المرأة المقدسية ضحية ازدواجية القوانين وإجراءات الاحتلال والتهميش
القمع وازدواجية القوانين: تعيش النساء في القدس المحتلة تحت قمع وقيود ممنهجة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مما يؤدي إلى مزيد من العنف بحقهن ويحرمهن من كثير من حقوقهن السياسية والاجتماعية والقانونية.
الحواجز والقيود: أدى تصاعد العدوان إلى تشديد غير مسبوق على الحواجز العسكرية، شمل اعتداءات مهينة على النساء وتقييد لحرية الحركة، ما أعاق التوثيق الحقوقي وجعل الناشطات والباحثات عرضة للترهيب وصعوبة في التنقل والوصول إلى العمل.
لم الشمل" والإقامة: يستخدم الاحتلال ملف لمّ الشمل والإقامة لإخضاع النساء، خاصة في حالات الزواج المختلط (قدس/ضفة)، حيث تُجبر كثيرات على تحمل العنف الأسري خوفاً من فقدان الإقامة أو حضانة الأطفال، إضافة إلى تشتت الأسرة.
تنازع القوانين وغياب العدالة: تجد المرأة المقدسية نفسها عالقة بين منظومتين قانونيتين لا تعترفان ببعضهما (فلسطينية/إسرائيلية)، مع فروقات مجحفة في النفقة والحقوق، بينما يعرّض لجوؤها للمحاكم الإسرائيلية لوصمة اجتماعية واتهامات بالتطبيع.
استهداف المؤسسات والهوية الوطنية: يعمل الاحتلال على إضعاف المؤسسات الفلسطينية في القدس عبر الضرائب والقيود البنكية، مقابل الترويج لمؤسسات إسرائيلية بديلة تهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وضرب الهوية الوطنية، ما يزيد هشاشة وضع النساء.
وطن: تواجه النساء الفلسطينيات في مدينة القدس المحتلة واقعاً مركباً وشديد التعقيد، يتداخل فيه القمع الممنهج لسلطات الاحتلال الإسرائيلي مع القيود الاجتماعية الناتجة عن المنظومة الأبوية، مما يخلق حالة من المعاناة المضاعفة لا تقتصر على الحقوق السياسية بل تمتد لتمس أدق تفاصيل الحياة اليومية. ومنذ تصاعد العدوان في أكتوبر 2023، تحولت القدس إلى سجن كبير تتحكم فيه حواجز الاحتلال العسكرية بكرامة النساء وحرية حركتهن، وسط سياسات تهويد متعمدة تستهدف المؤسسات الحقوقية الفلسطينية التي تشكل خط الدفاع المهم عن الوجود المقدسي.
وسلّطت حلقة خاصة، أنتجتها مركز المرأة للمساعدة القانونية والاجتماعية بالشراكة مع شبكة وطن الإعلامية، ناقشت واقع واحتياجات النساء المقدسيات.
رندة سنيورة: سياسات الاحتلال تضاعف معاناة النساء وتهدد العمل المؤسسي
تؤكد رندة سنيورة، المديرة العامة لمركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، أن الوضع في القدس يختلف جوهرياً عن باقي الأراضي المحتلة بسبب الضم غير القانوني منذ عام 1967، وفرض القوانين الإسرائيلية التي أدت إلى مضاعفة معاناة النساء. وتوضح أن المؤسسات الفلسطينية في القدس تعرضت لتضييق شديد، خاصة بعد بناء جدار الفصل العنصري عام 2001، مما دفع الكثير منها للانتقال إلى الضفة الغربية، مشيرة إلى أن مركز المرأة تمسك بالبقاء داخل القدس لتوفير الخدمات القانونية للنساء المقدسيات رغم الصعوبات.
وتشير سنيورة إلى أن ما بعد أكتوبر 2023 كان نقطة تحول قاسية؛ حيث تقيدت حرية الحركة تماماً، وتعرضت الناشطات والباحثات الميدانيات لاعتداءات مهينة على الحواجز، شملت التحرش والتفتيش غير الإنساني، مما خلق حالة من التردد في توثيق الانتهاكات بسبب "الإرهاب الممارس". وتضيف أن التوثيق أصبح شبه مستحيل في قضايا مثل هدم المنازل واعتقال الأطفال (الاعتقال المنزلي) الذي تتحمل عبئه الأمهات بشكل أساسي.
وفيما يخص الواقع الاجتماعي القانوني، توضح سنيورة أن 70% من الحالات تتعلق بزواج نساء من الضفة بمقدسيين أو العكس. وهنا تبرز المشكلة الكبرى؛ حيث يلتقي النظام الأبوي مع سياسات الاحتلال. فالمرأة تعتمد كلياً على الزوج لتقديم طلب "لم الشمل" أو الإقامة السنوية. وفي حال وقوع نزاع عائلي، تضطر النساء للقبول بالعنف المسلط عليهن خوفاً من خسارة الإقامة أو حضانة الأطفال، إذ يُعتبر "مركز حياة" الطفل في القدس مع والده. وتصف السنيورة هذا الوضع بأنه "سيف مسلط على روح المرأة" من طرفي الاحتلال والمنظومة الاجتماعية، محذرة من سياسات التهويد التي تستهدف المؤسسات الدولية والفلسطينية عبر فرض ضرائب باهظة (80%) وتقييد المعاملات البنكيه، مما يهدد بإفراغ المدينة من سكانها وخدماتها الوطنية.
رامي صالح: استهداف النسيج الاجتماعي وإحلال المؤسسات الإسرائيلية
من جانبه، يرى رامي صالح، مدير مكتب مركز القدس للمساعدة القانونية في القدس، أن كل فلسطيني في القدس مستهدف، لكن المرأة هي الحلقة الأضعف والأكثر تضرراً بصفتها راعية الأسرة. ويوضح أن الاحتلال يستخدم المنظومة القضائية كأداة لـ "شرعنة" الانتهاكات، حيث تضع وزارة الداخلية الإسرائيلية العراقيل أمام تسجيل الأطفال وحق الإقامة، مما يحرم العائلات من العيش تحت سقف واحد.
ويلفت صالح إلى أن الفصل الجغرافي وبناء المستوطنات المحيطة بالقدس، مثل تلك التي فصلتها عن بيت لحم، أدى إلى "تفسخ" النسيج الاجتماعي المتشابك تاريخياً. هذا الضغط دفع بأكثر من 125 ألف مقدسي (ثلث المجتمع) للسكن في مناطق خلف الجدار مثل كفر عقب ومخيم شعفاط، لأن القوانين الإسرائيلية تمنع الأزواج (أقل من 35 سنة) والزوجات (أقل من 25 سنة) من الضفة الغربية من التقديم لطلبات لم الشمل، فيضطرون للعيش في تلك المناطق المكتظة ليتمكنوا من البقاء معاً بينما يظلون يدفعون الضرائب لبلدية الاحتلال.
ويحذر صالح من تحدٍ خطير يتمثل في محاولة الاحتلال "إحلال" مؤسسات وجمعيات إسرائيلية مكان المؤسسات الفلسطينية. هذه المراكز الجماهيرية الإسرائيلية تدعي الحرص على المواطن المقدسي لكن هدفها الحقيقي هو ضرب الهوية الوطنية. ويشير إلى أن بعض المقدسيين يضطرون للتوجه لهذه المؤسسات الإسرائيلية لإثبات "مكان الإقامة" أو تعليم أطفالهم، مما يضع المؤسسات الوطنية في حالة تنافس صعبة للحفاظ على الالتفاف الشعبي حولها وحماية الرواية الفلسطينية داخل المدينة.
نبيل دويكات: تنازع القوانين ووصمة المجتمع تترك المرأة المقدسية في "مهب الريح"
يوضح نبيل دويكات، مسؤول البحث والمناصرة في مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، أن المركز قدم خدماته لنحو 1400 امرأة بين عامي 2020 و2024، وكان ثلث هذه الحالات في القدس وحدها، مما يعكس ازدياد الانتهاكات بحق النساء. ويؤكد دويكات أن الواقع القانوني والسياسي المعقد خلق تعريفات مشوهة للمرأة المقدسية (مقدسية بـ "هوية زرقاء"، أو حاملة لهوية ضفة متزوجة من مقدسي)، مما يترتب عليه تعقيدات هائلة في الصحة والتعليم والتنقل.
ويكشف دويكات عن معضلة "تنازع القوانين"؛ فحين يقع شقاق بين زوجين من منطقتين مختلفتين (قدس وضفة)، تضيع حقوق المرأة بين محاكم لا تعترف ببعضها، حيث تكون مبالغ النفقة في الضفة زهيدة جداً ولا تتناسب مع تكاليف المعيشة الباهظة في القدس. ويضيف أن لجوء المرأة المقدسية إلى القوانين الإسرائيلية المطبقة قسراً في القدس ضعها في مواجهة مع مجتمعها، حيث تُوصم بـ "التعامل مع الاحتلال".
ويشير دويكات إلى أن النساء يخشين التوجه لمؤسسات الشؤون الاجتماعية الإسرائيلية خوفاً من فقدان أطفالهن وهويتهم الوطنية، حيث قد تُصدر تلك المؤسسات قرارات بنقل الأطفال لمراكز حماية إسرائيلية. وفي ظل هذا الانسداد، يقترح دويكات اعتماد أسلوب "التجسير" والوساطة لحل الخلافات بعيداً عن مؤسسات الاحتلال، مع تجنب الحلول العشائرية التي غالباً ما تكون غير منصفة للنساء. ويختتم بالتأكيد على أن المواجهة فرضت على الجميع بسبب "الخطر الوجودي" الذي يهدد الحقوق الفلسطينية، مما يتطلب تضافر جهود المؤسسات لتقليل الضرر الواقع على النساء في ظل غياب التنفيذ وتداخل السياسة بالقانون.


