لا تدافعوا عن أنفسكم... وانتظروا دوركم في الموت!

30.07.2026 09:38 AM

كتب اسماعيل الريماوي: لا تدافعوا عن أنفسكم... هكذا يبدو أن العالم يريد منكم ان تفعلوا، انتظروا حتى يطرق الرعاع باب بيتكم، وحتى يقتحم الجنود قريتكم، وحتى تشتعل النار في حقولكم، وان تسقط رصاصاتهم على صدور أطفالكم، لا تصرخوا، لا تقاوموا، لا تحاولوا حماية منازلكم، فالدفاع عن النفس أصبح ارهاب ، أما قتلكم فصار خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار ، لا يلبث أن يختفي ليحل محله خبر آخر، فقد اعتاد العالم على قتلكم.

كم هو قاسٍ أن تشعر بأنك وحيد في مواجهة الموت ، وأن ترى العالم كله يتابع مشاهد القتل والحرق والتهجير، ثم يكتفي ببيانات تعبر عن القلق، وكأن دمك لا يستحق أكثر من بضعة أسطر في بيان دبلوماسي بارد.
في القرى الفلسطينية، لم يعد الناس يسألون: هل سيهاجم المستوطنون؟ بل يسألون: متى سيهاجمون؟ ومتى سيصل الجنود لحمايتهم، لا لحماية الضحايا، بل لحماية المعتدين وتأمين انسحابهم بعد أن ينهوا مهمتهم؟
كل يوم تُحرق أشجار الزيتون، وتُدمر البيوت، وتُسرق الأراضي، ويُهجّر الناس تحت تهديد السلاح، وكل يوم يكبر شعور الفلسطيني بأن حياته أصبحت بلا قيمة في ميزان هذا العالم الذي يتحدث طويلًا عن حقوق الإنسان، لكنه يصمت حين يكون الضحية فلسطينيًا.

والأكثر مرارة أن هذا الشعب، الذي يواجه واحدة من أطول مشاريع الإحلال في العصر الحديث، يجد نفسه في كثير من الأحيان وحيدًا حتى بين أبناء جلدته، فهم منشغلون بالمناصب، وبصراعات النفوذ، وبالامتيازات، والقصور والسيارات الفارهة ، بينما القرى المحاصرة تستغيث، والأهالي يبيتون وهم لا يعلمون إن كانوا سيستيقظون في بيوتهم أم بين أنقاضها.
أي وطن هذا الذي يُترك فيه الناس لمصيرهم؟ وأي سلطة تلك التي تلاحق من يحاول حماية أرضه، بينما تعجز عن حماية طفل من رصاصة، أو مزارع من اعتداء، أو قرية من هجوم ؟
أما الاعراب فهم غارقين في حساباتهم وتحالفاتهم ومصالحهم، حتى بدا وكأن فلسطين لم تعد سوى ملف سياسي يُفتح عند الحاجة ويُغلق عند أول تقاطع للمصالح.

ومع كل هذا الخذلان، يبقى الفلسطيني واقفًا، ليس لأنه لا يشعر بالخوف، بل لأنه يعرف أن البديل عن الصمود هو اقتلاع وجوده بالكامل، فهو لا يدافع عن بيت من حجر فقط، بل عن ذاكرة، وعن تاريخ، وعن حق أجيال كاملة في أن تبقى على أرضها.
إن أكثر ما يؤلم الفلسطيني ليس رصاص الاحتلال وحده، بل ذلك الإحساس بأن العالم اعتاد موته، وأن دموع أمهات الشهداء لم تعد تهز ضميرًا، وأن صرخات الأطفال تحت الركام أصبحت مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية.

لكن التاريخ علمنا أن الشعوب لا تُقاس بما تملكه من قوة، بل بما تملكه من إرادة، وأن الأوطان التي تُروى بدماء أصحابها قد تنحني، لكنها لا تنكسر، وسيأتي يوم يُسأل فيه كل صامت: أين كنت حين كان شعب بأكمله يُقتل ويُهجّر ويُحاصر لأنه تمسك بحقه في الحياة؟
وحينها، لن يكون السؤال: لماذا دافع الفلسطيني عن نفسه؟ بل لماذا تُرك وحيدًا، بينما كان العالم كله يشاهد المأساة بصمت؟
ويبقى السؤال الذي يطارد الضمير الإنساني: كم فلسطينيًا يجب أن يُقتل، وكم قرية يجب أن تُحرق، وكم طفلًا  يجب أن يُدفن تحت التراب، حتى يدرك العالم أن الصمت ليس حيادًا، بل شراكة في الجريمة؟ إن أخطر ما يواجهه الفلسطيني اليوم ليس رصاص الاحتلال وحده، بل اعتياد العالم على مأساته وألمه أصبح مشهدًا مألوفًا، وحقه في الحياة اصبح موضع نقاش، ومع ذلك، سيظل هذا الشعب متمسكًا بأرضه، لأن من يولد من رحم المعاناة يعرف أن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الوطن ليس صفقةً ولا منصبًا ولا بيانًا سياسيًا، بل هو آخر ما يملكه الإنسان، وآخر ما يمكن أن يتخلى عنه.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير