مناطق تجريبية أم انسحاب شكلي؟ إسرائيل تمسك بمفتاح الاتفاق في جنوب لبنان

10.08.2026 08:24 AM

كتب اسماعيل جمعه الريماوي: رغم أن الاتفاق الإطاري بين بيروت وتل أبيب، الموقع في  حزيران الماضي ، يتحدث عن إعادة انتشار القوات الإسرائيلية على مراحل وتسليم المناطق التي تنسحب منها إلى الجيش اللبناني، فإن الغموض الذي يحيط بما يسمى «المناطق التجريبية» يكشف منذ البداية عن عقدة أساسية: من يملك القرار الفعلي في تحديد مناطق الانسحاب وشروطه وآلية تطبيقه؟

فالاتفاق لا يحدد بصورة مباشرة أسماء المناطق التي يفترض أن يبدأ منها الانسحاب، وإنما ينص على اتفاق القوات الإسرائيلية والقوات اللبنانية على منطقتين تجريبيتين أوليين، على أن يجري الاتفاق لاحقاً على مناطق أخرى بموافقة متبادلة ، وهذا يعني أن الانسحاب، وفق الصيغة المطروحة، لا يبدو عملية آلية تنفذ بمجرد التوصل إلى الاتفاق، وإنما عملية تخضع لتفاهمات وشروط وإجراءات يمكن أن تتحول إلى أدوات للمماطلة والتأجيل.
وفي الأول من يوليو/تموز 2026، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر تأجيل بدء تنفيذ خطة المناطق التجريبية إلى حين التوصل إلى آلية رقابة مشتركة بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني، وبذلك انتقل النقاش من مسألة الانسحاب الإسرائيلي إلى مسألة أخرى أكثر تعقيداً: هل تستطيع إسرائيل أن تربط الانسحاب بشروط جديدة تتعلق بكيفية إدارة الجيش اللبناني للمناطق التي يفترض أن تتسلمها؟
صحيفة «هآرتس» نقلت عن مصادر عسكرية إسرائيلية أن الجيش حدد ثلاث قرى في جنوب لبنان باعتبارها مناطق تجريبية محتملة للانسحاب، هي فرون والغندورية في قضاء بنت جبيل جنوب نهر الليطاني، وزوطر الغربية في قضاء النبطية والتي تم الانسحاب منها مؤخرا ، أن مفهوم «المناطق التجريبية» يجب أن ينطلق من قاعدة واضحة: مناطق محتلة ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، ثم يدخل إليها الجيش اللبناني ويتولى المسؤولية عنها.
وهنا تظهر الفجوة الحقيقية بين الرؤيتين.
فبالنسبة إلى الجانب اللبناني، يفترض أن تكون «المنطقة التجريبية» خطوة عملية في اتجاه الانسحاب الإسرائيلي وتسليم الأرض إلى الدولة اللبنانية ، ما في الرواية الإسرائيلية، فإن الانسحاب يبدو مرتبطاً أولاً بإثبات أن الشروط الأمنية الإسرائيلية قد تحققت، وعلى رأسها نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية، إضافة إلى وجود آلية رقابة تضمن، من وجهة النظر الإسرائيلية، عدم عودة أي وجود مسلح لحزب الله.
وهكذا تتحول آلية الرقابة من وسيلة لمتابعة تنفيذ الاتفاق إلى عنصر قد يمنح إسرائيل قدرة واسعة على تحديد ما إذا كانت الشروط قد تحققت أم لا.
وهذه هي النقطة الأخطر في الاتفاق.
فإذا كانت إسرائيل هي التي تملك القدرة على تقييم مستوى الالتزام اللبناني بالشروط الأمنية، فإنها تصبح عملياً صاحبة اليد العليا في تحديد ما إذا كان الانسحاب سينتقل من منطقة إلى أخرى، أو سيتوقف، أو يتأجل، وبمعنى آخر، قد يتحول الاتفاق من جدول زمني لإعادة الانتشار والانسحاب إلى عملية مفتوحة المدة، مرتبطة بتقييم إسرائيلي مستمر للأوضاع على الأرض.
وتزداد المخاوف من هذا السيناريو عندما يتعلق الأمر بقرى لا تسيطر عليها إسرائيل بصورة دائمة، وإنما نفذت فيها توغلات متقطعة، فإذا أصبحت هذه القرى نفسها جزءاً من «المناطق التجريبية»، فإن السؤال لا يعود فقط: من أين ستنسحب إسرائيل؟ بل أيضاً: هل سيُستخدم الانسحاب من مناطق لم تكن خاضعة لاحتلال دائم باعتباره إنجازاً لإعادة الانتشار، بينما تبقى المناطق التي تحتفظ فيها إسرائيل بوجود عسكري فعلي خارج جدول الانسحاب؟
من هنا يمكن فهم القلق اللبناني من أن يتحول الانسحاب من زوطر الغربية، على سبيل المثال، إلى انسحاب شكلي أو محدود، لا يفتح الطريق أمام انسحاب أوسع من الأراضي التي تحتفظ إسرائيل بوجود عسكري فيها.
إسرائيل، في المقابل، لا تبدو مستعدة لتسليم ملف الانسحاب إلى معادلة بسيطة تقوم على «الانسحاب مقابل انتشار الجيش اللبناني»، فهي تريد أن يكون الانسحاب مشروطاً بواقع أمني تراه مناسباً لها، وبآلية رقابة تستطيع من خلالها التأكد من استمرار الالتزام اللبناني، وهذا يمنحها هامشاً واسعاً للمناورة، خصوصاً إذا اعتبرت أن أي حادث أمني أو أي مؤشر على وجود مسلح في منطقة ما يشكل سبباً لتعليق الخطوة التالية.
وهنا تكمن المفارقة: الاتفاق يفترض إعادة انتشار القوات الإسرائيلية وتسليم المناطق إلى الجيش اللبناني، لكن إسرائيل تريد في الوقت نفسه أن تحتفظ بدور أساسي في تحديد متى يكون الجيش اللبناني قد استوفى الشروط التي تسمح بالتقدم إلى المرحلة التالية.
من يملك مفتاح الانسحاب؟
إذا كانت إسرائيل هي التي تحدد مستوى الالتزام، وهي التي تفسر الشروط الأمنية، وهي التي تشارك في آلية الرقابة، فإنها تمتلك عملياً قدرة على استخدام «الفيتو» على الانتقال من مرحلة إلى أخرى، حتى لو كان الاتفاق يتحدث عن إعادة انتشار تدريجية وتسليم المسؤولية إلى الجيش اللبناني.
وهذا ما يجعل التأجيل الذي أُعلن عنه في يوليو/تموز أكثر من مجرد تأخير تقني، فهو مؤشر إلى أن إسرائيل تتعامل مع الانسحاب باعتباره عملية مشروطة ومفتوحة على إعادة التفاوض حول تفاصيلها، وليس باعتباره التزاماً زمنياً واضحاً لا رجعة فيه.
الخطر الأكبر أن تصبح «المناطق التجريبية» تجربة دائمة، وأن يتحول الانسحاب الجزئي إلى غطاء لبقاء عسكري إسرائيلي في مناطق أخرى، بينما تستمر المطالبة من لبنان بتقديم المزيد من الضمانات والشروط قبل كل مرحلة جديدة.
فالانسحاب الحقيقي لا يحتاج إلى إعادة تعريف مستمرة لموعده وشروطه، أما عندما يصبح كل انسحاب مرتبطاً بتقييم الطرف الذي يحتل الأرض لما إذا كان الطرف الآخر قد نفذ شروطه، فإن ميزان القوة يبقى مختلاً لمصلحة المحتل.
ولهذا فإن معركة جنوب لبنان المقبلة قد لا تكون معركة عسكرية بالمعنى التقليدي، وإنما معركة على تفسير الاتفاق نفسه: هل هو طريق واضح لإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي وتسليم الأرض إلى الدولة اللبنانية، أم آلية جديدة لإدارة الاحتلال وإعادة إنتاجه تحت عناوين الرقابة والضمانات الأمنية؟
وإذا بقيت إسرائيل صاحبة القرار في تحديد أين تنسحب، ومتى تنسحب، وما إذا كانت الشروط قد تحققت، فإن الحديث عن انسحاب إسرائيلي كامل سيبقى مؤجلاً، وقد يصبح الانسحاب من بعض القرى مجرد خطوة رمزية لإظهار تنفيذ الاتفاق، فيما تبقى اليد الإسرائيلية هي العليا على الأرض.
فالمشكلة ليست في أن تنسحب إسرائيل من زوطر أو فرون أو الغندورية، وإنما في ألا يتحول الانسحاب من ثلاث قرى إلى ذريعة لبقاء الاحتلال في بقية المناطق، فالانسحاب الجزئي لا يصبح انسحاباً حقيقياً إذا بقي قرار الانسحاب نفسه في يد من يحتل الأرض.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير