تعليم الكبار في فلسطين: مسار وطني مفتوح لإعادة بناء الإنسان وتعزيز الصمود
الخبيرة التربوية علا عيسى: تعليم الكبار ليس رفاهية بل ضرورة ملحّة في ظل الأزمات المتلاحقة..
وطن للأنباء: أكدت الخبيرة التربوية علا عيسى أن تعليم الكبار في فلسطين لم يعد مجرد مسار تكميلي أو بديلاً ثانوياً عن التعليم النظامي، بل بات ضرورة وطنية ملحّة لإعادة بناء الإنسان الفلسطيني وتعزيز قدرته على الصمود في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.
جاء ذلك خلال مشاركتها في بودكاست لمركز إبداع المعلم عبر شبكة وطن الإعلامية، حيث تناولت مفهوم تعليم الكبار، وأهميته، والتحديات التي تواجهه، وسبل تطويره في السياق الفلسطيني.
ما هو تعليم الكبار؟
أوضحت عيسى أن المفهوم السائد حول تعليم الكبار لا يزال محدوداً، إذ يربطه كثيرون بمحو الأمية لكبار السن، بينما هو في الحقيقة "تعليم مرن ومفتوح يمتد من سن 15 عاماً وما فوق"، ويشمل تطوير المهارات الحياتية والتفكير النقدي والتكنولوجيا والمواطنة.
وأضافت أن هذا النوع من التعليم يتيح للأفراد إعادة تشكيل مساراتهم المهنية، واكتساب مهارات جديدة، والتكيف مع التحولات المستمرة، خاصة في بيئة فلسطينية تتسم بعدم الاستقرار.
تعليم الكبار كأداة للصمود المجتمعي
شددت الخبيرة التربوية على أن تعليم الكبار يشكّل أحد أهم أدوات الصمود المجتمعي، إذ يساهم في:
• تعزيز القدرة على التكيف مع الأزمات
• دعم الاستقرار النفسي والاجتماعي
• إيجاد مصادر دخل بديلة
• تمكين الفئات المهمشة
وأشارت إلى أن النساء، والشباب العاطلين عن العمل، والأشخاص ذوي الإعاقة، هم من أبرز الفئات التي تحتاج إلى هذا النوع من التعليم، في ظل محدودية فرص التعليم النظامي في تلبية احتياجاتهم.
بين التعليم النظامي وغير النظامي: علاقة تكامل لا بديل
بيّنت عيسى أن تعليم الكبار يجب ألا يُنظر إليه كبديل عن التعليم الرسمي، بل كمسار مقترن ومتكامل معه، خاصة في ظل التحديات التي تهدد استمرارية العملية التعليمية.
وقالت: "في حال تعثر التعليم النظامي لأي سبب، يجب أن يكون التعليم غير النظامي جاهزاً لسد الفجوة وضمان استمرارية التعلم".
التكنولوجيا والتعليم الرقمي: فرصة لا عبء
تطرقت عيسى إلى أهمية دمج التكنولوجيا في تعليم الكبار، معتبرة أن الأدوات الرقمية المتاحة، حتى البسيطة منها مثل الهواتف المحمولة، يمكن أن تكون وسائل فعالة للتعلم إذا أُحسن استخدامها.
وأكدت أن التجارب التي نفذتها المراكز المجتمعية، بدعم من مؤسسات محلية ودولية، أظهرت قدرة كبيرة على:
• تأهيل المعلمين رقمياً
• دعم الطلبة والأهالي
• تحويل التعليم الإلكتروني من عبء إلى فرصة
الوعي السياسي والمجتمعي: بعدٌ أساسي للتعليم
اعتبرت عيسى أن تعليم الكبار يلعب دوراً محورياً في تعزيز الوعي السياسي والاجتماعي، وهو ما يشكّل أحد أعمدة الحفاظ على الهوية الفلسطينية.
وأوضحت أن رفع مستوى الوعي يساهم في تمكين الأفراد من المشاركة الفاعلة في المجتمع، والدفاع عن حقوقهم، والتأثير في واقعهم.
تحديات تعيق انتشار تعليم الكبار
رغم أهميته، يواجه هذا القطاع عدة تحديات، أبرزها:
- غياب الاعتراف الرسمي
لا يزال تعليم الكبار يفتقر إلى إطار رسمي واضح ضمن السياسات التعليمية.
- ضعف التمويل
تعاني البرامج من نقص حاد في الموارد المالية، ما يحدّ من انتشارها واستدامتها.
- غياب التنسيق
وجود جهود متفرقة بين المؤسسات دون تنسيق كافٍ يقلل من فاعلية العمل.
المراكز المجتمعية: نموذج ناجح قابل للتعميم
أشادت الخبيرة التربوية بتجربة المراكز المجتمعية لتعليم الشباب والكبار، التي أثبتت قدرتها على الاستمرار حتى في ظل ضعف التمويل، بفضل اعتمادها على الشراكة بين:
• البلديات
• المجتمع المدني
• القطاع الخاص
وأكدت أن تعميم هذا النموذج يمكن أن يشكّل خطوة عملية لتوسيع نطاق تعليم الكبار في فلسطين.
دعوة لاستراتيجية وطنية شاملة
دعت عيسى إلى ضرورة تبني استراتيجية وطنية لتعليم الكبار، توفر مظلة رسمية لهذا القطاع، وتحدد أولوياته، وتضمن مشاركة مختلف الأطراف، بما فيها القطاع الخاص.
وشددت على أن وجود هذه الاستراتيجية سيعزز من فرص التمويل، ويشجع على الاستثمار في هذا المجال، ويحوّله إلى أولوية وطنية حقيقية.
دور الإعلام والقطاع الخاص
أشارت إلى أهمية دور الإعلام في:
• تغيير النظرة النمطية لتعليم الكبار
• تعزيز ثقافة التعلم مدى الحياة
• دعم جهود المناصرة
كما دعت القطاع الخاص إلى لعب دور أكبر وأكثر استدامة، ليس فقط عبر المبادرات الفردية، بل من خلال شراكات منظمة ومستمرة.
رسالة لصنّاع القرار: التعليم من أجل البقاء
في ختام حديثها، وجهت عيسى رسالة واضحة لصنّاع القرار، مؤكدة أن تعليم الكبار يجب أن يكون جزءاً أساسياً من منظومة التعليم الفلسطينية، ومقترناً بشكل دائم بالتعليم النظامي.
وقالت: "تعليم الكبار ليس مجرد فرصة ثانية، بل هو حق مستمر ومسار لبناء الإنسان وتعزيز الكرامة والقدرة على الفعل".
ويبرز تعليم الكبار في فلسطين اليوم كخيار استراتيجي لمواجهة الأزمات، وأداة فعالة لتعزيز الصمود الفردي والمجتمعي، في ظل واقع معقد يتطلب حلولاً مرنة ومبتكرة تتجاوز الأطر التقليدية للتعليم.




