ما هي مؤسسة Track AIPAC ولماذا يكرهها داعمى الكيان فى واشنطن ويخشونها؟

سامي مشعشع يكتب لوطن: كيف تُعاد صياغة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بعيداً عن الأضواء؟ ذكاء التخطيط وامكانية الفشل

18.06.2026 02:24 PM

  في الأسابيع والأشهر الأخيرة تنشغل منطقتنا بالتطورات المتسارعة على جبهة الحرب على ايران، وبالمفاوضات المدهشة التي أفضت إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، وما تحمله وستحمله من مؤشرات على إعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ومحاولات ضبط التوترات الإقليمية التي طالما شكلت أحد أعمدة الاستراتيجية الإسرائيلية (واقصد هنا سياسة "الفوضى الخلاقة"). لكن خلف هذا المشهد الصاخب، ووسط سيل التحليلات اليومية التي ملأت الشاشات العربية (ومعظمها ثغاء وغباء الذين استثناهم التاريخ)، تجري تطورات أخرى أقل ضجيجاً وأكثر عمقاً وخطورة وهى غايبة عن إعلامنا العربي وعن نقاشاتنا السياسية.

تدور الان داخل الكونغرس الأمريكي ومؤسسات الأمن القومي معركة تتعلق بمستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية نفسها، وبالجهود الرامية إلى نقلها من مستوى الدعم السياسي والعسكري التقليدي إلى مستوى أكثر تعقيداً وديمومة وصولا الى الاندماج الاستراتيجي والمؤسسي والعسكرى والامني. فالدوائر المؤثرة الداعمة للكيان في واشنطن لم تعد تفكر فقط في كيفية ضمان استمرار الدعم بل في كيفية جعلها أكثر التصاقاً وتماهيا بالبنية العسكرية والتكنولوجية والاستخبارية الأمريكية، بحيث تصبح إعادة النظر في هذه العلاقة أكثر صعوبة بالنسبة لأي إدارة أمريكية مستقبلية.

مهم هنا ادخال تطور لافت ذي صلة مباشرة بالنقطة أعلاه: برزت خلال العامين الماضيين منصة اسمها “Track AIPAC” (تتبع ايباك)، والتي تحولت من حساب صغير على وسائل التواصل الاجتماعي فى العام ٢٠٢٤ إلى ظاهرة سياسية يتابعها ويدعمها مئات آلاف الأمريكيين. تقوم المنصة بتتبع الإنفاق السياسي والتبرعات الانتخابية المرتبطة باللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة - الايباك (AIPAC) وشبكات النفوذ الاخرى المؤيدة لإسرائيل، وتمنح السياسيين “بطاقات خضراء” و”بطاقات حمراء” وفقاً لمستوى ارتباطهم بهذه الشبكات. المنصة تسلط الضوء على جانب مهم من العلاقة الأمريكية الإسرائيلية: المال السياسي، وكيف يمكن للتمويل المنظم أن يؤثر في الانتخابات وصناعة القرار داخل واشنطن.

وهنا تبرز القضية الأهم والأبعد أثراً والمتمثلة في النقاش الدائر داخل أروقة الكونغرس حول المادة 224 من مشروع قانون الدفاع الأمريكي قيد النقاش .هذه المادة الحساسة لا تتحدث عن مساعدات إضافية أو صفقات تسليح جديدة، بل عن توسيع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والدفاع الصاروخي، والحوسبة الكمية، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة وسلال الانتاج (مفرادت مأخوذة من نص المادة ذاتها). وبعبارة أخرى نحن أمام توجه يسعى إلى تعميق التكامل (والدمج شبه الكامل) بين المنظومتين الدفاعيتين الأمريكية والإسرائيلية، لا مجرد استمرار الدعم المالي التقليدي.

أثارت هذه المادة اعتراضات من مشرعين وشخصيات سياسية أمريكية من اتجاهات مختلفة، ليس بالضرورة بسبب موقفهم من الكيان معارضين ام داعمين، بل بسبب خشيتهم من أن يؤدي هذا المسار إلى تقليص قدرة الإدارات الأمريكية المستقبلية على إعادة تقييم العلاقة أو إعادة رسم حدودها وفقاً للمصالح الأمريكية المتغيرة. وإذا أضفنا إلى ذلك النقاشات الجارية حول توسيع تبادل المعلومات الاستخبارية والتعاون الأمني طويل الأمد بين البلدين (والجهود ايضا جارية بجدية لتشريعه بالقانون ودمج هذه الجهود) فان الصورة تصبح أكثر وضوحاً.

صحيح أن كثيراً من هذه المبادرات لا يزال قيد النقاش التشريعي والسياسي، لكن الاتجاه العام يبدو واضحاً: الانتقال من علاقة تقوم على الدعم والمساندة إلى علاقة تقوم على التشابك المؤسسي والاعتماد المتبادل (واستباقا لمذكرة التفاهم الايرانية-الامريكية، والأنتخابات النصفية الامريكية وتدهور اضافى فى مكانة وسمعة الكيان فى امريكا والعالم).

هنا فعلى الرغم من الحديث المتزايد عن تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل داخل قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي، خصوصاً بين الشباب والأقليات والناخبين الديمقراطيين، فإن المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية تعمل على بناء صيغ جديدة للحفاظ على متانة العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وهنا يتجلى ذكاء التخطيط بعيد المدى: المساعدة المالية للكيان يمكن نظرياً أن تُخفض أو تُعلق بقرار سياسي. أما عندما تصبح الشركات والمختبرات وسلاسل الإنتاج وبرامج البحث والتطوير ومؤسسات الأمن القومي في البلدين أكثر ترابطاً، فإن إعادة النظر في العلاقة تصبح أكثر تعقيداً وكلفة سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً. وعندها لا يعود السؤال: هل يستمر الدعم أم يتوقف؟ بل: إلى أي مدى باتت المؤسسات الأمريكية نفسها مستثمرة في استمرار هذا الترابط؟

ولهذا فإن أهمية موسسة مثل Track AIPAC لا تكمن فقط في كشف أسماء المانحين أو أحجام التبرعات، بل في أنها تلفت الانتباه إلى سؤال أكبر بكثير: هل يدور الصراع الحقيقي اليوم حول حجم الدعم الأمريكي لإسرائيل أم حول إعادة هندسة العلاقة بين الطرفين بحيث يصبح الكيان جزءاً من البنية الاستراتيجية الدائمة للولايات المتحدة؟

ذلك هو النقاش الذي ينبغي أن يشغل الفلسطينيين والعرب. وظني (وبعض الظن اثم) بانه لن يشغلنا!

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير