أو ثلاثين عاماً، هناك من يرى أن الأولوية هي تسهيل الحصول على الإقامة والجنسية ولمّ شمل الأسرة، وهناك من يرى أن الأمن وفرص العمل والتعليم أهم من كل شيء، وهناك مهاجرون أصبحوا جزءاً من الطبقة الوسطى السويدية ويصوتون وفق مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية، بينما أصبح الجيل الجديد من أبناء المهاجرين أكثر ارتباطاً بالقضايا السويدية الداخلية من ارتباطه ببلدان آبائه.

ولذلك فإن السؤال: هل أصبحت الهجرة العامل الأهم في اختيار المهاجرين لأحزابهم؟ قد تكون إجابته نعم بالنسبة إلى شريحة واسعة، ولكن ليس بالمعنى الذي يفترض أن جميع المهاجرين يصوتون للأحزاب الأكثر تساهلاً في الهجرة، بل إن بعض المهاجرين أنفسهم قد يصوتون لأحزاب تطالب بتشديد قوانين الهجرة، لأنهم يرون أن النظام والأمن والاندماج شروط أساسية للحفاظ على المجتمع الذي يعيشون فيه، وهنا تتجاوز المسألة فكرة المهاجر الذي يصوت ضد الهجرة، إلى مواطن سويدي من أصول مهاجرة يختار الحزب الذي يعتقد أنه يحمي مستقبله ومصلحة أسرته.

أما بالنسبة إلى الحكومة المقبلة، فإن عودة المعارضة إلى السلطة، إذا تأكدت النتيجة النهائية، لن تكون عودة آلية إلى سياسات ما قبل عام 2022 ، فالسويد تغيرت، والمجتمع تغير، والخطاب السياسي تغير، وحتى الأحزاب التي كانت أكثر انفتاحاً على الهجرة أصبحت أكثر حذراً وتشديداً في هذا الملف، ولذلك فإن التحدي أمام المعارضة ليس فقط تشكيل حكومة جديدة، وإنما إقناع الناخب السويدي والمهاجر في الوقت نفسه بأنها قادرة على الجمع بين سياسة هجرة مسؤولة وبين الحفاظ على قيم العدالة والمساواة وعدم تحويل المهاجر إلى متهم دائم.

المهاجرون بدورهم أمام مسؤولية مختلفة، فقد أصبحوا جزءاً أساسياً من المجتمع السويدي، وبالتالي فإن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تقوم فقط على الخوف من حزب أو البحث عن تسهيلات في الإقامة والجنسية، بل على قراءة البرامج السياسية كاملة، ومقارنة مواقف الأحزاب من العمل والتعليم والسكن والصحة والأمن والضرائب والحريات والاندماج، فالمهاجر الذي يعيش في السويد منذ سنوات، ويدفع الضرائب ويعمل ويربي أبناءه فيها، ليس ضيفاً ينتظر أن تقرر الأحزاب مصيره، بل مواطن له صوت يستطيع أن يؤثر من خلاله في مستقبل البلاد.

وهنا تكمن أهمية الانتخابات الحالية، ثلاثة مقاعد فقط تفصل بين معسكرين سياسيين، لكن الفارق الحقيقي قد يكون أكبر من ثلاثة مقاعد؛ لأنه يتعلق باتجاه السويد خلال السنوات المقبلة، هل تستمر البلاد في مسار تشديد الهجرة والاندماج الذي ترسخ منذ 2022، أم تحاول المعارضة تعديل هذا المسار دون العودة إلى الماضي؟ وهل يستطيع اليسار أن يستعيد أصوات المهاجرين من دون أن يقدّم لهم وعوداً لا يستطيع تنفيذها؟ وهل فهمت الأحزاب السويدية أن المهاجرين لم يعودوا مجرد ناخبين موسميين، وإنما قوة انتخابية واجتماعية متنامية يمكن أن تحسم نتائج الانتخابات؟

الجواب لن تحدده الأرقام وحدها، بل ما ستفعله الحكومة المقبلة بعد انتهاء الانتخابات، فالمهاجر لا يريد فقط أن يعرف من سيحكم السويد، وإنما يريد أن يعرف كيف سيؤثر ذلك في إقامته، وجنسيته، وأسرته، وعمله، ومستقبل أبنائه، ومكانه في المجتمع، وبين يمين أصبح أكثر تشدداً ويسار لم يعد كما كان، يبدو أن المهاجر السويدي يقف أمام مرحلة جديدة لا يكون فيها السؤال فقط: من هو الحزب الأفضل للمهاجر؟ بل: أي حزب يستطيع أن يبني سويداً يكون فيها المهاجر جزءاً من المجتمع لا عنواناً دائماً للصراع السياسي؟

فالانتخابات قد تغير الحكومة في ستوكهولم، لكنها لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وما بعد هذه الانتخابات لن يكون كما قبلها، لأن قضية الهجرة لم تعد ملفاً هامشياً في السياسة السويدية، وإنما أصبحت واحدة من مفاتيح تحديد مستقبلها السياسي والاجتماعي.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير