خالد فحل يكتب لوطن: حين تخاف الدودة من العصافير... قراءة في المشهد الفلسطيني

استوقفتني مقولة متداولة تُنسب إلى مارك توين تقول: "الأسد والفهد والتمساح لطيفون جداً... أخطر الحيوانات هي الدجاج والعصافير." ثم تأتي الخاتمة المدهشة: "هكذا كانت وصية دودة لأولادها."
وبغض النظر عن صحة نسبتها، فإنها تحمل حكمة عميقة؛ فالأشياء لا تُقاس بحجمها، وإنما بأثرها على من يواجهها. فالدودة لا تعرف الأسد، ولم تدخل معه في صراع، لكنها تعرف جيداً من يفتش الأرض بمنقاره بحثاً عنها. لذلك بدا لها العصفور أخطر من ملك الغابة.
هذه الفكرة تختصر جانباً كبيراً من الحالة الفلسطينية. فالعالم ينظر إلى الصراع من خلال عناوين ضخمة: حروب، مفاوضات، قرارات دولية، قمم سياسية، وتحالفات إقليمية. أما الفلسطيني، فيعيش تفاصيل أخرى لا تتصدر نشرات الأخبار، لكنها ترسم ملامح حياته اليومية.
فقد لا يكون أكثر ما يرهقه صوت الطائرات، بل انتظار ساعات طويلة على حاجز. ولا يكون أخطر ما يواجهه خطاب سياسي، بل قرار يمنعه من الوصول إلى أرضه أو عمله أو جامعته. وقد لا يكون الخبر العاجل هو ما يكسر روحه، بل انقطاع الكهرباء، أو شح الوقود، أو تأخر الراتب، أو إغلاق طريق اعتاد أن يسلكه كل صباح.
هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة لمن يعيشها تتحول إلى أعباء ثقيلة، تماماً كما كان العصفور بالنسبة للدودة.
ولطالما أخطأ العالم في فهم معاناة الفلسطيني لأنه اعتاد قياس الألم بحجم الانفجار، بينما هناك انفجارات صامتة لا يسمع صوتها أحد. انفجار يحدث عندما يُحرم طفل من مدرسته، أو مزارع من موسمه، أو مريض من الوصول إلى علاجه، أو أسرة من الاجتماع حول مائدة واحدة بسبب الحواجز والقيود.
إن الاحتلال لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أيضاً على استنزاف الإنسان بالتفاصيل. فحين تصبح الحياة اليومية مليئة بالعقبات، يتحول كل يوم إلى معركة صغيرة، ومع تراكم هذه المعارك يصبح الإرهاق أسلوب حياة.
ولعل أخطر ما في الأمر أن العالم يتعامل مع هذه التفاصيل على أنها أحداث اعتيادية. فالخبر الذي يتكرر يفقد بريقه في وسائل الإعلام، لكنه لا يفقد أثره في حياة من يعيشه. فالألم لا يصبح أقل لأنه تكرر، والظلم لا يصبح عادياً لأن الناس اعتادوا سماعه.
ومن هنا نفهم أن الشعوب لا تخاف جميعها من الأشياء نفسها. فالقوي يخشى ما يهدد قوته، والضعيف يخشى ما يهدد بقاءه. ولذلك فإن الفلسطيني قد ينشغل اليوم بما يبدو بسيطاً في نظر الآخرين، لأنه يعلم أن التفاصيل الصغيرة قد تكون مقدمة لتحولات كبيرة.
وليس هذا حال فلسطين وحدها، بل هو حال كل شعب يعيش تحت القهر؛ حيث تتحول أبسط الحقوق إلى أحلام، وتصبح الحياة الطبيعية إنجازاً يومياً، ويغدو الوصول إلى المدرسة أو المستشفى أو مكان العمل انتصاراً يستحق الاحتفال.
إن المقولة تعلمنا درساً إنسانياً قبل أن تكون سياسياً: لا تسخر من مخاوف الآخرين، ولا تقِس معاناتهم بمعاييرك. فما يبدو لك عصفوراً، قد يكون بالنسبة لغيرك أسداً، وما تراه تفصيلاً عابراً قد يكون جرحاً مفتوحاً لا يندمل.
وفي فلسطين، لا يعيش الناس بين الأسود وحدها، بل بين آلاف "العصافير" التي تنقر حياتهم كل يوم. بعضها يُرى بالعين المجردة، وبعضها يختبئ في قرار إداري، أو إجراء بيروقراطي، أو قيد على الحركة، أو انتظار طويل، أو خوف دائم من الغد.
وربما لهذا السبب ما زال الفلسطيني صامداً؛ لأنه تعلم أن يواجه الأسود حين تظهر، وأن يصبر على العصافير حين تتكاثر. لكنه يدرك في الوقت نفسه أن أخطر ما يهدد الشعوب ليس الضربة الواحدة، بل الاستنزاف المستمر، وليس العاصفة العابرة، بل القطرات التي لا تتوقف.
ولهذا، إذا أردنا أن نفهم فلسطين حقاً، فعلينا ألا ننظر فقط إلى المشهد الكبير، بل إلى تفاصيل الحياة اليومية. فهناك، في تلك التفاصيل التي قد تبدو هامشية للعالم، تكمن الحكاية الحقيقية، ويختبئ الوجع الأكبر.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



