إلى اللقاء يا حارس البيدر.. نصر أبو جيش

31.08.2026 08:07 PM

وطن للأنباء: "إلى اللقاء يا حارس البيدر".. بهذه الكلمات، أُقيم حفل تأبين المناضل والقيادي في حزب الشعب الفلسطيني نصر أبو جيش، في حرم جامعة النجاح بمدينة نابلس، بحضور شخصيات وطنية وعائلته ورفاق دربه. واستعاد المشاركون مسيرة رجل ارتبط اسمه بالأرض والنضال والعمل الوطني، وترك حضورًا إنسانيًا وسياسيًا امتد لعقود، وظل قريبًا من الناس وقضاياهم وهمومهم الوطنية والاجتماعية، وقدم عرافة الحفل الكاتب الصحفي سميح محسن.

وحمل حفل التأبين وصايا نصر التي اختزلت رؤيته ومسيرته: الوحدة الوطنية الفلسطينية صمام أمان ومصير مشترك، وتجذير المقاومة الشعبية وتوسيع رقعتها، وحماية السلم الأهلي وصون النسيج المجتمعي. ثلاث وصايا استعادها المشاركون في وداعه، باعتبارها خلاصة موقفه الوطني ورسالة تواصل طريقه بعد الرحيل، وتؤكد تمسكه بوحدة الصف والعمل الشعبي وحماية المجتمع الفلسطيني من الانقسام وتعزيز المصلحة العامة.

في أحضان قرية بيت دجن، شرق مدينة نابلس، أبصر نصر خليل أبو جيش النور في السادس والعشرين من تموز يوليو عام 1969. وبين التلال والأرض وحياة الفلاحين، تفتح وعيه على معاني الأرض والانتماء والعمل الجماعي. ونشأ في أسرة خاضت النضال الوطني والإنساني التقدمي، وكان والده خليل سليم أبو جيش مناضلًا في صفوف الحركة الشيوعية في فلسطين حتى آخر أيامه.

ومع سنوات شبابه، تحول تعاطفه مع القضية إلى التزام مبدئي وتنظيمي واعٍ، فالتحق بحزب الشعب الفلسطيني عام 1986، متأثرًا بوالده، أحد كوادر الحزب الشيوعي الفلسطيني. وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، تعرض للاعتقال مرات عدة، ثم تدرج في المواقع التنظيمية للحزب، وصولًا إلى عضوية اللجنة المركزية ثم المكتب السياسي. كما ارتبط اسمه بالدفاع عن الأرض، التي رأى فيها جوهر الهوية والوجود الوطني الفلسطيني.

ورحل نصر أبو جيش في التاسع عشر من تموز يوليو 2026، تاركًا خلفه إرثًا نضاليًا وأخلاقيًا يتجاوز المناصب التي شغلها، ويقوم على القرب من الناس والدفاع عن الأرض، والانحياز للفقراء والكادحين، والتمسك بالوحدة الوطنية. وفي بيت دجن ووجدان رفاقه وأبناء شعبه، تبقى سيرته حاضرة، وتبقى وصاياه مسؤولية مستمرة: وحدة الصف، والمقاوم الشعبية، وصون النسيج المجتمعي الفلسطيني.

وامتد حضور نصر إلى مؤسسات العمل الوطني الفلسطيني، فشغل عضوية المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتولى تنسيق لجنة فصائل العمل الوطني في نابلس، كما شارك في جهود الإصلاح الاجتماعي والدفاع عن حقوق العمال والطلاب والفلاحين. وحضر لقاءات لجان الحوار الخاصة بالمصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس في القاهرة ورام الله، وظل حاضرًا في قضايا الناس وهمومهم اليومية والوطنية.

إرث حي لا يموت.. هكذا ترك نصر أبو جيش أثره في ذاكرة رفاقه وأبناء شعبه، بعدما كرّس عقودًا من حياته للنضال والعمل الوطني والدفاع عن الأرض والحقوق. إرثه لم يكن في المواقع التي شغلها، بل في حضوره بين الناس، وانحيازه للفقراء والكادحين، وإيمانه بالوحدة الوطنية والمقاومة الشعبية، وحرصه على صون السلم الأهلي والنسيج المجتمعي الفلسطيني.

وقال شقيقه، د. نصري أبو جيش، لوطن للأنباء، إن نصر فقد حياته في الدفاع عن الأرض الفلسطينية والوقوف في وجه الاستيطان، مشيراً إلى أنه خلال السنوات الأربع الأخيرة كان حاضراً بشكل دائم في المسيرات والفعاليات المناهضة للاستيطان، معتبراً أن استهدافه بقنابل الغاز كان السبب الرئيسي في وفاته.

من جهته، قال منجد أبو جيش، ابن عم الراحل ومدير عام الإغاثة الزراعية، لوطن للأنباء، إن نصر كان "عنيداً" في مقاومة الاحتلال، لكنه كان مرناً وسهل التعامل عندما يتعلق الأمر بخدمة أبناء شعبه. وأوضح أنه خدم أهالي بيت دجن لنحو ثلاثين عاماً من خلال المجلس القروي، وقدم لهم الخدمات في مختلف مجالات الحياة، وأسهم في تطوير البلدة والعمل داخل المجلس القروي.

ووصف الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني، بسام الصالحي، لوطن للأنباء، نصر أبو جيش بأنه مناضل فلسطيني كبير منذ سنواته الأولى، مشيراً إلى أنه تقلد مواقع قيادية مختلفة في الحزب وصولاً إلى أعلى هرمه القيادي، وتميز بانفتاحه على مختلف مكونات الحركة الوطنية واهتمامه بالقضايا الاجتماعية والمعيشية، ما جعله قائداً في المقاومة الشعبية.

أما الرئيس السابق للجنة المتابعة العليا في الداخل المحتل، محمد بركة، فقال، لوطن للأنباء، إن نصر كان في الصفوف الأولى، مقداماً وشجاعاً ومتواضعاً، ومحباً للناس الذين أحبوه بدورهم، مشيراً إلى تمسكه بمواقفه ومبادئه، وحرصه على السلم الأهلي وتقريب القلوب والمساهمة في حل الخلافات والمشكلات.

وقال محمود العالول، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، إن الفلسطينيين فقدوا رجلاً آمن بأن الانتماء الحقيقي يرتبط بالفعل اليومي والاقتراب من الناس وقضاياهم، والعمل المتواصل في الميدان، مؤكداً أن نصر كان مناضلاً بين أبناء شعبه وقريباً من الجماهير، يشاركهم همومهم وآمالهم.

بدوره، وصف القيادي في حزب الشعب، عاصم أبو حنيش، لوطن للأنباء، نصر بأنه نموذج وحدوي داخل بيت دجن وخارجها، وقاسم مشترك بين مختلف الأطر السياسية والأطياف في نابلس وقراها، مؤكداً أن غيابه، بعد أكثر من أربعين يوماً، جعل افتقاد حضوره أكثر وضوحاً.

وقال صديقه خالد منصور، لوطن للأنباء، إن علاقته بنصر تعود إلى سنوات طفولته، حين كان في الرابعة عشرة من عمره، مؤكداً أنه شهد مراحل نموه وتطوره حتى أصبح قائداً وطنياً، مضيفاً أن الكلمات لا تكفي لوصفه، وأنه كان "بطلاً".

من جانبها، قالت رئيسة بلدية نابلس، عنان الأتيرة، إن الحديث عن نصر بصيغة الماضي صعب عليها، لأنه لم يكن مجرد اسم أو شخصية تلتقي بها في المناسبات، بل كان إنساناً يشعر من حوله بصدق موقفه ويطمئنون إلى وجوده بينهم، مؤكدة أن حضوره ترك أثراً لدى كل من عرفه

.

تصميم وتطوير