يونس العموري يكتب لوطن: لا اعرف...

24.08.2026 11:18 AM

لا أعرف... وهذه ربما هي الإجابة الأكثر صدقا التي أستطيع أن أقولها هذه الأيام.... لا أعرف إلى أين نحن ذاهبون، ولا أعرف من يقود هذه العربة التي تمضي بنا منذ سنوات، ولا أعرف إن كنا ما زلنا نعرف الطريق، أم أننا اكتفينا بالجلوس داخل العربة، نتبادل المقاعد، ونتشاجر حول من يجلس في المقدمة، بينما الطريق نفسه يضيق، والعربة تزداد اهتراء، والأسئلة تتكاثر على جانبيها كأشجار لا نملك شجاعة قطعها ولا القدرة على الوصول إلى ثمارها... لا أعرف...

لا أعرف ماذا ينتظرنا بعد كل هذا الدم، وكل هذا الخراب، وكل هذه السنوات التي استهلكنا فيها الكلمات كما لو أن الكلمات وحدها قادرة على إنقاذ مشروع وطني من التآكل. لا أعرف ماذا بقي من ذلك المشروع الذي كنا نسميه يوما مشروعا وطنيا، وماذا بقي من مؤسساته، ومن فصائله، ومن شعاراته، ومن الذين ما زالوا يتحدثون باسمه وكأن الزمن توقف عند آخر مؤتمر، أو عند آخر بيان، أو عند آخر انتخابات...

لا أعرف أيضا إن كانت الانتخابات القادمة ستأتي فعلا كما نريد لها أن تأتي، أم أنها ستأتي كما تسمح لها موازين القوى. ولا أعرف إن كان الصندوق سيغير شيئا في المعادلة، أم أن الصندوق سيمنحنا فقط فرصة جديدة لاختيار الوجوه التي ستجلس فوق الأزمة نفسها. لا أعرف إن كنا ذاهبين إلى تغيير حقيقي، أم إلى إعادة تدوير قديمة بأسماء جديدة وشعارات أكثر لمعانا... والأهم من ذلك كله، لا أعرف ماذا سيحدث بعد الصندوق... فالصندوق، مهما كان مهما، لا يملك عصا سحرية. لا يستطيع وحده أن يعيد بناء مشروع وطني، ولا أن يوحد الجغرافيا السياسية، ولا أن ينهي الانقسام، ولا أن يجيب عن سؤال المقاومة، ولا أن يقرر شكل العلاقة مع الاحتلال، ولا أن يرسم وحده ملامح المستقبل. الصندوق يستطيع أن يختار من يجلس في المقاعد، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا ماذا سيفعل الجالسون فيها... ولهذا، حين يسألني أحدهم .. ماذا سيحدث في الانتخابات؟ أقول.. لا أعرف... وحين يسألني .. من سيفوز؟ أقول ..لا أعرف... وحين يسألني .. ماذا بعد الانتخابات؟ أقول .. لا أعرف. وحين يسألني .. إلى أين يذهب المشروع الوطني؟ أبتسم، وأكرر العبارة نفسها .. لا أعرف.

ولعل المشكلة ليست في أنني لا أعرف. المشكلة أن الذين يفترض أن يعرفوا، لا يقولون لنا إن كانوا يعرفون... هنا تصبح ( لا أعرف ) أكثر من مجرد جملة. تصبح عنوانا لمرحلة كاملة. مرحلة يبدو فيها الجميع واثقين من شيء واحد فقط .. أنهم لا يريدون الاعتراف بأنهم لا يعرفون.

الجميع يملك خطابا، والجميع يملك بيانا، والجميع يملك تفسيرا، والجميع يملك عدوا جاهزا لتحميله المسؤولية. لكن عندما نصل إلى السؤال الأصعب .. ماذا بعد؟ يسقط كل شيء فجأة، ونكتشف أن كثيرا من اليقين الذي كان يملأ الشاشات والمنابر لم يكن سوى طبقة رقيقة من الكلام فوق بحر عميق من المجهول...

لا أعرف... هل انتهى زمن الانقسام فعلا، أم أننا تعلمنا فقط كيف نتحدث عن إنهائه؟ .. هل نحن أمام إعادة بناء حقيقية للكل الوطني، أم أمام تحالفات مؤقتة صنعتها الضرورة، وستنتهي عندما تنتهي الضرورة؟ هل ما زالت الفصائل ترى نفسها أدوات في خدمة القضية، أم أصبحت القضية في بعض الأحيان مجرد مساحة تتنافس فوقها الفصائل على النفوذ والتمثيل؟ لا أعرف...

ولا أعرف إن كان الذين يتحدثون عن الاستقرار قد أدركوا أن الاستقرار الذي لا يقوم على عدالة وحرية وسيادة ليس استقرارا، وإنما هدنة طويلة مع الوهم. ولا أعرف إن كان دعاة رغد العيش قد فهموا أن رغد العيش لا يمكن أن يكون بديلا عن الكرامة، وأن الرغيف الذي يقدم للإنسان مقابل أن يصمت عن حقه لا يحوله إلى مواطن أكثر أمنا، بل إلى إنسان أكثر خوفا... ولا أعرف إن كانت منظومة التسوية قد اكتشفت أخيرا أنها لم تنجح في إنتاج السلام الذي وعدت به، لكنها نجحت، بدرجات متفاوتة، في إنتاج طبقات من المصالح والخوف والاعتماد والتعب، حتى أصبح السؤال عن الخلاص أصعب من السؤال عن استمرار الوضع القائم...

ولا أعرف أين تقف المقاومة في كل هذه المعادلات، ولا كيف يمكن أن تكون المقاومة جزءا من مشروع وطني من دون أن تتحول إلى مجرد شعار، ولا كيف يمكن أن يكون المشروع الوطني جامعا من دون أن يصبح غطاء لاستمرار ما أنتج كل هذه المآسي...

ولا أعرف... لكنني أعرف شيئا واحدا.. أن استمرار طرح الأسئلة ليس ترفا... فالأمم لا تنهار لأنها لا تملك الإجابات فقط، وإنما تنهار حين تتوقف عن طرح الأسئلة. وحين يصبح السؤال خيانة، والنقد مؤامرة، والاختلاف انقساما، والصمت حكمة، والقبول بالواقع عقلانية، عندها يصبح العجز نظاما كاملا لا مجرد حالة عابرة... ربما لهذا أقول (لا أعرف ).. أقولها لأنني لا أريد أن أبيع يقينا زائفا... أقولها لأنني تعبت من الذين يعرفون كل شيء قبل أن يحدث، ثم يكتشفون بعد وقوعه أنهم كانوا يعرفون عكسه تماما... أقولها لأنني لا أريد أن أختلق إجابة فقط كي أشعر بالراحة... فربما يكون الاعتراف بعدم المعرفة بداية المعرفة... وربما يكون الاعتراف بالعجز أول خطوة نحو الخروج منه... وربما تكون مشكلتنا الكبرى أننا لم نعد نخاف من المجهول، بل أصبحنا نخاف من الاعتراف بأننا لا نعرف... لا أعرف ماذا سيحدث غدا... لكنني أعرف أن غدا لن يكون نسخة من الأمس... ولا أعرف من سيكتب الفصل القادم من الحكاية... لكنني أعرف أن الذين كتبوا الفصول السابقة لا يستطيعون وحدهم أن يقرروا نهايتها... ولا أعرف إن كان الصندوق سيأتي بالخلاص... لكنني أعرف أن الخلاص، إن جاء، لن يأتي من صندوق وحده... ولا أعرف إن كان الكل الوطني سيولد من جديد... لكنني أعرف أن الكل الوطني الذي لا يحتمل الاختلاف، ولا يعترف بالشراكة، ولا يراجع أخطاءه، ليس كلا وطنيا، بل مجرد اسم كبير لأزمة أكبر.

ولا أعرف إلى أين نمضي... وهذه المرة، ربما لا أريد أن أعرف... أريد فقط أن يتوقف الذين يعرفون كل شيء عن الكلام قليلا، وأن يبدأ الذين يدفعون ثمن كل شيء في طرح الأسئلة... فربما، في نهاية الأمر، ليست المشكلة أننا لا نعرف... المشكلة أننا نعرف أشياء كثيرة... ونخشى أن نقولها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير