بشارة دباح لوطن: إسرائيل تستخدم العملة أداة ضغط سياسي واقتصادي.. وتكدس المليارات في البنوك الفلسطينية ينذر بانهيار قطاعات حيوية

05.07.2026 11:49 AM

رام الله – وطن للأنباء: حذر الخبير والمحلل الاقتصادي بشارة دباح من التداعيات الخطيرة لأزمة تكدس الشيكل في البنوك الفلسطينية، مؤكداً أن استمرار رفض البنوك الإسرائيلية استقبال عملة الشيكل من الفلسطينيين وتهديدها بوقف العلاقات المصرفية مع البنوك الفلسطينية قد يقود إلى مرحلة غير مسبوقة من العزل المالي والاقتصادي.

وقال دباح خلال برنامج شد حيلك يا وطن الذي يعده ويقدمه الإعلامي نزار حبش عبر شبكة وطن الإعلامية، إن المشكلة ليست وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة تراكمات استمرت لعقود من الاعتماد شبه الكامل على الشيكل في التعاملات الاقتصادية الفلسطينية، مشيراً إلى أن ما يجري اليوم يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني منذ تأسيس السلطة الفلسطينية.


مليارات الشيكل عالقة في الخزائن
وأوضح دباح أن حجم الشيكل المتراكم في البنوك الفلسطينية وصل إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت ترفض فيه البنوك الإسرائيلية استقبال فائض العملة أو تجديد بعض الترتيبات المصرفية الضرورية لاستمرار العلاقات المالية بين الجانبين.

وأضاف أن إسرائيل تبرر هذه الإجراءات بادعاءات تتعلق بمكافحة غسل الأموال، إلا أن هذه المبررات "غير منطقية وغير مقبولة"، مؤكداً أن مسؤولية التحقق من مصادر الأموال تقع على الجهات الإسرائيلية ذاتها، خاصة أن الشيكل هو عملة إسرائيلية بالأساس.

وأشار إلى أن قيمة الشيكل المتكدس في البنوك الفلسطينية بلغت نحو 17 مليار شيكل، وهو رقم وصفه بالضخم مقارنة بحجم الاقتصاد الفلسطيني وقدرته الاستيعابية.


خطر يهدد استيراد السلع الأساسية
وحذر الخبير الاقتصادي من أن أي توقف للعلاقات المصرفية بين البنوك الفلسطينية ونظيراتها الإسرائيلية سيؤثر بشكل مباشر على قدرة الفلسطينيين على استيراد المواد الأساسية، بما في ذلك الوقود والكهرباء والمياه والأعلاف الحيوانية وغيرها من الاحتياجات الحيوية.
وأوضح أن إنهاء العلاقة المصرفية مع البنوك الإسرائيلية المراسلة سيعطل عمليات الدفع والتحويلات المالية، ما يهدد سلاسل التوريد الأساسية ويضع الاقتصاد الفلسطيني أمام تحديات غير مسبوقة.

وأشار إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يتجه نحو مرحلة وصفها بـ"المجهول"، في ظل غياب حلول جذرية للأزمة واستمرار الضغوط السياسية والمالية الإسرائيلية.


دعوات لتقليل الاعتماد على الشيكل
وأكد دباح ضرورة وضع خطة استراتيجية طويلة الأمد لتقليل الاعتماد على الشيكل والتحول التدريجي نحو استخدام عملات أخرى كالدينار الأردني والدولار الأميركي، إلى جانب تعزيز وسائل الدفع الإلكتروني والرقمي.
وأوضح أن الاقتصاد الفلسطيني بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة تقلل من حجم التدفقات النقدية بالشيكل وتحد من المخاطر المرتبطة بالتحكم الإسرائيلي بالنظام المالي الفلسطيني.
كما دعا إلى تشجيع استخدام العملات البديلة في المعاملات التجارية والرسمية، بما يخفف من تبعات أي قرارات إسرائيلية مستقبلية تستهدف القطاع المصرفي الفلسطيني.


الدولار عند مستوى 3 شواكل.. توقعات باستمرار التذبذب
وتطرق دباح إلى تطورات سعر صرف الدولار مقابل الشيكل، مشيراً إلى أن الدولار ارتفع من مستويات قاربت 2.8 شيكل إلى نحو 3 شواكل خلال الفترة الأخيرة، بعد أشهر من قوة العملة الإسرائيلية.

وأوضح أن سعر الصرف الحالي يقترب من مستواه العادل في المرحلة الراهنة، متوقعاً استمرار حالة التذبذب خلال الأشهر المقبلة ضمن هامش محدود يتراوح بين 2.9 و3.2 شيكل للدولار الواحد.

وأضاف أن أزمة تكدس الشيكل قد تخلق ضغوطاً إضافية على العملة الإسرائيلية داخل السوق الفلسطينية، مع تزايد رغبة بعض الأفراد والشركات في التحول إلى الدولار أو الدينار كملاذ أكثر استقراراً، الأمر الذي قد ينعكس على حركة سوق الصرف خلال الفترة المقبلة.


انخفاض النفط عالمياً.. وأسعار الوقود ما زالت مرتفعة
وفيما يتعلق بأسعار الوقود، أشار دباح إلى أن سعر خام برنت يدور حالياً حول 72 دولاراً للبرميل، وهو مستوى أقل بكثير من الأسعار التي سجلها خلال فترات التوترات والحروب الأخيرة.
ورغم هذا الانخفاض، أكد أن المواطن الفلسطيني لم يلمس تراجعاً كبيرا في أسعار المحروقات، نظراً لارتباط السوق الفلسطينية بالتسعيرة الإسرائيلية، إضافة إلى الضرائب والرسوم المفروضة على الوقود.
وأوضح أن الحكومة الفلسطينية تعتمد بشكل كبير على إيرادات المحروقات والتبغ في تغطية جزء من نفقاتها التشغيلية، ما يحد من إمكانية إجراء تخفيضات كبيرة على الأسعار المحلية.


انتقادات للسياسات الاقتصادية المحلية
ولم يقتصر نقد دباح على الجانب الإسرائيلي، بل وجه انتقادات للسياسات الاقتصادية الفلسطينية خلال العقود الماضية، معتبراً أن جزءاً من الأزمة يعود إلى ضعف الاستثمار في القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة والتعليم، مقابل التوسع في الإقراض العقاري والاستهلاكي.

وأشار إلى أن ما بين 65 و70 بالمئة من التسهيلات المصرفية تذهب إلى قطاعات غير إنتاجية، الأمر الذي ساهم في إضعاف قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود أمام الأزمات.

وأكد أن الاقتصاد الفلسطيني بحاجة إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة القادرة على خلق فرص عمل وتعزيز الاكتفاء الذاتي.


ضغط دولي مطلوب
وشدد دباح على أن الحلول المتاحة حالياً تتطلب تدخلاً وضغطاً دولياً على إسرائيل لإجبارها على احترام التزاماتها المالية والمصرفية، مؤكداً أن الفلسطينيين لا يملكون أدوات ضغط كافية لمعالجة الأزمة منفردين.
وأضاف أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى مزيد من التراجع في الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، في ظل الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة الفلسطينية.


دعوة للعودة إلى الاقتصاد الإنتاجي
وفي ختام حديثه، دعا دباح إلى تبني نموذج اقتصادي أكثر اعتماداً على الإنتاج المحلي وتعزيز الأمن الغذائي، من خلال دعم الزراعة والصناعة الوطنية وتشجيع المواطنين على استهلاك المنتجات الفلسطينية.

كما دعا إلى مراجعة السياسات الضريبية وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني، بما يسهم في تعزيز الصمود الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الخارج.

وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب سياسات تقشفية مدروسة وإعادة النظر في أولويات الإنفاق والاستثمار، بما يضمن تعزيز صمود المواطنين ومواجهة التحديات الاقتصادية المتزايدة التي تفرضها الظروف السياسية والمالية الراهنة، محذراً من أن استمرار الأزمة دون حلول حقيقية قد يقود إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية أعمق خلال الفترة المقبلة.

تصميم وتطوير