د. طلال شهوان يكتب لوطن: الجامعة وطوفان الذكاء الاصطناعي؛ نحو بناء القدرات وحوكمة المعرفة

08.07.2026 08:15 PM

أولاً- محورية الأدوار الجامعية

شهدت الجامعة، بصفتها المؤسسية، مسيرة تطورية امتدت منذ نشأتها المبكرة، وارتبطت بتحولات دورها في المجتمعات البشرية عبر التاريخ. فقد انطلق الجيل الأول من الجامعات بوظيفته الأساسية في نقل المعرفة وتعليمها، ثم تطور إلى الجيل الثاني الذي أضاف إلى التعليم مهمة إنتاج المعرفة من خلال البحث العلمي، وصولاً إلى الجيل الثالث من الجامعات الذي لم يكتف بإنتاج المعرفة، بل سعى إلى استثمارها عبر الابتكار، والأعمال، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الأثر الاقتصادي والمجتمعي للجامعة.

هكذا عبرت الجامعات ثلاثة مراحل تاريخية من كونها مؤسسة للتعليم، إلى مؤسسة للتعليم والبحث، ثم إلى شريك فاعل في التنمية وصناعة المستقبل، ورافعة للنهضة والتطور المعرفي والحضاري. وفي عالم اليوم لا يملك التعليم العالي أن يكون محايداً أو معزولاً عن التحولات التقنية والسياسية والاقتصادية والمعرفية الكبرى. ففي ظل التطورات الرقمية المتسارعة، تقف الجامعات اليوم في قلب أسئلة عميقة تتعلق بطبيعة المعرفة، ووظيفتها الاجتماعية، وعلاقتها بالتكنولوجيا، والسوق، والدولة.

وضمن هذا الاطار، تبرز التكنولوجيا الرقمية كأكثر العوامل تأثيراً في الجامعات على أصعدة متعددة، تشمل طبيعة المحتوى التعليمي وطرائق تقديمه وتقييمه، واتساع الفئات العمرية لجمهور المتعلمين، وما يرتبط بكل ذلك من حاجة للمرونة الزمانية والمكانية في العملية الأكاديمية. هنا يأتي مفهوم "التحول الرقمي – Digital Transformation" في الجامعات بصفته ضرورة ملحة تمس الاستراتيجية المؤسسية، والثقافة الأكاديمية، ونماذج التعليم والتقييم، والإدارة الجامعية. في هذا السياق، لا يعود السؤال كيف نستخدم التكنولوجيا، بل كيف نعيد تعريف التعليم نفسه، وهو ما يفسر بروز تحولات حديثة في التعليم المدعم بالذكاء الاصطناعي من نموذج "زمن ثابت ومستوى تحصيل متغير" إلى نموذج "زمن متغير ومستوى تحصيل مستهدف"، حيث تصبح الفروقات الفردية، والتعلم الذاتي، والمرونة، والتعليم المستند للكفاءة عناصر مركزية في العملية التعليمية.

وفي هذا المعرض، من الضروري التأكيد على أن التحول الرقمي لا يعني الاستغناء عن الحرم الجامعي -حيث التجربة الانسانية والحياتية الغنية التي لا يمكن مقايضتها- بقدر ما يعني تعظيم الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية في تطوير وإغناء العملية التعليمية وتعزيز طرق التعلم والتقييم. وهذه العوامل لا يخفى مدى أهميتها في واقع متقلب، كثيراً ما تفتقد فيه المسافة تناسبها مع الزمن، ولا تُقاس بالأمتار والأميال، بل بعدد الحواجز والبوابات الاعتراضية التي تفرضها منظومة الاحتلال الاستعماري.

ثانياً- الحقول البينية في واقع يعج بالبيانات الكبيرة

من أبرز التحولات العالمية السائدة في التعليم العالي يأتي ازدياد أهمية الحقول البينية والعابرة للتخصصات، بوصفها استجابة معرفية لتعقيد التحديات الإنسانية المعاصرة متعددة الأوجه والطبقات، مثل تغير المناخ، والطاقة، والتلوث، والوباء، والجريمة الالكترونية، والتي لا يمكن مقاربتها من داخل تخصص واحد. ومع التطورات الرقمية المتلاحقة باتت البيانات الكبيرة "Big Data" تمثل أرضية معرفية جديدة تعيد تشكيل طريقة إنتاج المعرفة وفهم الظواهر، إذ تتيح كميات هائلة ومتنوعة وسريعة التدفق من المعلومات التي تتجاوز بكثير قدرات التحليل التقليدي. هذا الاتساع في البيانات، كماً ونوعاً، فتح المجال أمام ما بات يُعرف بدراسات التعقيد (Complexity Studies) التي تهتم بدراسة الأنظمة الديناميكية غير الخطية مثل الشبكات الاجتماعية، والأنظمة البيئية، والأسواق، وغيرها. وهكذا تصبح البيانات الكبيرة بمثابة "وقود" لهذا النوع من الدراسات، بينما توفر الحقول البينية الإطار المفاهيمي والمنهجي الذي يسمح بتحويل الكم الهائل من البيانات إلى فهم أعمق للأنماط الناشئة والسلوك الجماعي في الأنظمة المعقدة، التي تعج بها الحياة المعاصرة والظواهر البيئية والكونية.

غير أن هذا التوسع المعرفي لم يَخلُ من تراتبية في الأولويات التي باتت تدفع، أحياناً متعددة، نحو التركيز على ما هو قابل للقياس والتسويق والتنبؤ، مقابل تهميش الآثار المجتمعية والبيئية طويلة المدى. كما امتد استخدام هذه المنظومة إلى مجالات تجارية ومتنوعة، تقوم على تعزيز قدرات المراقبة والتحليل والتوجيه السلوكي، بشكل يمكن أن يضغط على حدود الخصوصية الفردية، ويخلق بالتالي حالة من "الشفافية غير المتكافئة" بين الأفراد والأنظمة التي ترصدهم. وهكذا يتجلى توتر بنيوي بين الإمكانات المعرفية الكبيرة لهذه الحقول وبين تأثيراتها الفردية وتبعاتها الأخلاقية والاجتماعية. ففي عصر البيانات الكبيرة، لا يعود دور الجامعة مقتصراً على تطوير التقنيات أو رفد الأسواق بالكفاءات، بل ينبغي أن يتمثل أيضاً في المساهمة في صياغة المبادىء التي توجه العملية، وفي مساءلة الآثار المتعددة لهذه التقنيات، والدفاع عن الخصوصية، والعدالة، والاستدامة، والكرامة الانسانية.

ثالثاً- الذكاء الاصطناعي والتأثير الثلاثي على مهام الجامعة

إذا كان تاريخ المعرفة قد انتقل من عصر الندرة، حيث كان التحدي هو الوصول إلى المعلومة، إلى عصر الوفرة، حيث أصبحت المعلومة متاحة بضغطة زر، فإن الذكاء الاصطناعي بطوفانه المتنامي، كفرص وتحديات، بات يؤثر بشكل مباشر على المهام الثلاث الرئيسية للجامعة ؛ التعليم، والبحث العلمي، والدور المجتمعي.

من هنا يمكن القول، أن التعامل مع التحديات والفرص في البيئة الأكاديمية يقتضي أولاً الإلمام الواعي بأدوات الذكاء الاصطناعي؛ بقدراتها الكبيرة، وحدودها، وتحيزاتها. ولكي تحافظ الجامعة على مكانتها وتأثيرها في عصر الذكاء الاصطناعي، فإن عليها أن تؤدي دوراً قيادياً في منظومة التطور من خلال وظائفها الأساسية: التعليم، والتدريب، والبحث، والابتكار. لذلك فهي مطالبة بإعداد خريجين يمتلكون المعارف والمهارات اللازمة للعصر الرقمي، وتوفير فرص التعلم والتدريب المستمر للعاملين في مختلف القطاعات، وإنتاج بحوث تسهم في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وفهم آثارها، وتحويل المعرفة إلى حلول وابتكارات وشراكات ذات أثر اقتصادي واجتماعي. ومن خلال هذا الحضور الفاعل، تكتسب الجامعة المصداقية والقدرة على الإسهام في توجيه مسار الذكاء الاصطناعي، وربط تقدمه بقيم العدالة، والاستدامة، وخدمة الإنسان والمجتمع، بدل أن تقتصر على مراقبة التحولات أو التعليق عليها من خارجها.

ضمن هذا المنظور يأتي التعليم التحليلي النقدي في مقدمة التدخلات الأكاديمية اللازمة. فمن زاوية معرفية وعملية يمكن القول أنه كلما ازدادت سهولة إنتاج النصوص والمعلومات، ازدادت قيمة العقل القادر على تحليلها ونقدها وإعادة بنائها، من منظور الجودة الأكاديمية، القادرة على قياس سلامة المنهج، وعمق التحليل، ونزاهة الاستدلال، وأصالة الفكرة. وفي عالم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي توليد النصوص والأفكار والصور بسرعة غير مسبوقة، مع سهولة كبيرة في اختلاط الحقائق بالتزييف، يمكن القول أن المعرفة النقدية ليست مجرد مهارة أكاديمية إضافية، بل هي الكفاءة الأكثر أهمية، لأنها تمكن المتعلم والباحث من خفض "الانتروبيا المعرفية" من خلال مساءلة المخرجات، وفحص الأدلة، وكشف التحيزات، وإدراك حدود الأدوات الرقمية، بالتزامن مع الاستفادة من إمكاناتها الهائلة.

إلى جانب ذلك، تواجه الجامعة تحدياً متنامياً يتمثل في التحولات التي يشهدها البحث العلمي. فبالتزامن مع توفير إمكانيات كبيرة للباحثين على مستويات متعددة، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي يمتد إلى إعادة تعريف مفهوم البحث ذاته ودور الباحث في إنتاج المعرفة. فالذكاء الاصطناعي بات يشارك في صياغة الأسئلة، وتصميم التجارب، وتحليل البيانات، وتوليد الفرضيات، وكتابة المسودات العلمية، الأمر الذي يوفر قوة دافعة كبيرة للبحث والابتكار، لكنه في ذات الوقت، يثير أسئلة جوهرية حول الأصالة، والمسؤولية، والملكية الفكرية، ونزاهة البحث، وحدود الاعتماد على الآلة. كذلك، فقد أصبح البحث، بدرجة متزايدة، مدفوعاً بمنطق الابتكار التقني والتنافس الاقتصادي، في ظل استثمارات ضخمة تقودها شركات التكنولوجيا الكبرى ومنظومات أخرى تمتلك موارد تفوق إمكانات معظم الجامعات. وما يزيد من تعقيد هذا التحول أنه يتسارع بوتيرة تفوق تطور الأطر الناظمة له، في ظل غياب حوكمة متوافق عليها بين الجامعات، والباحثين، والممولين، والقطاع الصناعي، وصناع السياسات.

ولا يقف أثر الذكاء الاصطناعي عند إعادة تشكيل التعليم والبحث والابتكار، بل يمتد إلى إعادة تعريف دور الجامعة في المجتمع. فبعد أن كانت الجامعة المؤسسة الأكثر احتكاراً لإنتاج المعرفة ونقلها ومنح "الشرعية العلمية"، أصبحت الجامعة تعمل في بيئة تتقاسم فيها هذه الأدوار مع شركات التكنولوجيا، ومنصات التعلم الرقمية، والنماذج الذكية القادرة على إنتاج المحتوى وتقديم المعرفة على نطاق واسع. وهذا التحول يدفع الجامعات إلى إعادة التفكير في رسالتها وأدوارها. فمستقبل الجامعة لن يتحدد بمدى امتلاكها لنماذج الذكاء الاصطناعي فقط، بل بقدرتها على قيادة الحوار المجتمعي حول كيفية توظيف هذه النماذج بما يخدم الصالح العام ويحافظ على القيم الإنسانية والحضارية، وبالذات في مواضيع جوهرية مثل العدالة الرقمية، والأدوار الجندرية، وأنماط التعلم مدى الحياة، والخصوصية، وأشكال المشاركة المدنية، وحماية البيئة، وغيرها.

وعلى المستوى الاستراتيجي، يمكن القول أن بناء القدرات التقنية الذاتية يمثل شرطاً لسيادة المجتمعات والدول. فامتلاك القدر الكافي من السيطرة على منظومة الذكاء الاصطناعي بمختلف طبقاتها -من البنى التحتية والبيانات والبرمجيات إلى الكفاءات واللغة- أصبح ركيزة من ركائز الاستقلال المعرفي والرقمي، في حين أن الاعتماد على منظومات خارجية يفتح الباب أمام أشكال جديدة من الانقياد القسري في قطاعات سيادية حيوية كالتعليم والصحة والاقتصاد والأمن، ضمن ما يمكن توصيفه في أدنى درجاته بـ "التبعية الرقمية"، والتي يمكن أن تستفحل لاحقاً إلى ما هو أبعد من ذلك.

في ضوء ما سلف، تتجلى رسالة الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي بوضوح. فوظيفة الجامعات التي بدأت تاريخياً بنقل المعرفة، وتطورت باتجاه إنتاجها، ومن ثم توسعت نحو توظيفها في الابتكار، أصبحت تمتد إلى المستوى الرابع من المسؤولية، والذي يمكن تسميته بـ "حوكمة المعرفة". وهذا يتطلب بناء الإنسان القادر على التفكير النقدي، والإبداع المسؤول، والاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا. فإذا كانت الخوارزميات قادرة على إنتاج النصوص والمعلومات، فإن الجامعة تبقى المؤسسة التي تُنشئ العقول القادرة على استخدامها، ومساءلتها، وتقويمها، وتوجيهها لخدمة الصالح العام، بما يحفظ استقلال المعرفة ويصون رسالتها الإنسانية والأخلاقية السامية. وفي الواقع الفلسطيني، تزداد المسؤولية ثقلاً، حيث تعيش الجامعات مفارقة انتاج المعرفة في ظل قيود متعددة المستويات، وتنبري المعرفة بوصفها إحدى الوسائل الأساسية للتعبير عن الذات والهوية، وعن الطموحات الوطنية والمجتمعية والانسانية. تحت ظروف من هذا النوع، لا تقاس قدرة الجامعة على أداء دورها بعدد الشهادات والأبحاث المنشورة والابتكارات فحسب، بل أيضاً بانتاج معرفة قادرة على تعزيز التمسك بقيم العدالة والكرامة والحرية، وإبقاء جذوة الأمل وطاقة البناء حيّة في نفوس الأجيال.

أ. د. طلال شهوان: رئيس جامعة بيرزيت

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير