يونس العموري يكتب لوطن: زرقاء اليمامة في أرض الزيتون والدمع

أنا زرقاء اليمامة، تلك التي خرجت ذات يوم من رحم الأسطورة لتقف فوق الجبل وتحذر قومها من خطر رأته قبل أن تصل خيله إلى الأبواب. قالوا يومها إنني أحلم، وإن عيني بالغت في الرؤية، وإن ما رأيته ليس سوى وهم يسكن امرأة تقف وحيدة في مواجهة يقين الجماعة. لكن الزمن أثبت أن الأسطورة لم تكن خرافة، وإنما كانت مرآة تكشف للناس ما يهربون من رؤيته... فالأساطير لا تولد من الفراغ، بل تولد من جراح الشعوب ومن خوفها العميق من أن تفقد الطريق... واليوم، بعد قرون طويلة، أعود من صمت الأسطورة، لا أحمل نبوءة، بل أحمل سؤالاً ثقيلاً... ماذا يحدث للأمم حين ترى الخطر ولا تريد الاعتراف به؟
عدت إلى الجبل ذاته، أو ربما إلى جبل آخر يشبهه، فالجبل في الأساطير ليس حجراً فقط، بل مقام الرؤية، والمكان الذي تقف فيه الروح بعيداً عن ضجيج الأرض كي ترى الصورة كاملة. ومن هناك نظرت نحو أرض الزيتون والدمع، الأرض التي لم تكن يوماً مجرد تراب وحدود، بل كانت ذاكرة تمشي على قدمين، وجرحاً مفتوحاً في جسد التاريخ، وحكاية لم تستطع السنين أن تطوي صفحاتها. رأيتها اليوم مثقلة بما لم تحمله أرض من قبل... ثقل الدم، وثقل الانتظار، وثقل الأسئلة التي بقيت معلقة فوق رؤوس أهلها... رأيت الظل القادم من خلف البحر، ولم يكن ظلاً عابراً كما ظنه البعض، بل كان مشروعاً يعرف كيف يغير شكل الأشياء قبل أن يغير أسماءها. رأيته لا يطارد الحجر فقط، بل يطارد المعنى، لا يسعى فقط إلى السيطرة على المكان، بل إلى إعادة تعريف صاحب المكان، وإلى جعل الغريب يبدو كأنه صاحب الرواية، وجعل صاحب الأرض يقف طويلاً ليثبت أنه موجود. فالذي يريد ابتلاع وطن لا يبدأ دائماً من حدوده، بل يبدأ من ذاكرته، لأن الأرض التي تضيع في الوعي قد تضيع لاحقاً على الخرائط... لكنني رأيت ما هو أبعد من الظل نفسه. رأيت الكارثة وهي لا تأتي صاخبة كما يتخيل الناس، بل تمشي بخطوات هادئة حتى يألفها الجميع، ثم تستقر بينهم وكأنها جزء من المشهد. رأيتها تكبر كل يوم، بينما ينشغل الناس بالجدل حول وجودها، وكأن الخطر لا يصبح خطراً إلا بعد أن يطرق الأبواب. وقفت كما وقفت في الأسطورة القديمة، أحدق في الأفق، فأرى ما لا يريد الآخرون أن يروه، أرى الأشجار تسير مرة أخرى، لا لأنها تحمل رجالاً هذه المرة فحسب، بل لأنها تحمل أوهاماً جديدة، وتبدل الحقائق حتى يغدو الباطل مألوفاً، ويغدو الإنذار تهمة على صاحبه. وما أقسى أن ترى الكارثة قبل وقوعها، ثم تعجز عن إقناع قومك بأن ما تراه ليس وهماً، بل هو المستقبل وهو يقترب بخطوات واثقة.
لكنني، يا أهل الحكاية القديمة، لم أر الظل وحده... فقد رأيت شيئاً آخر كان أكثر إيلاماً. رأيت داخل البيت الكبير تشققات لم تصنعها يد العدو وحدها. رأيت أهل الدار الذين اختلفوا على مفاتيح الأبواب، حتى أصبح الباب نفسه يئن من كثرة النزاع حول من يملك حق فتحه. رأيت أبناء الأرض الواحدة وقد فرقت بينهم الطرق، وأصبح بعضهم يقيس إخلاص بعضهم الآخر لا بما يقدمونه للبيت، بل بما يملكونه من مفاتيح ومواقع وأسماء... وهنا كان وجعي الأكبر، لأن الأسطورة التي ولدت لتحذر من العدو القادم، وجدت نفسها اليوم مضطرة للتحذير من عمى آخر، من عمى يصيب القلوب قبل العيون. فالأمم لا تهزم فقط حين يكون عدوها قوياً، بل حين يصبح الخلاف بينها أقوى من خوفها على مصيرها. وحين يتحول الاختلاف من مساحة للبحث عن الحقيقة إلى ساحة لتبادل الاتهامات، وحين تصبح القضية العظيمة أصغر من صراعات الذين يدعون حملها... ورأيت ما هو أشد مرارة من الخلاف نفسه. رأيت العجز وقد تعلم لغة البلاغة حتى صار يقدم نفسه على أنه حكمة، ورأيت التراجع يلبس ثوب الواقعية، ورأيت الصمت يزين بالخوف على المصلحة العامة. ثم رأيت ما لم أكن أظن أن الأسطورة ستشهده يوماً ، رأيت الخيانة نفسها تتحول إلى وجهة نظر، ورأيت من يساوي بين الحارس ومن يفتح الباب للغريب، وكأن الحقيقة لم تعد حقيقة، وإنما رواية يختار كل واحد منها ما يلائمه. وعندما تبلغ الأمم هذا المقام، لا يعود الخطر في قوة أعدائها وحدها، بل في أنها تفقد قدرتها على التمييز بين الوفاء والتفريط، وبين الحكمة والاستسلام، وبين الرأي الذي يبني، والرأي الذي يهدم البيت حجراً بعد حجر.
نظرت إلى حراس الأبواب القديمة، أولئك الذين حملوا رايات البدايات الأولى، أولئك الذين وقفوا يوماً في وجه الريح وقالوا إن للحكاية أصحاباً لن يختفوا. رأيت بينهم من يحمل وجع السنين وأثقال التجربة، لكنني رأيت أيضاً ظلالاً أخرى، ظلال من اعتادوا الوقوف عند الأبواب حتى نسوا أن دور الحارس ليس أن يمنع الدخول والخروج فقط، بل أن يحمي البيت من السقوط...
يا حراس الأبواب القديمة، إن الأسطورة لا تقدس أحداً. فالأبطال في الحكايات الكبرى لا يبقون أبطالاً لأنهم ولدوا في لحظة عظيمة، بل لأنهم يستمرون في الاستجابة لأسئلة كل زمن. من حمل راية الأمس لا يملك وحده حق تحديد شكل الغد. ومن صنع شرعية في الماضي عليه أن يعرف أن الشرعية مثل النهر، إذا توقفت مياهها تحولت إلى مستنقع. فالتاريخ لا يمنح أحداً حصانة أبدية، والشعوب لا تعيش على ذاكرة البطولة فقط، بل على قدرة قياداتها على صناعة المعنى الجديد... ورأيت أجيالاً جديدة تقف عند أطراف الحكاية، تنظر إلى الآباء والأجداد باحترام، لكنها تحمل في داخلها أسئلة لا تستطيع الإجابات القديمة وحدها أن تحملها. هذه الأجيال لا تريد فقط أن تسمع عن زمن الانتصارات والانكسارات، بل تريد أن تعرف ماذا بعد كل ذلك. تريد أن تعرف لماذا بقي الجرح مفتوحاً، ولماذا طال الطريق، ولماذا أصبحت الأحلام الكبيرة تبحث عن مكان صغير في عالم تغيرت قوانينه ..
ثم نظرت نحو قبائل الخيمة الواسعة، فرأيت خيمة كانت يوماً تتسع للجميع، ثم رأيتها وقد كثرت فيها الأعمدة حتى حجبت السماء. رأيت أبناء اللغة الواحدة وقد اختلفت اتجاهات نظرهم، ورأيت من استبدل حرارة الانتماء ببرودة الحسابات. لم تعد الحكاية القديمة هي الحكاية الوحيدة في زمن المصالح المتشابكة، وصار على أبناء الخيمة أن يقرروا هل يريدون أن يكونوا ورثة تاريخ أم صانعي مستقبل... لكن الأسطورة، مهما اشتد عليها الغبار، لا تموت. لأن الأسطورة ليست جسداً يفنى، بل معنى يعود كلما احتاجت الأرض إلى من يذكرها بنفسها. وأنا زرقاء اليمامة أعرف أن الليل قد يطول، وأن الجبال قد تتعب، وأن الأصوات الصادقة قد تضيع وسط صخب المصالح، لكنني أعرف أيضاً أن الأمم التي تحمل في داخلها حكاية عميقة لا يمكن اختزالها في لحظة انكسار.
إنني أرى زمناً قادماً لن يكون رحيماً مع أحد. زمناً ستسقط فيه الكثير من الأقنعة، وستنكشف فيه قيمة الرجال لا بما قالوه، بل بما تركوه وراءهم. سيقف حراس الأبواب القديمة أمام سؤال التاريخ... هل حافظتم على البيت أم حافظتم على مفاتيحه فقط ..؟ وسيقف الظل القادم من خلف البحر أمام سؤال آخر... هل استطاع أن يمحو الحكاية أم أنه فقط كشف عمقها..؟
وأعرف أيضاً كيف تنتهي الحكايات حين يرفض الناس الإصغاء إلى من يرى أبعد منهم. فقد انتهت حكايتي، في الرواية القديمة، بأن اقتلعوا عيني، وظنوا أن اقتلاع العينين يطفئ الرؤية. لكنهم لم يدركوا أن بصيرتهم كانت قد اقتلعت قبل بصري، وأن الهزيمة وقعت يوم كذبوا ما رأيت، لا يوم سقطت المدينة. لم تكن مأساتي أنني فقدت عيني، بل أن قومي فقدوا ثقتهم بالحقيقة وهي تقف أمامهم. ولم يكن الذين اقتلعوا عيني ينتقمون من امرأة، بل كانوا ينتقمون من الرؤية نفسها، لأن الحقيقة، في كل زمان، تزعج الذين اعتادوا الاطمئنان إلى الوهم. وهكذا بقيت الأسطورة شاهدة على أن الأمم لا تبدأ بالسقوط حين يقتحمها الغزاة، بل حين يصبح صاحب البصيرة غريباً بين قومه، وحين يتحول التحذير إلى تهمة، والصدق إلى عزلة، ويصبح من يرى الخطر أقرب إلى المحاكمة من الذين يصنعونه أو يمهدون له الطريق ..
أنا زرقاء اليمامة، ابنة الأسطورة التي لم تمت. أعود لا لأقول إن الطريق سهل، ولا إن الفجر قريب كما يحب الحالمون أن يرددوا، بل أعود لأقول إن البصيرة هي آخر ما يجب أن نخسره. فالأرض التي تفقد سيفها قد تستعيده، والمدينة التي تهدم قد تعمر من جديد، لكن الأمة التي تفقد قدرتها على رؤية نفسها قد تضيع وهي واقفة في مكانها... لهذا أرفع صوتي من فوق الجبل وأقول .. احذروا ليس فقط من القادم من خلف البحر، بل من العمى الذي يجعلنا لا نرى ما يحدث أمام أعيننا. احذروا ليس فقط من سقوط الجدران، بل من سقوط المعاني التي بنيت من أجلها تلك الجدران. فالحكايات العظيمة لا يحميها الماضي، بل يحميها من يملك شجاعة أن يحملها إلى المستقبل...
أنا زرقاء اليمامة، وما زالت عيني ترى. ترى الجرح، وترى الخطر، وترى أيضاً ذلك الضوء الصغير الذي لم تستطع كل العواصف أن تطفئه. ففي قلب كل أسطورة حقيقية هناك دائماً وعد خفي .. أن من امتلك شجاعة الرؤية، امتلك يوماً القدرة على النجاة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



