نحن أبناء القاتل: عن قابيل الذي يسكن فينا

كتب: د. إياد إشتية - معالج ومرشد نفسي
قبل أيام، تواصلت معي سيدة من إحدى بلدان الجوار، تطلب مني، بحكم تخصصي في الإرشاد النفسي، مساعدة شقيقتها التي كانت ترقد في المستشفى، بعدما أوصلها عنف زوجها وسطوته إلى هناك.
كان المطلوب جلسة إرشادية عبر الهاتف؛ حديث ربما يسند امرأة أنهكها الخوف والضرب، ويساعدها على التفكير فيما يمكن أن تفعله لحماية نفسها واستعادة شيء من الأمان الذي فقدته. اتفقنا أن ننتظر تحسن وضعها الصحي قليلًا، وحددنا موعداً للحديث معها.
كان الموعد اليوم.. لكن الاتصال الذي وصلني لم يحمل صوتها...حمل خبر موتها.
فارقت الحياة قبل أن نلتقي، على يد الزوج نفسه، الذي كان الإدمان، وفق ما نُقل إليّ، حاضراً في دائرة عنفه. لم تمهلها الضربات حتى تصل إلى جلسة كان يمكن أن نتحدث فيها عن الخوف والنجاة، وعن حقها البديهي في أن تعيش حياة لا تخشى فيها اليد التي كان يفترض أن تحميها.
تأجل لقاؤنا إذن...إلى موعد لا أملكه أنا ولا تملكه هي؛ إلى يوم المشهد العظيم، أمام ربٍّ أعظم، حيث لا سلطة لزوج، ولا سطوة لمعنِّف، ولا تستطيع الأعذار أن تخفي الحقيقة.
لم أعرف هذه السيدة، ولم أسمع صوتها يوماً، لكن موتها ترك في داخلي سؤالاً ثقيلاً: كيف يستطيع إنسان أن يحوّل البيت، الذي يفترض أن يكون مساحة الأمان الأولى، إلى المكان الذي تُسلب فيه حياة إنسان آخر؟
ومن هذا السؤال حضرت أمامي واحدة من أقدم الحكايات الإنسانية: قابيل وهابيل.
لم تحضر بوصفها قصة دينية نعرفها جميعاً فحسب، بل بوصفها مرآة قديمة لا تزال تعكس شيئاً منا حتى اليوم. فمنذ أن رفع قابيل يده على أخيه، وحتى اليد التي ترتفع اليوم على امرأة داخل بيتها، تغيرت الأزمنة والأسماء والبيوت، لكن السؤال بقي:
ماذا يحدث داخل الإنسان حتى تصبح اليد التي تستطيع أن تحتضن، قادرةً على أن تقتل؟
لم تكن قصة قابيل وهابيل مجرد حكاية عن أول جريمة قتل، بل ربما كانت أول مرآة وُضعت أمام الإنسان ليرى التناقض الكامن فيه: الحب والقتل، الرحمة والقسوة، الخير والشر. كان قابيل إنساناً لم يعرف كيف يتعامل مع غضبه وشعوره بالخسارة، فاختار أن يلغي الآخر بدلاً من أن يحتمل وجوده.
والمفارقة المؤلمة أننا، بهذا المعنى الرمزي، أبناء القاتل.
العنف لا يبدأ بالقتل
ليس الشر قوة غريبة تهبط على الإنسان من الخارج، كما أن الخير ليس ضمانة نحملها منذ الولادة. في داخل الإنسان استعدادات متناقضة؛ يستطيع أن يحنو وأن يؤذي، أن يحمي وأن يعتدي. وبين الشعور والفعل تقف التربية والثقافة والوعي والضمير والقانون.
لهذا، عندما تُقتل امرأة، لا يكفي أن نقول إن رجلًا "فقد أعصابه"، أو إن جريمة حدثت بسبب "خلاف عائلي"
العنف لا يبدأ يوم القتل.
قد يبدأ قبل ذلك بسنوات، بجملة تبدو للبعض عادية: "أنا أقرر"، ثم تصبح تحكم بالمال، ومنع من العمل أو الدراسة، وعزل عن الآخرين، وإهانة وتهديداً وضرباً. وفي كل مرحلة قد يكون هناك من يعرف ويرى ويسمع، لكنه يختار الصمت لأن ما يحدث "داخل البيت"، لكن الباب المغلق لا يمنح أحد حق الإيذاء، والعنف لا يصبح شأن خاص عندما تصبح حياة إنسان في خطر.
عندما تتحول الذكورة إلى سلطة
المشكلة ليست في الرجل، ولا في الذكورة بوصفها هوية، وإنما في ثقافة تربط الذكورة بالسيطرة، وتجعل الطاعة حقاً للكر، وتنظر إلى تراجع المرأة أو صمتها بوصفه شرطاً لاستمرار الأسرة.
قد يسمع الطفل منذ سنواته الأولى أن الرجل لا يبكي ولا يضعف، وأن عليه أن يفرض كلمته. وفي المقابل، قد تُربّى الفتاة على الصبر والاحتمال والحفاظ على البيت، حتى عندما تصبح هي نفسها غير آمنة داخله.
وحين يحدث ذلك، لا نصنع بالضرورة رجلًا قوياً وامرأة صبورة؛ قد نصنع علاقة مختلة بين سلطة وصمت.
والأخطر أن بعض مفرداتنا الاجتماعية تمنح العنف غطاءً لغوياً ناعماً: "مشكلة عائلية"، "لحظة غضب"، "خلاف بين زوجين".
لكن حين تُقتل امرأة، يجب أن نتوقف عن البحث عما فعلته هي..لماذا خرجت؟ لماذا طلبت الطلاق؟ مع من تحدثت؟ ماذا قالت له؟ لماذا لم تتحمل؟ هذه الأسئلة، حتى عندما تُطرح بحسن نية، قد تنقل المحاكمة من الجاني إلى الضحية، وكأن هناك فعللاً يمكن أن يمنح إنساناً حق إنهاء حياة إنسان آخر.
العنف الذي يتوارثه الأبناء
نحن نعيش في المنطقة واقعاً مثقلاً بالعنف والاضطراب والضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وفي فلسطين تحديداً، يضاف الاحتلال والقتل والفقد والاعتقال والتهجير والخوف وعدم اليقين إلى أعباء الحياة اليومية.
لكن فهم مصادر الضغط شيء، وتبرير العنف شيء آخر.
فالإنسان المقهور ليس محكوماً بأن يصبح قاهراً، والضحية لا تكتسب حق صناعة ضحية أخرى.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحرك العنف في سلسلة: من واقع عنيف إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى البيت، ومن الزوج إلى زوجته، ومن الوالدين إلى الأبناء، ثم يحمله هؤلاء الأبناء معهم إلى علاقاتهم وأسرهم القادمة.
فالطفل الذي يشاهد أمه تُهان أو تُضرب لا يشاهد "خلافًا زوجياً" فقط؛ إنه يتلقى درساً مبكراً عن معنى القوة. والطفلة التي ترى أمها تصمت أمام الإيذاء قد تتلقى، من دون أن يقول لها أحد شيئاً، درساً آخر عن معنى الحب والصبر والزواج..وهكذا لا يعود العنف حادثة منفردة، بل قابلية اجتماعية لإعادة إنتاج نفسه.
قابيل لم يمت
ربما لهذا بقيت قصة قابيل حاضرة آلاف السنين..قابيل لم يكن وحشاً قادماً من عالم آخر.
كان إنساناً..غضب ، ولم يحتمل الآخر، فتحولت مشاعره إلى فعل قاتل..وهذه ربما أكثر أفكار القصة إخافة: القاتل يشبهنا أكثر مما نحب أن نعترف.
قابيل يظهر عندما يعتقد الإنسان أن كرامته لا تستعاد إلا بإذلال غيره، وعندما يرى الرجل أن رفض المرأة له إهانة تستحق العقاب، وحين تصبح الغيرة امتلاكاً، والحب سيطرة، والقوة حقاً في إخافة الآخر.
ويظهر قابيل أيضاً في المجتمع الذي يعرف بوجود العنف، لكنه ينتظر وقوع الجريمة كي يغضب.
السيدة التي كان يفترض أن أتحدث معها اليوم لم تصل إلى الموت من فراغ. قبل المستشفى كان هناك عنف، وقبل الموت كان هناك ضرب، وقبل النهاية كانت هناك امرأة تعيش تحت الخوف والسطوة.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس فقط: لماذا قُتلت؟
وانما كم امرأة ما زالت تنتظر موعداً للمساعدة، بينما نعتقد نحن أن أمامها متسعاً من الوقت؟ كم ابنة وأخت ممنوع عليها العودة الى بيت العائلة لتنفصل عن مجرم أو مدمن أو حاكم جلاد أو مسيطر متحكم يظهر بثوب القديس في عيون الاخرين بحجة ماذا سيقول عنا الناس...؟؟ نحن لا نريد أن يقال في بيتنا مطلقة.
لكننا أبناء هابيل أيضاً
مع ذلك، ليست الحكاية قدراً أبدياً. إذا كنا، بالمعنى الرمزي، أبناء قابيل، فنحن أيضاً أبناء كل إنسان اختار الرحمة حين كان يستطيع الانتقام، والحوار حين كان يستطيع الإيذاء، والحماية حين كان يستطيع الاستغلال.
الحضارة ليست أن تختفي قدرة الإنسان على الشر، وإنما أن نبني ما يمنع هذه القدرة من التحول إلى فعل: أسرة تربي أبناءها على الاحترام لا السيطرة، ومدرسة تعلم الطفل التعبير عن غضبه دون عنف، وإعلام يرفض تبرير الجريمة، ومؤسسات تحمي من يتعرضون للخطر، وقانون لا يساوم على حياة الإنسان.
وأن نعيد تعريف الرجولة أيضاً.
فالرجل القوي ليس من تستطيع امرأة أن تخاف منه، بل من تشعر بالأمان إلى جواره. والرجولة ليست قدرة على السيطرة، وإنما قدرة على ضبط الذات وتحمل المسؤولية واحترام كرامة الآخر.
ومواجهة العنف لا تبدأ بعد الجريمة...تبدأ عند أول تهديد..عند أول إهانة..عند أول صفعة. وتبدأ عندما نتوقف عن مطالبة المرأة المعنفة بأن "تصبر من أجل البيت" وبالعامية البسيطة ((عشان الولاد))، لأن البيت الذي يحتاج إلى دم امرأة كي يبقى قائماً لم يعد بيتاً، فالشر لا يحتاج دائماً إلى وحوش. يحتاج أحياتاً إلى غضب لا يعرف صاحبه كيف يديره، وإدمان لا يُعالج، وسلطة لا توضع لها حدود، وثقافة تجد للمعتدي الأعذار، ومجتمع يعرف أن امرأة تتعرض للعنف ثم يختار الصمت.
أما الخير، فلا يكفي أن نتغنى به..الخير موقف ومسؤولية وانحياز واضح للحياة وكرامة الإنسان.
كان يفترض أن يكون لي اليوم موعد مع امرأة لم أعرفها.
كنت سأسمع صوتها للمرة الأولى. وربما كانت ستحدثني عن خوفها، وعن زوجها، وعن سنوات لا أعرف تفاصيلها. وربما كنت سأقول لها إن حياتها أهم من كل الاعتبارات، وإن طلب النجاة ليس هدماً للأسرة، وإن الصمت على الأذى ليس فضيلة.
لكنني لم أسمع صوتها..سبق الموت الموعد...وبقي حديث لم يبدأ، وموعد لم يأتِ صاحبه، وأسئلة لن تجيب عنها امرأة رحلت لأنها لم تجد في بيتها أبسط ما يفترض أن يجده الإنسان في بيته: الأمان.
نعم، نحن أبناء قابيل بالمعنى الرمزي؛ نحمل في تاريخنا الإنساني ذاكرة أول يد امتدت إلى أخيها بالقتل.
لكننا لسنا محكومين بأن نكرر الجريمة.
لقد تعلّم قابيل، بعد أن قتل أخاه، من غراب كيف يواري جسده..وبعد آلاف السنين، ينبغي ألا نبقى نتعلم فقط كيف ندفن ضحايانا، ونكتب نعيهم، ونغضب لأيام، ثم ننتظر الضحية التالية.
آن لنا أن نتعلم كيف نمنع قتلهم.
أما أنتِ، أيتها التي كان موعدي معك اليوم، فقد تأجل لقاؤنا...
إلى يوم المشهد العظيم، أمام ربٍّ أعظم؛ حيث ستتكلمين أنتِ هذه المرة، ولن يستطيع أحد أن يُسكت صوتك.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



