غوتيريش والقضية الفلسطينية… أمين عام اصطدم بجدار الاحتلال والفيتو الأميركي

كتب اسماعيل الريماوي: منذ توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة في الأول من يناير/كانون الثاني 2017، وجد أنطونيو غوتيريش نفسه أمام واحدة من أكثر القضايا تعقيداً واستعصاءً في النظام الدولي: القضية الفلسطينية، لم تكن فلسطين ملفاً جديداً على الأمم المتحدة، لكنها كانت ولا تزال المثال الأوضح على الفجوة بين القرارات الدولية والواقع، وبين القانون الذي يُكتب في قاعات المنظمة والقوة التي تُفرض على الأرض.
دخل غوتيريش منصبه في مرحلة تراجعت فيها فرص الحديث عن حل الدولتين بفعل وجود نتنياهو والتوسع الاستيطاني، وتهويد القدس، وتكريس الاحتلال في الضفة الغربية، واستمرار الحصار المفروض على قطاع غزة، ومنذ سنواته الأولى، حافظ الأمين العام على موقف أممي تقليدي يقوم على حل الدولتين، ورفض الاستيطان، والتأكيد أن الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، تخضع للقانون الدولي.
لم يكن غوتيريش ثورياً في لغته، ولم يخرج عن الإطار السياسي الذي تفرضه طبيعة منصبه، لكنه لم يتبنَّ الرواية الإسرائيلية التي تحاول تقديم الاحتلال باعتباره مجرد قضية أمنية، فقد ظل يكرر أن السلام لا يمكن أن يتحقق من دون إنهاء الاحتلال، وأن استمرار الاستيطان يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
ومع كل توسع استيطاني جديد، كانت الأمم المتحدة تعيد حديثها المكرر في التأكيد على أن المستوطنات لا شرعية قانونية لها، وأنها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي وعقبة أمام حل الدولتين، لكن المشكلة لم تكن في غياب المواقف، بل في غياب القدرة على تنفيذها، فالأمين العام يستطيع التحذير والإدانة وتقديم التقارير، لكنه لا يملك جيشاً يفرض القرارات، ولا يستطيع تجاوز إرادة مجلس الأمن، الذي بقي خاضعاً لموازين القوى الدولية وحق النقض الأميركي.
خلال السنوات الأولى من ولايته، واجه غوتيريش ضغوطاً متزايدة من إسرائيل وبعض الدوائر الأميركية، خصوصاً مع إدارة الرئيس دونالد ترمب الأولى، التي اتخذت سلسلة من الإجراءات المنحازة لإسرائيل، وفي مقدمتها الاعتراف بالقدس عاصمة لها ونقل السفارة الأميركية إليها، في تلك المرحلة، تمسك غوتيريش بموقف الأمم المتحدة الرافض لأي إجراءات أحادية تحدد وضع القدس خارج إطار المفاوضات، وأكد أن مستقبل المدينة يجب أن يُحسم عبر تسوية سياسية تستند إلى قرارات الشرعية الدولية.
كما تمسك بدعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، «الأونروا»، في وقت تعرضت فيه الوكالة لضغوط سياسية ومالية متواصلة، ولم تكن قضية اللاجئين بالنسبة إليه مجرد ملف إنساني، بل جزءاً أساسياً من القضية الفلسطينية، لا يمكن شطبه أو تجاوزه بقرارات سياسية أحادية.
لكن كل تلك المواقف بقيت ضمن اللغة الدبلوماسية المعتادة، إلى أن جاءت الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتصبح الاختبار الأكبر لغوتيريش وللأمم المتحدة بأكملها.
منذ الأيام الأولى للحرب، أدان غوتيريش قتل المدنيين واحتجاز الرهائن، وطالب بالإفراج عنهم، لكنه في الوقت نفسه رفض أن يتحول ذلك إلى مبرر لقتل المدنيين الفلسطينيين أو تدمير قطاع غزة، وأكد أن القانون الدولي الإنساني لا يسقط في زمن الحرب، وأن حماية المدنيين ليست خياراً سياسياً، بل التزام قانوني وأخلاقي.
وكانت إحدى أكثر لحظاته إثارة للغضب الإسرائيلي عندما قال إن هجوم السابع من أكتوبر «لم يحدث في فراغ»، مشيراً إلى عقود من الاحتلال والقمع والمعاناة التي عاشها الشعب الفلسطيني، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الحديث عن السياق التاريخي لا يعني تبرير قتل المدنيين أو الهجمات ضدهم، ومع ذلك تعاملت الحكومة الإسرائيلية مع كلماته بوصفها انحيازاً ضد إسرائيل، وطالبت باعتذاره، وشنت حملة سياسية وإعلامية ضده.
لم يكن غضب إسرائيل من العبارة وحدها، بل من أنها أعادت القضية الفلسطينية إلى سياقها التاريخي والسياسي، فالرواية الإسرائيلية حاولت منذ بداية الحرب فصل ما جرى في السابع من أكتوبر عن الاحتلال، وتصوير الحرب باعتبارها مواجهة أمنية منفصلة عن واقع الحصار والاستيطان والتهجير، أما غوتيريش فقد أعاد التذكير بأن ما يحدث لا يمكن فهمه من دون النظر إلى عقود طويلة من الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم السياسية والوطنية.
ومع اتساع الدمار في غزة، أصبحت لغة غوتيريش أكثر وضوحاً، حذر من الكارثة الإنسانية، وطالب بوقف إطلاق النار، وانتقد تدمير البنية المدنية، ورفض العقاب الجماعي، وفي يناير/كانون الثاني 2024، وصف حجم الدمار والمعاناة في غزة بأنه غير مسبوق من حيث السرعة والاتساع، وأكد أن شيئاً لا يمكن أن يبرر العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني.
بلغت المواجهة السياسية بين غوتيريش وإسرائيل ذروتها عندما استخدم المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2023، وهي مادة نادراً ما يلجأ إليها الأمين العام، وتسمح له بتنبيه مجلس الأمن إلى قضية يرى أنها قد تهدد السلم والأمن الدوليين، دعا غوتيريش المجلس إلى التحرك لمنع انهيار الوضع الإنساني في غزة، وطالب بوقف إنساني شامل لإطلاق النار.
كان استخدام المادة 99 رسالة واضحة بأن غزة لم تعد مجرد أزمة إقليمية، بل أصبحت تهديداً للاستقرار الدولي واختباراً حقيقياً لقدرة الأمم المتحدة على حماية المدنيين، لكن حتى هذه الخطوة لم تكن كافية لفرض وقف الحرب، لأن مجلس الأمن بقي مقيداً بالخلافات السياسية وبالدعم الأميركي لإسرائيل.
هنا ظهرت حدود منصب الأمين العام، فقد استطاع غوتيريش أن يرفع صوته، وأن يصف الكارثة، وأن يحذر من نتائجها، لكنه لم يستطع وقف القصف أو فتح المعابر بالقوة أو حماية المدنيين من آلة الحرب، وكانت المشكلة في بنية النظام الدولي أكثر منها في موقف الأمين العام نفسه.
ومع استمرار الحرب، تصاعدت الانتقادات الإسرائيلية له ، واتهمه مسؤولون إسرائيليون بالانحياز، بينما اعتبرت بعض الدوائر السياسية في الولايات المتحدة أن مواقفه لا تمنح إسرائيل ما تراه حقاً كافياً في الدفاع عن نفسها، ووصل التوتر إلى حد إعلان إسرائيل غوتيريش شخصاً غير مرغوب فيه في أكتوبر/تشرين الأول 2024، في خطوة عكست عمق الخلاف بين الحكومة الإسرائيلية والأمين العام للأمم المتحدة.
لكن عدم الرضا الإسرائيلي عن غوتيريش لا يعني أنه تبنى الرواية الفلسطينية كاملة، أو أنه خرج عن التوازن الذي تفرضه وظيفته، فقد أدان هجمات السابع من أكتوبر، وطالب بالإفراج الفوري عن الرهائن، وكرر الاعتراف بحق إسرائيل في الأمن ضمن حدود القانون الدولي، غير أن إسرائيل لم تكن راضية عن أي موقف يربط الأمن بالاحتلال، أو يطالب بمحاسبة المسؤولين عن قتل المدنيين، أو يرفض تحويل الحرب إلى تفويض مفتوح لتدمير غزة.
أما الموقف الأميركي، فكان أكثر تعقيداً، فالولايات المتحدة لم تدخل في مواجهة مباشرة ودائمة مع غوتيريش، لكنها لم تكن مرتاحة إلى مواقفه التي وضعت الحرب الإسرائيلية تحت ضغط القانون الدولي، خصوصاً عندما طالب بوقف إطلاق النار، أو حذر من العقاب الجماعي، أو دافع عن دور الأمم المتحدة و«الأونروا»، وكانت واشنطن، بحكم نفوذها داخل مجلس الأمن، قادرة على الحد من فاعلية كثير من التحركات الأممية، وهو ما جعل الأمين العام يتحرك في مساحة ضيقة بين واجبه الأخلاقي وقيود السياسة الدولية.
لقد كشف موقف غوتيريش من غزة تناقضاً عميقاً داخل النظام الدولي، فعندما كان يتحدث عن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، كانت إسرائيل ترى في ذلك انتقاداً سياسياً، وعندما كان يطالب بوقف إطلاق النار، كانت بعض الدوائر الأميركية تعتبر ذلك ضغطاً على حليف استراتيجي، لكن هذه المواقف لم تكن خروجاً عن ميثاق الأمم المتحدة، بل كانت في جوهرها دفاعاً عن المبادئ التي أُنشئت المنظمة من أجلها.
ومع مرور الوقت، أصبحت غزة القضية التي ستطغى على إرث غوتيريش أكثر من أي ملف آخر، فقد كشفت الحرب عجز الأمم المتحدة، لكنها كشفت أيضاً أن الأمين العام لم يلتزم الصمت أمام واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
قد يختلف الفلسطينيون مع غوتيريش لأن مواقفه لم توقف الحرب، ولم تحمِ المدنيين، ولم تُنهِ الاحتلال، وقد يرون أن لغة الأمم المتحدة بقيت أقل من حجم المأساة، لكن المقارنة بين موقفه ومواقف كثير من الحكومات الغربية تكشف أنه كان من أبرز الأصوات الدولية التي أصرت على تسمية الكارثة الإنسانية، ورفضت تبرير العقاب الجماعي، وربطت السلام بإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الفلسطينية.
يرحل غوتيريش عن منصبه، لكن القضية الفلسطينية ستبقى اختباراً لخلفه، كما كانت اختباراً لكل الأمناء العامين قبله، وسيبقى السؤال: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تكون مؤسسة تحمي القانون الدولي، أم أنها ستبقى رهينة إرادة القوى الكبرى؟
ربما يكون أهم ما سيبقى من إرث غوتيريش في فلسطين أنه رفض أن تُمحى معاناة الفلسطينيين من المشهد، وأصر على أن الاحتلال جزء من أصل الأزمة، وأن أمن أي شعب لا يمكن أن يُبنى على إنكار حقوق شعب آخر.
يغادر غوتيريش موقعه وهو يدرك أن الأمم المتحدة لم تستطع إنقاذ غزة، لكن مواقفه تركت سؤالاً مفتوحاً أمام العالم: إذا كانت المنظمة الدولية عاجزة عن حماية المدنيين، ووقف العقاب الجماعي، وفرض احترام القانون الدولي في فلسطين، فمتى وأين تصبح مبادئها قابلة للتطبيق؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



