كنت أشتري «السفير» لأقرأ مقالات طلال سلمان.

محمود كلّم يكتب لوطن: طلال سلمان… حين كانت "السفير" تصل إلى فرن المناقيش

02.09.2026 08:07 PM

وطن للأنباء: لم أكن أبدأ بالجريدة من الصفحة الأولى؛ كان لي فيها ترتيب خاص. أبحث عن «على الطريق»، لأقرأ ما يكتبه ذلك الصحافي الذي كان يعرف أن للكلمة وزناً، وأن للجريدة موقفاً، وأن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار.

وكنت أشتري «السفير» أيضاً لأقرأ مقالات الدكتور أنيس صايغ كل يوم جمعة. كنت أحتفظ بمقالاته في ملف خاص، لأنني كنت أشعر أن هذه المقالات لا ينبغي أن تضيع.

أما الصفحة الأخيرة، فكانت لها حكاية مختلفة.

كنت أقرأ «السفير» من الصفحة الأخيرة حيث رسومات الفنان ناجي العلي. كنت أقتطع رسوماته وأحتفظ بها جميعاً. لم أكن أعرف يومها أن تلك القصاصات الصغيرة ستصبح بعد سنوات، جزءاً من ذاكرة زمن كامل.

أما ما يتبقى من الجريدة بعد أن أنتهي من قراءتها، فلم يكن يذهب إلى سلة المهملات.

كان من نصيب فرن مناقيش بيت العفيفي في مخيم شاتيلا.

وأحياناً كان جارنا أبو جمال المجذوب يأخذ ما تبقى من النسخ ليستخدمها في دكانه.

هكذا كانت «السفير» تعيش معنا.

جزء منها كان يبقى في مكتبتي، بين المقالات والرسومات، وجزء آخر كان يعود إلى الحياة اليومية؛ في فرن المناقيش أو في دكان الجار.

وكان لـ«السفير» ما يختصر روحها وهويتها؛ «صوت الذين لا صوت لهم»، و«جريدة لبنان في الوطن العربي، وجريدة الوطن العربي في لبنان».

لم تكن تلك الشعارات مجرد عبارات. كانت تعكس صحيفة أرادت أن ترى لبنان من موقعه العربي، وأن تحمل قضايا الوطن العربي إلى لبنان، وأن تمنح مساحة لأصوات لا تجد دائماً منبراً لها.

ولفهم تلك المكانة التي احتلتها «السفير» في حياة قرائها، لا بد من العودة إلى بدايتها وإلى الزمن الذي ولدت فيه.

في عام 1974، صدرت «السفير» في بيروت، في بلد يقف على عتبة تحولات كبرى، وفي منطقة مثقلة بجراح هزيمة حزيران 1967، وتبحث عن أحلام جديدة.

لم تكن «السفير» محايدة؛ كان لها موقفها وانحيازاتها وقراءتها للبنان والقضية الفلسطينية والعالم العربي. ولهذا التقت فيها أجيال من الصحافيين والكتّاب والشعراء والمثقفين، وتجاورت داخلها اتجاهات اليسار والقوميين والناصريين والفلسطينيين.

كانت جريدة لها موقف، وربما لهذا أحبها الناس، حتى الذين لم يتفقوا معها دائماً.

واكب طلال سلمان الحرب الأهلية اللبنانية وصراعاتها وتحولاتها، كما واكب صعود المقاومة الفلسطينية، وتحولات اليسار، واجتياح عام 1982، واتفاق الطائف، وصعود قوى جديدة وانهيار مشاريع قديمة.

كبر طلال سلمان مع «السفير» ومع بيروت، وتعب معها.

وظل يكتب من داخل ذلك التاريخ، لا من خارجه.

وحين توقفت «السفير» عام 2016، لم أشعر أن جريدة توقفت فقط.

شعرت أن شيئاً من أيامنا توقف معها.

لم تعد تأتي الجريدة التي كنت أشتريها وأقلب صفحاتها بحثاً عن «على الطريق»، وأنتظر فيها مقال الجمعة، وأفتش في صفحتها الأخيرة عن رسم ناجي العلي.

حتى الأوراق التي كانت تنتهي في فرن المناقيش لم تعد موجودة.

اختفى ذلك العالم اليومي كله.

ثم رحل طلال سلمان، فبدا الغياب أكبر.

كانت «السفير» قد توقفت قبله بسنوات، لكن طلال ظل يحمل شيئاً منها. وحين رحل، شعرت أن آخر باب يصلنا بذلك الزمن قد أُغلق.

بعد سنوات على رحيله، أعود إلى طلال سلمان لا لأتذكر صحافياً كبيراً فقط، بل لأتذكر نفسي أيضاً.

أتذكر ذلك الشاب الذي كان يشتري «السفير»، يبحث عن «على الطريق»، ينتظر مقال الجمعة، ثم يقتطع ما يراه جديراً بالبقاء.

أتذكر الملفات القديمة، وقصاصات الورق، وفرن بيت العفيفي، ودكان الجار في مخيم شاتيلا.

وأتذكر قبل كل شيء، زمناً لم نكن نعرف أننا نعيش نهايته.

ربما لهذا بقي طلال سلمان في الذاكرة؛ لأنه لم يكن صحافياً فقط، بل كان وجهاً من وجوه مرحلة كانت فيها الجريدة موقفاً، ومساحة للاختلاف، وموعداً يومياً، وذاكرة لمدينة ومرحلة.

وكان يكفي أن تجمع صحيفة واحدة بين أسماء كبيرة وأفكار كبيرة، وأن تصل في اليوم نفسه إلى بيت في المخيم، وإلى فرن مناقيش، وإلى دكان جار، حتى تصبح جزءاً من حياة الناس، لا مجرد صحيفة.

اليوم حين أفكر في «السفير»، لا أفكر في السياسة والحروب وحدها.

أفكر في الورق، في رائحة الجريدة، في المقال الذي كنت أحتفظ به، في الرسم الذي كنت أقتطعه، وفي الأوراق التي كانت تتحول في نهاية النهار إلى غلاف لمناقيش ساخنة.

أفكر في تلك المسافة التي كانت تقطعها الجريدة في يوم واحد؛ من مكتب الصحيفة إلى بيت في مخيم شاتيلا، ثم إلى فرن المناقيش، وإلى دكان في الحي.

وربما في هذه المسافة تكمن حكاية «السفير» كلها؛ صحيفة كُتبت فيها أفكار كبيرة عن الوطن والقضية والحرب والسياسة، لكنها بقيت قريبة من حياة الناس، من بيوتهم وأفرانهم ودكاكينهم وتفاصيل أيامهم الصغيرة.

رحل طلال سلمان، وتوقفت «السفير»، وبقي من ذلك الزمن قصاصات وكلمات تسكن الذاكرة.

وبقيت تلك الجريدة، في ذاكرتي، تبدأ بمقالة، وتمرّ برسمة، وتنتهي بمنقوشة.

كنت أشتريها لأقرأ مقالات طلال سلمان، ولم أكن أعرف أنني كنت أشتري زمناً لن يعود.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير