يونس العموري يكتب لوطن: حين صار الخراب عادة

17.08.2026 10:27 AM

 ليست اللحظة بريئة. ليست قدرا هبط علينا من السماء ثم مضى، ولا زمنا عابرا يمكن ان نضعه في خانة السنوات الصعبة ونمضي. هناك من صنع اللحظة، وهناك من ادارها، وهناك من اختبأ خلفها، وهناك من جلس فوق عرشه يراقب الخراب وهو يتسع، ثم طلب من الذين تحت الركام مزيدا من الصبر. وهناك نحن ايضا، الذين عشنا الخوف حتى الفناه، والصمت حتى صار لغتنا، والاستكانة حتى كادت تبدو لنا فضيلة. لذلك لا يكفي ان نسأل ..ماذا فعلت اللحظة بنا؟ علينا ان نسأل ايضا ... من جعل هذه اللحظة على ما هي عليه؟ ومن سمح لها ان تمتد كل هذا الامتداد، وان تأخذ من اعمارنا واحلامنا وكرامتنا كل هذا القدر ..؟

لم تعد اللحظة حدثا يمر بنا. صارت مكانا نقيم فيه. نستيقظ عليها وننام عليها، نحملها معنا الى العمل، الى المدرسة، الى الحارة، الى المقهى، الى البيت. صارت تسكن في تفاصيلنا الصغيرة قبل الكبيرة. في عين ام تراقب باب البيت حتى يعود ابنها، وفي اب يراجع ما بقي في جيبه قبل نهاية الشهر، وفي شاب كبر قبل اوانه ولم يعد يعرف كيف يكون المستقبل حين يكون الحاضر نفسه مجهولا. صارت في ذلك الصمت الذي يسبق كل كلمة، وفي اليد التي تتردد قبل ان تضغط زر الارسال، وفي الجملة التي نمسحها قبل ان تصل، وفي السؤال الذي نبتلعه لاننا لا نعرف من سيدفع ثمنه.
لقد تغيرنا... وليس سهلا ان نعترف بذلك... اولئك الذين كانوا يعرفون معنى الرفض صار بعضهم يبحث عن مبررات للصمت، والذين كانوا يرفعون اصواتهم صاروا يخفضونها، لا لانهم اقتنعوا، بل لان الخوف طال حتى صار جزءا من تكوينهم. صرنا نحسب الكلام كما يحسب الفقير نقوده، ونزن الموقف كما يزن من يخشى الغد خطواته. لم يعد السؤال دائما .. ما الصحيح؟ بل صار في احيان كثيرة .. ما الاقل كلفة؟ ومن يستطيع ان يلوم من يبحث عن مخرج حين تضيق عليه الحياة من كل الجهات؟ لكن المشكلة تبدأ حين يتحول المخرج المؤقت الى طريق دائم، وحين يصبح الخوف عادة، ثم يصبح العادة نظاما، ثم يصبح النظام قدرا لا نفكر في كسره...  وهكذا دخلت الاستكانة من الابواب التي فتحناها لها نحن. لم تأت دفعة واحدة. بدأت بجملة صغيرة ..ماذا نستطيع ان نفعل؟ ثم صارت .. لا فائدة. ثم صارت .. دع الامور تسير. ثم وصلنا الى مرحلة اصبح فيها الاعتراض نفسه يبدو ضربا من الجنون. نرى الخراب ونعتاد منظره، نسمع الوجع ونواصل يومنا، نقرأ عن بيت هدم، وعن شاب غاب، وعن ام تنتظر، وعن عائلة فقدت كل ما تملك، ثم نغلق الهاتف ونعود الى تفاصيلنا، لا لان قلوبنا ماتت، بل لان كثرة الوجع علمتنا كيف نخفي ارتجافها.
وهذه واحدة من اقسى هزائمنا... ان يصبح الخراب عاديا... ان يصبح الموت خبرا، والفقر رقما، والخوف عادة، والانقسام خبرا قديما، والانتظار اسلوب حياة. ان يصبح المشهد الذي كان يهزنا بالامس جزءا من خلفية يومنا اليوم. وان نبدأ، من شدة التعب، في البحث عن طريقة للعيش داخل الكارثة بدلا من البحث عن طريقة للخروج منها... وفي هذه المسافة بين الوجع والاعتياد، ضاع الكثير...  ضاع وطن لا يشبهه اسم في جواز سفر ولا حدود على خريطة. ضاعت الارض التي حملت رائحة التين والزيتون، وضاعت معها اشياء لا تستعاد بسهولة .. معنى الانتماء، وهيبة المكان، وذاكرة البيوت التي بقيت مفاتيحها معلقة في الصدور، وحكايات الجدات عن مدن لم يعد الطريق اليها مفتوحا. ضاع شيء من العزة حين صار صاحب الحق مضطرا كل يوم الى اثبات حقه، وكأن وجوده نفسه يحتاج الى شهادة. وضاع شيء من المعنى حين اصبح الكلام عن الكرامة كبيرا على واقع صغير يطلب من الانسان فقط ان ينجو...
ضاعت اشياء اخرى لا نعرف كيف نسميها... ضاعت الثقة بين الاخ والاخ، وبين الجار وجاره، وبين من يقف هنا ومن يقف هناك. صار التصنيف اسهل من الفهم. هذا معنا، وهذا ضدنا. هذا وطني، وهذا خائن. هذا مقاوم، وهذا متخاذل. هذا مع السلطة، وهذا ضدها. وكأن سنوات الخراب لم تعلمنا ان الانسان قد يكون احيانا اكبر من موقعه، وان الخائف قد يحمل في قلبه شجاعة لا نراها، وان الصامت قد يكون موجوعا الى الحد الذي لم يعد معه قادرا على الكلام، وان من يرفع صوته ليس بالضرورة اكثر صدقا ممن يخفضه...
لكننا ايضا لا نستطيع ان نهرب دائما الى الاعذار... لان الصمت، حين يطول، يصبح موقفا... والخوف، حين يتحول الى طريقة حياة، يصبح شريكا...  والاستكانة، حين تصبح جماعية، تمنح الذين في الاعلى فرصة لا تنتهي للبقاء في الاعلى...
وهنا تصل الحكاية الى اولي الامر فينا... الى الذين يجلسون على الكراسي فيما تتغير الحياة من حولهم. الى الذين ما زالوا يتربعون على عروشهم، بصرف النظر عن اللحظة ومقتضياتها، وبصرف النظر عن الخراب الذي اتسع، وعن الاجيال التي كبرت وهي لا تعرف الا وجوههم، وعن الاسئلة التي بقيت معلقة في الهواء. تغيرت الازمنة، وتبدلت الوقائع، وسقطت اشياء كثيرة، وتغيرت خرائط الكلام، لكن الكرسي ظل في مكانه، وصاحبه ظل في مكانه، وكأن الزمن لا يطال من يجلس فوقه... اي سلطة هذه التي تستطيع ان تطلب من الجميع التضحية، ثم تعتبر بقاءها خارج السؤال؟ اي قيادة تلك التي ترى تبدل اللحظة ولا ترى ان بقاءها بالطريقة نفسها صار جزءا من الازمة؟.. كم مرة يجب ان يتسع الخراب حتى يدرك الجالسون في الاعلى ان استمرارهم ليس دائما دليلا على الاستقرار، وان بقاء الكرسي لا يعني بقاء الشرعية، وان الزمن لا يمنح احدا حقا ابديا في ادارة مصائر من هم تحته؟
لقد تعب من يحملون مفاتيح البيوت ولا يستطيعون الوصول اليها. تعب من يسكنون المخيمات وهم يحملون في ذاكرتهم مدنا لا تزال حاضرة اكثر من حاضرهم. تعب اهل الحارة من انتظار خبر جيد. تعب من يقف على الطريق كل صباح، ومن ينتظر راتبا، ومن يراقب ابنه، ومن يحاول ان يشرح لطفله لماذا لا يستطيع ان يمنحه حياة تشبه الحياة التي كان يحلم بها... تعب الذين في الاسفل، بينما يبدو ان الذين في الاعلى لم يتعبوا بما يكفي... وهنا يصبح السؤال جارحا ..من يدفع ثمن اللحظة؟ من يدفع ثمن القرارات التي لم تتخذ، والاخطاء التي لم يعترف بها احد، والانقسامات التي طال عمرها، والسياسات التي انتهى زمنها وبقي اصحابها متمسكين بها؟ من يدفع ثمن ان يبقى المستقبل مؤجلا، فيما الحاضر ينهار امام اعيننا؟..  نحن ندفع... يدفع ذلك الشاب الذي تعلم ان يخفض سقف حلمه كي لا يصطدم بالواقع. تدفع تلك الام التي تخفي خوفها حتى لا يرثه ابناؤها. يدفع الاب الذي لا يستطيع ان يشرح لماذا صار تأمين ابسط احتياجات البيت معركة يومية. يدفع العامل الذي يخشى فقدان عمله، والطالب الذي لا يرى الطريق امامه، والشيخ الذي يقارن بين ما كان يحلم به وما يرى اليوم. تدفع الذاكرة حين تصبح الاثار القديمة اقوى من الحاضر، ويدفع المستقبل حين يولد جيل كامل وهو لا يملك صورة واضحة عما ينتظره...
لكننا نحن ايضا لسنا خارج المسؤولية... نحن الذين صمتنا حين كان ينبغي ان نتكلم. نحن الذين غضبنا في الغرف المغلقة ثم خرجنا الى العلن بوجوه محايدة. نحن الذين قلنا .. ليس وقتها، ثم اكتشفنا ان الوقت مضى ولم نقل شيئا. نحن الذين خفنا على مصالحنا، وعلى وظائفنا، وعلى علاقاتنا، وعلى صورتنا امام الاخرين، حتى صار الخوف احيانا اغلى من الحقيقة. نحن الذين تركنا بعض الذين يتربعون على عروشهم يعتقدون انهم باقون لانهم اقوياء، بينما ربما كانوا باقين لاننا لم نقل لهم بما يكفي .. انتهى زمنك...
لا احد بريء تماما من هذه الحكاية... لكن ليست المسؤولية واحدة...  فمن يملك القرار لا يشبه من يملك صوته فقط. ومن يملك سلطة التغيير لا يشبه من يحاول حماية بيته من الانهيار. ومن يجلس فوق العرش لا يمكنه ان يساوي نفسه بمن يقف تحت المطر يبحث عن مكان امن لابنه...
لهذا فان تحميل المسؤولية للناس جميعا بالتساوي ظلم اخر... لكن تبرئة الجميع ايضا خيانة للحقيقة... فالوطن لا يضيع في يوم واحد، ولا تسقط العزة دفعة واحدة، ولا يموت المعنى فجأة. الاشياء الكبرى تضيع بالتدريج. نخسرها كل مرة نقول فيها لا فائدة. كل مرة نرى ظلما ونصمت. كل مرة نرى عجزا ونقول لعل الغد يصلح ما افسده اليوم. كل مرة نمنح من اخطأ فرصة جديدة دون ان نطلب منه حسابا. وكل مرة نختار سلامتنا الصغيرة على حساب المعنى الكبير، ثم نتساءل بعد سنوات .. كيف وصلنا الى هنا..؟  وصلنا لاننا سمحنا... سمحنا للخوف ان يتسع... سمحنا للاستكانة ان تصبح عادة... سمحنا للخراب ان يتحول الى مشهد مألوف... وسمحنا لمن يتربعون على عروشهم ان يعتقدوا ان الزمن ملك لهم وحدهم...
لكن هل انتهى كل شيء؟  لا اريد جوابا سهلا... لا اريد ان اختم بالامل كأنه واجب ادبي، ولا ان اضع وردة فوق هذا الركام ثم اقول ان الغد اجمل. فثمة وجع لا يجوز تجميله، وثمة خراب لا يجوز تغطيته بالكلمات، وثمة مسؤولية يجب ان تبقى معلقة في الهواء حتى يجرؤ احد على حملها...  كل ما اعرفه ان الذين حملوا مفاتيح بيوتهم كل هذه السنوات لم ينسوا البيوت. وان الزيتونة التي بقيت واقفة في الارض تعرف اكثر مما تقوله الخطب. وان الحجارة التي شهدت مرور اجيال كاملة لا تزال تحفظ اسماء من مروا عليها. وان في هذا التراب شيئا لم تستطع كل هذه السنوات ان تنتزعه من الذاكرة...  وربما لهذا لا يزال السؤال مؤلما... ماذا فعلت اللحظة بنا؟ .. اخذت منا كثيرا...  اخذت منا الامان، واخذت من بعضنا الثقة، ومن بعضنا الحلم، ومن بعضنا القدرة على الغضب. اخذت من الوطن اتساعه في الروح، ومن العزة حضورها في الحياة، ومن المعنى وضوحه. جعلتنا نعيش بين خوف واستكانة، بين وجع ولامبالاة، بين رغبة في النجاة وشعور بالذنب لاننا نجونا بينما لم ينج غيرنا...  لكن اللحظة لم تصنع كل هذا وحدها...  صنعها من حكم ولم يسمع...  ومن بقي ولم يتغير...  ومن اخطأ ولم يعترف... ومن خاف ولم يتكلم...  ومن تكلم ولم يفعل...  ومن صمت حتى صار صمته جزءا من الجدار... وهذا هو الجزء الذي لا نحب مواجهته...  ان الخراب ليس دائما ما نراه امامنا...  احيانا يكون الخراب هو ان نعتاد كل ما نراه...  وان نعتاد من يجلس فوقنا... وان نعتاد ان يقرر غيرنا مصيرنا...  وان نعتاد الخوف... وان نعتاد الصمت... وان نعتاد ان نؤجل الكلام الى يوم لن يأتي... ربما لا نستطيع ان نغير اللحظة التي ورثناها... لكننا نستطيع ان نرفض ان نورثها كما هي...  نستطيع، على الاقل، ان نستعيد حقنا في السؤال، وحقنا في الغضب، وحقنا في ان نقول لمن بقي فوق عرشه طويلا .. لسنا هنا كي نحرس كرسيك من الزمن... ونستطيع ان نقول لانفسنا ايضا .. كفى صمتا... فالوطن الذي يضيع لا يحتاج الى من يرثيه فقط، بل الى من يرفض ان يكون شاهدا صامتا على ضياعه. والعزة التي تنحني لا تستعيد قامتها بالامنيات، والمعنى الذي يتبعثر لا يعود بالخطب، والخوف الذي استوطن القلب لا يخرج بمجرد ان نقرر اننا لم نعد خائفين... 
كل شيء يبدأ من لحظة واحدة...  لحظة يتوقف فيها الانسان عن سؤال .. ماذا سيحدث لي اذا تكلمت؟ ..  ويسأل بدلا منها ..  ماذا سيحدث لنا اذا ظللت صامتا؟  ربما تكون تلك اللحظة، وحدها، بداية الخروج من اللحظة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير