مروة فرح تكتب لوطن: الباحث والذكاء الاصطناعي: من يملك الآخر؟ نحو عقلٍ بحثي جديد

31.08.2026 05:20 PM


قد يجد القارئ في هذا المقال شيئًا يشبهه أكثر مما يتوقع؛ أسئلةً راودته ثم آثر تأجيلها، وتحفّظاتٍ احتفظ بها لنفسه، وربما عباراتٍ قالها للآلة بينه وبينها ثم عاد فأنكرها عليها أمام الآخرين! ولعلّ أجمل ما في هذا المقال أنه لا يحاول أن يضع الذكاء الاصطناعي في قفص الاتهام، ولا أن يمنحه صكّ البراءة؛ بل هو، في جوهره، حوارٌ بصوتٍ عالٍ مع فكرةٍ أصبحت أكبر من أن تُترك للهمس؛ حوارٌ نرى فيه ما للذكاء الاصطناعي وما عليه، وما يضيفه إلينا وما قد ينتزعه منّا، ونقول ما نفكّر فيه فعلًا، بصراحتي المعتادة التي لا أفصلها عن شخصيتي، وبشيء من الجرأة، وقليل من السخرية، وكثير من الصدق مع الآلة ومع أنفسنا، ولعلّه طال قليلًا، لكن بعض الموضوعات لا تُختصر من دون أن يُختصر معها شيء من جوهرها؛ وهذا واحد منها، لأنه لا يتناول أداةً عابرة، بل تحوّلًا يمسّ طريقة تعلّمنا وبحثنا وكتابتنا وتقييمنا للمعرفة، وربما تعريفنا للباحث نفسه، وهو، في النهاية، مقالٌ لأصحاب العقول النيّرة؛ لا ليوافقوا كل ما فيه، بل ليختلفوا معه بوعي، ويناقشوه بعقل، ويخرجوا منه بتساؤلات جديدة.

من طبيعة الإنسان أن يتوجّس إزاء كل جديد؛ فالمألوف يمنحه طمأنينة الاستقرار، أما الجديد فيضعه أمام احتمال إعادة النظر في بعض ما ألفه من أفكار وقواعد وحدود، وقد تناولت أدبيات علم النفس السلوكي والاقتصاد السلوكي ودراسات الاختيار هذا الميل من زوايا متعددة، ومن أبرز المفاهيم المرتبطة به: "انحياز الوضع الراهن"؛ الذي درسه الاقتصاديان "وليام سامويلسون" و"ريتشارد زيكهاوزر" في بحثهما المنشور عام 1988م، وبيّنا أن الأفراد قد يميلون في بعض مواقف الاختيار إلى الإبقاء على الوضع القائم بدلًا من الانتقال إلى بديل آخر، وليس في هذا التوجّس ما يعيب؛ فالشك قد يكون بابًا إلى التفكير النقدي، لكن المشكلة تبدأ حين يتحوَّل إلى رفض قبل الفهم، أو إلى خوف من الأداة بدلًا من اختبار ما يمكن أن تضيفه، والتاريخ نفسه يذكّرنا بأن الأداة الجديدة لا تأتي بالضرورة لتلغي ما سبقها؛ بل لتوسّع قدرة الإنسان؛ فلم تُخترع السيارة لإهانة المشي، ولا الطائرة لأن السفر على ظهر الجمل أصبح خطأً منهجيًا، ولا الآلة الحاسبة لأن البشرية أعلنت عجزها عن الجمع والطرح، ولم يظهر الإنترنت ليعلن وفاة الكتاب، ولو رهنّا أصالة الفعل بمقدار المشقة المبذولة فيه، لكان على الباحث اليوم أن يركب الجمل حين يتوجّه إلى جامعته، وأن يحسب الانحراف المعياري على أصابعه، ثم يكتب بحثه بالحبر ويرسله بالحمام الزاجل!

لكن، خلف هذه الصورة الهزلية سؤال أكثر جدية: هل قيمة العمل العلمي في صعوبة الوسيلة التي استُخدمت لإنجازه، أم في جودة السؤال، وسلامة المنهج، وقوة الدليل، وأصالة التحليل، وما ينتهي إليه البحث من معرفة وأثر؟ فالبحث العلمي ليس مسابقة في مقدار العناء، وإنما بحث في فجوة معرفية أو مشكلة واقعية تستحق الفهم أو المعالجة، ينتهي إلى نتيجة يمكن الدفاع عنها علميًا، وقد تتحوَّل إلى معرفة نافعة للتخصص، أو حلّ يخدم المجتمع، أو قرار أكثر رشادة لصانع القرار، أو أداة تحسن حياة الإنسان، أو إضافة تمتد إلى العالم، لذا لا ينبغي أن يكون السؤال: كم صفحة كتب الباحث بيده؟ بل: ماذا أضاف؟ وما الذي أصبحنا نعرفه بعده ولم نكن نعرفه قبله؟ وما المشكلة التي أسهم في فهمها أو حلها؟ فالورقة ليست غاية العلم؛ إنها أحد أوعيته، وهنا، تبرز مسألة عربية تستحق شيئًا من الصراحة؛ لقد أصبحنا نحتفي بعدد الأبحاث، والاستشهادات، والمؤتمرات، والشهادات، والألقاب، وهي مؤشرات لها قيمتها، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حيوية المنظومة البحثية، فليس كل ارتفاع في عدد المنشورات ارتفاعًا في الابتكار، ولا كل كثرة في الصفحات كثرة في القيمة، وقد يكون السؤال الأكثر إزعاجًا: كم بحثًا نشرنا؟ لكن السؤال الأجدر: كم مشكلة حقيقية عالجنا؟ وكم فكرة خرجت من الورق إلى المختبر، ومن المختبر إلى التطبيق، ومن التطبيق إلى حياة الناس؟ لا أقول ذلك جلدًا للذات، ولا إنكارًا لما أنجزه باحثون عرب وجامعات ومراكز بحثية رصينة، وإنما لأن قياس النجاح بالكم وحده قد يجعلنا نحتفل بحركة الورق أكثر مما نحتفل بحركة المعرفة.

إن الحاجة قائمة إلى إعادة النظر في فلسفة التقييم الأكاديمي نفسها؛ ليس المطلوب إلغاء النشر أو التقليل من قيمة الشهادة واللقب، وإنما تحريرها من الاختزال الكمي؛ فلا ينبغي أن تتحوَّل الترقية إلى سباق في عدّ الأوراق والشهادات والألقاب، وكأننا نجمع طوابع بريد لا نبني معرفة، الأجدر أن تتوازن المعايير بين جودة الإسهام، وأصالته، وأثره العلمي والمجتمعي، وقدرته على فتح مسار بحثي جديد، ونقل المعرفة، وبناء الباحثين، والتعاون العلمي، وحلّ المشكلات، والتحويل إلى تطبيق حين تسمح طبيعة التخصص، فليست قيمة الأستاذ في عدد ما تراكم على اسمه من منشورات، وإنما في ما أضافه إلى تخصصه وما تركه في عقول من تعلموا منه، والابتكار لا يولد في الجامعة وحدها، بل ينشأ داخل منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة والبيئة التعليمية، وتمتد إلى التمويل والبنية التحتية والتشريع والقطاع الصناعي وريادة الأعمال وحماية الملكية الفكرية، وتنتهي بسوق قادر على تحويل المعرفة إلى قيمة، وفي الأسرة نفسها تبدأ علاقتنا بالسؤال والخطأ والاختلاف: هل السؤال فضول محمود أم إزعاج؟ وهل الخطأ فرصة للتعلم أم عيب يجب إخفاؤه؟ ثم تأتي المدرسة والجامعة لتصقلا هذه القابلية في عقل باحث يعرف أن "لا أعرف" ليست هزيمة، وأن الدليل أقوى من الانطباع، وأن مراجعة الفكرة فضيلة لا نقيصة، من هنا، يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد، لا باعتباره خصمًا للباحث ولا مخلّصًا سحريًا للبحث؛ بل بوصفه أداة جديدة في منظومة إنتاج المعرفة.

أنا، كباحثة، لا أطرح هذا الكلام من موقع التنظير؛ بل أواكب هذه الأدوات وأستخدمها، وأفتخر بذلك ما دام استخدامها واعيًا ومدركًا، وهذا النص نفسه واحد من ثمار هذه التجربة، وقد كنت أكتب وأصوغ وأجادل وأستشهد قبل البدء باستخدام الذكاء الاصطناعي، ولدي من الممارسة والنِّتاج ما يكفي- بكل تواضع- للدلالة على كفاءتي، ولسنا في محكمة حتى نقضي أعمارنا في إثبات براءتنا من آلة! فالإنسان الصادق الواعي، صاحب المنظومة القيمية الراسخة، لا يحتاج إلى إخفاء الأداة ولا إلى التباهي بها؛ تكفيه منظومته القيمية من رقابة ذاتية، ونزاهة وغيرها، أما علاقتي بهذه الأدوات فليست دائمًا هادئة؛ فكثيرًا ما نتجادل، وأحيانًا أنزعج من صياغة لا تشبهني، وقد أغضب فأطلق عليها، من باب المناكفة، "الغباء الاصطناعي"، ثم أغلق صفحة نموذج وأنتقل إلى آخر، وكأنني أقول له: "انتهى النقاش، سأستشير غيرك من زملائك!"، ثم نعود إلى الطاولة نفسها بعد الهدوء، وهذه ليست مُجرَّد طرفة؛ فهي تكشف شيئًا جوهريًا في طبيعة العلاقة بين الباحث والأداة، فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يلتقط ما يدور في ذهني لمُجرَّد أنني طلبت منه ذلك؛ عليّ أن أشرح، وأعيد الصياغة، وأعترض، وأرفض بعض مرادفاته لأنها لا تشبه لغتي الأكاديمية أو الثقافية أو الفكرية أو حتى الهزلية، وأعيد توجيهه حتى تقترب الصياغة من الصوت الذي أريده، فأنا لا أريد نصًا مصقولًا فحسب؛ بل نصًا يمثلني أنا؛ لأن أسلوبي في الكتابة؛ بل حتى اهتمامي في وضع علامات الترقيم، جزء من شخصيتي، فأنا أرفض تذويب ملامح حرفي بين طيات حروف الآلة، لذا؛ فإن هذه العملية ليست "اكتب أمرًا واحصل على المعجزة"؛ بل مراجعة وأخذ وعطاء وتصويب مستمر حتى تنضج الفكرة، وربما كان البدء من الصفر أحيانًا أسهل من تهذيب نص جاهز، لكنني أختار التدقيق لأنني أريد أن أصل إلى أقصى ما أستطيعه من فكر يُعبّر عني حقًا، وكلما ازداد استخدامي لهذه الأدوات ازداد وعيي بها، وأصبحت أعرف بدقة أكبر أين تنفع، وأين تضلِّل، ومتى توسع الاحتمالات، ومتى ينبغي أن أغلقها وأعود إلى الكتاب والمصدر الأصلي، لذا؛ لا أفهم كثيرًا سرّ الخجل من التصريح باستخدامها؛ فالإنسان المتصالح مع ذاته ومن يقودها جيدًا لا يحتاج إلى إنكار أدواته كي يثبت كفاءته؛ بل يعرف أن قيمته ليست في غياب الأداة، وإنما في قدرته على إدارتها دون أن تفقده صوته واستقلاله.

ومن أذكى استخدامات الذكاء الاصطناعي في البحث أن يتحوَّل إلى شريك في العصف الذهني لا إلى ماكينة للموافقة، أعرض فكرة، وأطلب منه أن يهدمها، وأن يتَّخذ موقف الخصم، وأن يكشف ثغراتها، وأن يقترح تفسيرًا منافسًا، ثم أعود إلى المصادر والأدلة لاختبار ما اقترحه، هنا لا تحلّ الآلة محلّ العقل، وإنما توسّع مجال الاحتمالات وتضع الفكرة تحت الضغط؛ وربما يكون السؤال الأذكى لها: أين يمكن أن أكون مخطئة؟ لا كيف تثبت أنني على صواب؟ في هذه اللحظة تحديدًا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لزيادة مساحة التفكير، لا لإلغاء التفكير، لكن لا ينبغي الخلط بين الأداة والمصدر، فالبحث العلمي لا يزال قائمًا على نقد المصادر وتمييز الأولي من الثانوي، وفحص السياق والأصالة وإمكان التحقق، الجديد أن بيئة المعلومات اتَّسعت: قواعد بيانات، ومستودعات رقمية، ومواقع متغيرة، ومنصات اجتماعية، ومحتوى مرئي ومسموع، وبيانات مفتوحة، ومحتوى مولد آليًا، وليس كل ما في هذه البيئة مصدرًا علميًا، لكن اتّساعها يفرض على الباحث قدرة أكبر على تقييم أصل المعلومة وسياقها وغرضها، الإجابة المقنعة ليست دليلًا، وفصاحة العبارة ليست شهادة منشأ، وكثرة التداول ليست برهانًا على الحقيقة.

وهذا يزداد أهمية مع انتشار التفكير التآمري في بيئات يكثر فيها الغموض والقلق، وليس الاعتقاد بوجود مؤامرة خطأً في ذاته؛ فقد عرف التاريخ مؤامرات حقيقية وثبتت بالوثائق، لكن الخطر يبدأ حين يتحوَّل الشك إلى تفسير مغلق، يصبح فيه كل دليل مؤيدًا، وغياب الدليل دليلًا على إحكام المؤامرة، والدليل المضاد جزءًا منها، عندها لا يعود الإنسان يمارس الشك العلمي؛ بل يحصّن قناعته ضد الاختبار، التفكير النقدي لا يعني أن نشك في كل شيء؛ بل أن نكون مستعدين لأن نشك في شكوكنا أيضًا، وأن نسمح للدليل بتغيير موقفنا، وفي زمن وفرة المعلومات، تزداد الحاجة إلى هذه القدرة؛ لأن الوصول إلى ملايين المعلومات قد يزيد قدرتنا على العثور على ما يؤيد ما نعتقد، لا على معرفة ما هو صحيح، ومن هنا لا أرى أن الحلّ هو المنع الشامل، ولا الإباحة المطلقة؛ إنما القوننة والحوكمة، وقد انتقل تنظيم الذكاء الاصطناعي إلى أطر قانونية فعليَّة؛ فـالاتحاد الأوروبي أقر قانون الذكاء الاصطناعي، ودخل حيَّز النفاذ في أغسطس/آب 2024م، قائمًا على نهج تصنيفي يستند إلى المخاطر ويلزم بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي بشروط تتعلق بالشفافية والسلامة والحقوق الأساسية، كما تدعو منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" إلى سياسات تضع الإنسان في مركز استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث، مع حماية البيانات، وبناء القدرات البشرية، والتحقق من صلاحية الأدوات أخلاقيًا وتربويًا.

الجامعات بدورها مطالبة بأن تنتقل من سؤال: "هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟ إلى سؤال أكثر نضجًا: كيف استخدمته، ولماذا، وما الذي أضفته أنت؟ فالعصف الذهني ليس ككتابة البحث كاملًا، وتحسين اللغة ليس كاختلاق النتائج، وتنظيم الأفكار ليس كتفويض التفكير، والمساعدة في استكشاف الأدبيات ليست بديلًا عن الرجوع إلى المصادر الأصلية، كما يجب أن تحمي السياسات البيانات والملكية الفكرية، وتحدد متى يلزم الإفصاح عن الاستخدام، وتبقي المسؤولية العلمية لدى الباحث؛ فالآلة قد تساعد في العمل، لكنها لا تتحمَّل تبعاته، أما أدوات كشف النصوص المولدة آليًا، فلا ينبغي أن تتحوّل إلى محكمة تقنية، فالتقنيات المستخدمة في اكتشاف المحتوى المولَّد تتفاوت في دقتها، وقد تخطئ هذه الأدوات فتنسب نصًا بشريًا إلى الذكاء الاصطناعي، أو تعجز عن اكتشاف نص مولّد آليًا عُدّل أو مُزج بكتابة بشرية، وقد أثار ذلك جدلًا مستمرًا حول دقة الكشف وموثوقيته؛ فنتيجة أداة الكشف تظلّ مؤشرًا تقنيًا لا يكفي، بمفرده، للحكم القطعي على مصدر النص أو طريقة إنتاجه؛ لذا؛ لا ينبغي اختزال الحكم في "نسبة كشف"؛ بل ينبغي أن تتكامل المؤشرات التقنية مع الإفصاح، وسجل الاستخدام عند الحاجة، والمناقشة العلمية، والقدرة على الدفاع عن العمل، والحكم البشري الرشيد.

لكن التشريع وحده لا يصنع باحثًا ناضجًا، المطلوب تدريب الباحث على إدارة الذكاء الاصطناعي وإدارة ذاته أمامه؛ أن يعرف كيف يصوغ السؤال، وكيف يطلب الاعتراض لا المجاملة، وكيف يتحقق من المعلومة، وكيف يعود إلى المصدر الأصلي، وكيف يميز بين الفرضية والدليل، وكيف يرصد الخطأ والتحيّز، ومتى تكون سرعة الأداة منفعة، ومتى تصبح اختصارًا مخلًا، وتؤكد اليونسكو نفسها أهمية تطوير كفايات المتعلمين والباحثين، وبناء قدرتهم على الاستخدام المسؤول والإبداعي للذكاء الاصطناعي، لا مُجرَّد تنظيمه من الخارج، ولعلنا نحتاج، مع ذلك، إلى أكثر من تحديث اللوائح؛ نحتاج إلى مفردات جديدة تصف ممارسة معرفية جديدة: التفكير التشاركي مع الآلة، والتدقيق الخوارزمي للمعلومة، والتحقق متعدد الطبقات، وإدارة المخرجات التوليدية، وسلسلة إنتاج المعرفة الهجينة، وليس المقصود اختراع المصطلحات ترفًا أو استعراضًا؛ بل لأن العلوم حين تواجه ظواهر جديدة تحتاج إلى مفاهيم وأدوات جديدة لوصفها وقياسها ونقدها، وإذا كان ظهور الصحافة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والبيانات المفتوحة قد وسّع بيئة المعلومات واستدعى طرائق جديدة لتحليلها، فمن الطبيعي أن يفرض المحتوى المولَّد آليًا أدوات جديدة لتتبع المنشأ، وتقييم الموثوقية، وفهم درجة تدخل الإنسان والآلة في إنتاج المعرفة.

هنا، ينبغي للجامعات العربية ألا تبقى في موقع المستهلك، يمكننا أن ندرس أداء النماذج لا سيما في لغتنا العربية، ونختبرها في التخصصات المختلفة، ونرصد أخطاءها وتحيازاتها، ونطوّر أدوات للتحقق من مخرجاتها، ونبحث في أثرها في التعليم والكتابة العلمية وصنع القرار، لماذا نكتفي بالسؤال: ماذا اخترع الآخرون وكيف نستخدمه؟ ولماذا لا نسأل أيضًا: ما المعرفة الجديدة التي نستطيع أن ننتجها نحن لأن هذه الأدوات أصبحت موجودة؟ فالمطلوب ليس مزيدًا من الانبهار؛ بل مزيدًا من الجرأة على التجريب والابتكار، وفي هذا السياق تعود المسألة العربية إلى أصلها: هل نريد زيادة عدد الأوراق، أم زيادة القيمة التي تنتجها الأوراق؟ ليس المطلوب أن تتحوّل كل ورقة إلى براءة اختراع، فالعلم أوسع من ذلك؛ فقد تكون قيمة البحث في نظرية أو تفسير أو معرفة تأسيسية لا تظهر آثارها سريعًا في صورة منتج، لكن ينبغي أن تصبح منظومتنا أكثر قدرة، حيثما تسمح طبيعة العلم، على الانتقال من الفكرة إلى الدليل، ومن الدليل إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الحلّ، ومن الحلّ إلى الأثر، لذا، فإن مراجعة معايير الألقاب والترقيات ليست ترفًا إداريًا؛ إنما جزء من إصلاح المنظومة نفسها، ينبغي أن يكون الاعتراف الأكاديمي شهادة على جودة الإسهام وأصالته وأثره، لا مُجرَّد نتيجة لتراكم كمي في الأوراق والشهادات.

حين ننظر إلى كل ذلك من زاوية واحدة، يتضح أن الذكاء الاصطناعي ليس المشكلة؛ بل ربما كان المرآة التي تكشف مشكلات أقدم: كيف نقيس الباحث؟ كيف نعرّف الأصالة؟ كيف نقيّم المعرفة؟ كيف نربط الجامعة بالمجتمع؟ وكيف نحوّل البحث من منتج ورقي إلى قيمة حين يكون ذلك ممكنًا؟ لقد أصبح بوسع الآلة أن تنتج نصوصًا كثيرة بسرعة غير مسبوقة، وهذا يجعل التنافس على عدد الصفحات أقل معنى، ويرفع، في المقابل، قيمة ما لا تستطيع الآلة أن تتولاه وحدها: اختيار المشكلة، وتحديد الفجوة، وصياغة السؤال، وتمحيص الدليل، والحكم، والربط بالسياق، والأهم؛ تحمل المسؤولية عن النتيجة، لذا؛ لا ينبغي أن نخجل من استخدام الذكاء الاصطناعي، كما لا ينبغي أن نفتخر بمُجرّد استخدامه، الفضيلة ليست في غياب الأداة، ولا الحداثة في التسليم لها؛ الفضيلة في حسن إدارتها، وأنا لا أراه سيدًا ينبغي طاعته، ولا خصمًا ينبغي طرده؛ أراه أداة قوية تستحق عقلًا قويًا، أجادلها، وأغضب منها أحيانًا، وأغلقها، وأذهب إلى غيرها، ثم أعود حين تنضج الفكرة؛ لأن المقصود ليس أن تكتب الآلة ما في رأسي، وإنما أن تساعدني، عبر أخذ وعطاء مستمرين، على أن أرى ما في رأسي أوضح، وأن أختبره أشد، وأن أصل إلى صياغة تمثلني ولا تذيبني.

وعندما يصبح هدف البحث كشف فجوة حقيقية، وفهم مشكلة، وبناء دليل، وإنتاج معرفة، وتقديم حلّ قابل للاختبار والتنفيذ، ثم إتاحة هذه المعرفة ليستفيد منها التخصص أو المجتمع أو صانع القرار أو العالم باسره، يصبح السؤال عن الأداة سؤالًا ثانيًا؛ أما السؤال الأول فيظل: ماذا أضاف الباحث؟ وهنا، أظن أن السؤال "من يملك الآخر؟" يجد جوابه الأقرب: لا ينبغي أن يملك الذكاء الاصطناعي الباحث، ولا أن يرفض الباحث امتلاك الأداة؛ بل ينبغي أن يمتلك الباحث وعيه بها، وحدوده معها، وحقه في الاعتراض عليها، وقدرته على الاستغناء عنها، ومسؤوليته عمّا ينتج عنها، فالآلة قد تفتح مئة باب، لكنها لا تقرر أيها يستحق أن يُفتح؛ وقد تنتج ألف إجابة، لكن الباحث هو الذي يقرر أي إجابة تستحق أن تصبح معرفة، ومن هنا، لا تبدأ حكاية الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي؛ بل تبدأ حكاية الباحث نفسه من جديد، وهنا أختم بالقول: سأصطحب الذكاء الاصطناعي إلى ضفاف فكري ما دام يفتح لي أفقًا جديدًا، فإذا حاول أن يختصر عني التفكير، ذكّرته بأن له قدرته على توليد الاحتمالات، ولي عقلٌ يمنحها المعنى، ولي أيضًا، عند اللزوم، زرُّ للإغلاق!

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير