موسم قطف الزيتون 2025.. اعتداءات استيطانية منظمة وانهيار إنتاج غير مسبوق
موسم زيتون كارثي في فلسطين: ارتفاع الاعتداءات وتراجع الإنتاج إلى الربع
المزارعون محاصرون بين المستوطنات والجدار: الأرض تُمنع والرزق يُصادر
1783 اعتداء في أكتوبر وحده… ومزارعون يفقدون دخلهم السنوي بالكامل
مزارع من سنجل: نزرع كأبنائنا… ويُحرقونها أمام أعيننا
إنتاج 2025 لن يتجاوز 8 آلاف طن… وتغيّر المناخ جزء من الكارثة
غزة تفقد 1.1 مليون شجرة زيتون: انهيار شبه كامل لقطاع الزيت والزراعة
المزارعون يناشدون: خطة وطنية عاجلة لحماية الأراضي في وجه الهجمة الاستيطانية
وطن للأنباء: يشهد قطاع الزيتون في الضفة الغربية واحدة من أقسى سنواته خلال العقود الأخيرة، في ظل تصاعد غير مسبوق لاعتداءات المستوطنين والإجراءات العسكرية الإسرائيلية التي طالت الأشجار والمزارعين والأرض على حد سواء. ومع دخول موسم الزيتون لعام 2025، بدا المشهد أكثر قتامة مما اعتاده المزارعون الفلسطينيون الذين يعتمد معظمهم على هذه الشجرة المباركة كمصدر رزق أساسي ودخل سنوي ثابت. فقد تحولت مساحات واسعة من الأراضي إلى مناطق عسكرية مغلقة، ومنع آلاف المزارعين من الوصول إلى حقولهم، فيما ارتفعت وتيرة الاعتداءات لتشمل القطاف، والحراثة، والتقليم، وصولًا إلى الحرق والقطع والسرقة، وسط حماية رسمية من جيش الاحتلال.
ورغم أن يوم الزيتون العالمي الذي يوافق 26 نوفمبر من كل عام عادة ما يكون مناسبة للاحتفال بتراث هذه الشجرة العريقة، إلا أن مزارعي فلسطين هذا العام يقفون أمام واقع مختلف؛ خسائر فادحة في الإنتاج، وآلاف الأشجار المدمرة، وتدهور اقتصادي يطال عائلات بأكملها.
وسلّطت حلقة خاصة عبر شبكة وطن الإعلامية بالشراكة مع مؤسسة أكشن إيد فلسطين، على التحديات التي تواجه المزارعين خلال موسم قطف الزيتون، من ضمنها اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، إلى جانب تأثير التغير المناخي على المحصول.
يشخّص محمد علوان – منسق اتحاد جمعيات المزارعين في الضفة الغربية الواقع الميداني لموسم الزيتون لعام 2025 بوصفه "الأسوأ منذ سنوات طويلة"، مشيرًا إلى مستوى غير مسبوق من الاعتداءات الممنهجة التي ينفذها المستوطنون بدعم مباشر من جيش الاحتلال. ويؤكد أن الاحتلال اعتمد هذا العام منهجية دقيقة في منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم عبر تحويل مساحات واسعة إلى مناطق عسكرية مغلقة، ومنع قطاف الزيتون، وإجبار الأهالي على الابتعاد عن الأراضي المنتجة. ونتيجة لذلك، انخفضت الإنتاجية إلى الربع مقارنة بالسنوات السابقة، إذ لم يتجاوز الإنتاج هذا العام 9000 طن فقط، وهو رقم كارثي على حد وصفه.
ويكشف علوان أن المزارعين الذين يعتمدون اعتمادًا كليًا على موسم الزيتون وجدوا أنفسهم اليوم محرومين من مصدر رزقهم الرئيس، لافتًا إلى قصص مأساوية لعائلات بأكملها خسرت دخلها السنوي خلال أيام. ويذكر مثالًا لمزارع في بلدة المغير يمتلك 4000 شجرة زيتون، كان يعمل على خدمتها أكثر من خمسين عاملًا على مدار العام، لكنه اليوم ممنوع من دخول أرضه كليًا منذ السابع من أكتوبر، ما تسبب في قطع مصدر رزق عشرات العائلات دفعة واحدة.
ويشير علوان إلى أن سياسة الاحتلال ليست عشوائية، بل امتداد واضح لما بدأ منذ عام 2020 عقب إعلان إدارة ترامب سياسة الضم، لتكريس تقسيمات المناطق (A,B,C) وتحويل الأراضي الزراعية تدريجيًا إلى مناطق مغلقة. ويشدد على أن الاعتداءات خلال شهر أكتوبر وحده بلغت 1783 اعتداء، شملت حرقًا واقتلاعًا وسرقة وتكسير أشجار، إضافة لترحيل متضامنين أجانب وإصابة العشرات.
وفي رسالته الختامية، يدعو علوان المؤسسات المحلية والدولية إلى تكثيف دعمها للمزارعين، معتبرًا أن ما يقدم لهم لا يلبي الحد الأدنى من احتياجاتهم. ويخاطب الحكومة الفلسطينية بضرورة تبني خطة وطنية شاملة لحماية المزارعين، مطالبًا بوقف "الاستعراضات" والتحرك الجاد أمام الخطر المتصاعد الذي يهدد الأرض والاقتصاد والإنسان الفلسطيني.
ويقدم مروح عبدالحق – مزارع من بلدة سنجل في رام الله، وصفًا دقيقًا لمعاناة قرية سنجل، التي تقع تحت طوق من خمس مستوطنات وبؤرة استيطانية ضافية، ما يجعلها واحدة من أكثر المناطق تعرضًا لاعتداءات المستوطنين. ويقول إن الوضع قبل السابع من أكتوبر كان صعبًا، إذ عانى الأهالي من اقتلاع الأشجار وحرقها وتخريب شبكات الري، إلا أن الوضع بعد ذلك التاريخ تحول إلى "منطقة عسكرية مغلقة" بالكامل، ما أدى إلى حرمان المزارعين من زيارة أراضيهم أو الاعتناء بزيتونهم طوال العام.
ويشرح عبدالحق أن شجرة الزيتون ليست شجرة موسمية تُزار فقط يوم القطاف، بل تحتاج إلى حراثة وتقليم ورش مبيدات وتسميد مستمر، وكل ذلك أصبح مستحيلًا في ظل المنع العسكري. ويضيف أن المستوطنين اعتادوا مداهمة المزارعين بحماية الجيش، وتخريب الآبار والسلاسل الحجرية، وحتى تسميم الأشجار. ويستعيد عبدالحق تجربته الشخصية القاسية، حيث تعرّض لثلاث عمليات كسر في يده أثناء دفاعه عن أرضه، وكانت الأخيرة الأصعب، إذ خضع لعملية جراحية وزُرع له بلاتين، مما تسبب له بعجز دائم في الحركة وفي بعض الأعمال الزراعية.
ومع ذلك، يؤكد عبدالحق أنه ورغم الخسائر كان يعود ليزرع من جديد بدعم الجمعيات الزراعية، لكن بعد السابع من أكتوبر لم يعد ذلك ممكنًا، إذ يمنع الاحتلال المزارعين نهائيًا من دخول أراضيهم، في وقت يشكل فيه هذا الحزام المستهدف أكثر من 85% من زيتون سنجل. ويروي كيف سمح الاحتلال لبعض المزارعين بالدخول لساعتين فقط، ليجدوا الخراب يعم الأرض: أشجار مكسرة، مواشٍ رعَت الثمار، تخريب واسع لا يمكن إصلاحه بسهولة.
ويرسل عبدالحق ثلاث رسائل: للمؤسسات الرسمية بضرورة تسليط الضوء على معاناة المزارعين؛ ولأهالي قريته بالتشبث بالأرض مهما بلغت التضحيات؛ ولأحفاده بأن يحملوا الأمانة من بعده، فالأرض ـ كما يقول ـ ليست ملكًا لجيل واحد بل إرثًا يجب الحفاظ عليه مهما اشتد الظلم. ويختتم قوله: "نحن وزيتوننا باقون… جذورنا أعمق من كل اعتداء".
ويستعرض فياض فياض – مدير عام مجلس الزيتون الفلسطيني ، الصورة الكاملة لقطاع الزيتون في فلسطين من زاوية رقمية وفنية دقيقة، موضحًا أن متوسط الإنتاج خلال العشر سنوات الأخيرة بلغ 22,500 طن، إلا أن موسم 2025 يُتوقع أن لا يتجاوز 7,000–8,000 طن، نتيجة مزيج معقّد من العوامل المناخية والأمنية. ويؤكد وجود مخزون زيت بنحو 5,000–7,000 طن من العام الماضي، إلا أن الحاجة السنوية للسوق الفلسطيني تصل إلى 20 ألف طن، بما في ذلك 13 ألف طن للاستهلاك المحلي، و4 آلاف طن للخليج، وألف للأردن، و2,000 طن للتصدير الخارجي.
ويشير فياض إلى أن الموسم الحالي يعاني من "غش زيت الزيتون" الذي دخل الأسواق بشكل خطير، ما يهدد سمعة الإنتاج الفلسطيني. كما يوضح أن تقلبات المناخ لعبت دورًا رئيسيًا في انخفاض الإنتاج، حيث سجّلت الأمطار عجزًا بلغ 45%، ولم تتحقق البرودة اللازمة خلال المربعانية، إضافة إلى موجة حر استمرت ثلاثة أيام خلال الإزهار، ما أدى إلى "طفا النوار" وإتلاف آلاف البراعم.
أما تأثير الاحتلال، فيصنفه فياض إلى أربعة محاور: القوانين التقييدية التي تمنع إدخال الأسمدة وتعيق التصدير؛ المستوطنات والبؤر التي باتت تحاصر مساحات واسعة من الأراضي؛ الاعتداءات المباشرة التي تسببت منذ عام 1967 بفقدان مليون شجرة، بينها 250 ألف موثقة منذ 2010 و57 ألف شجرة أبيدت بعد السابع من أكتوبر فقط؛ والجدار الفاصل الذي عزل 40 ألف دونم تضم مليون شجرة لا يستطيع أصحابها الوصول إليها إلا أيامًا معدودة خلال 19 عامًا.
ويضيف فياض أن غزة تعرضت لدمار غير مسبوق، إذ أُبيد مليون ومئة ألف شجرة من أصل 1.2 مليون، وتوقف نحو عشر شركات زيت وتخليل عن العمل نتيجة الحرب. ويؤكد في ختام حديثه أن الحل الوحيد هو تماسك المجتمع الفلسطيني وتكاتف القرى والمزارعين، محذرًا من انتظار دور دولي لا يترجم فعليًا رغم التعاطف اللفظي، كما حدث في اجتماعات مجلس الزيتون الدولي التي انتهت دون ذكر فلسطين في بيانها الختامي.


