يونس العموري يكتب لوطن: على هذه الأرض ما يستحق الرثاء ...

08.11.2026 10:03 AM

أيها الجالسون فوق أنقاض الحلم، إلى متى ستظلون تتحدثون عن فلسطين كما لو أنها حكاية تخص الآخرين؟ وإلى متى ستستعيرون من دماء الشهداء شرعية لا تجدونها في وجوه الأحياء، وترفعون رايات التاريخ كي تحجبوا عري الحاضر؟ لقد طال مقامكم في المشهد حتى ظننتم أن الخشبة وطن، وأن المقاعد ميراث، وأن الذين يقفون خلفكم ليسوا سوى جمهور جاء ليصفق، لا شعب يملك حق السؤال والاعتراض والمحاسبة. لكن فلسطين ليست مقعدا يحرسه أصحابه، ولا راية يرفعها من يشاء متى شاء، ولا تاريخا مغلقا على أسماء الذين قرروا أن يبقوا في واجهة الصورة إلى الأبد.

لقد أكثرتم من الكلام حتى صار الصمت أبلغ من خطبكم، واستهلكتم مفردات المقاومة والصمود والتحرير حتى بدت الكلمات غريبة عن أصحابها. حولتم القضية إلى قاموس من الشعارات، والوطن إلى منصة للخطابة، والتضحيات إلى رصيد سياسي تستحضرونه كلما ضاقت بكم أسئلة الناس. صرنا نملك من الكلمات ما يكفي لتحرير العالم، ومن المواقف ما لا يكفي لحماية نافذة في بيت فلسطيني. أي مفارقة هذه التي تجعل من فلسطين حاضرة في كل خطاب وغائبة عن كل فعل؟ وأي زمن هذا الذي يصبح فيه الحديث عن التحرير بديلا عن امتلاك إرادته، وتتحول فيه القضية إلى مناسبة لاستعراض البلاغة السياسية فيما يتسع الخراب في حياة أصحابها؟

يا قادة الزمن المستهلك، ماذا بقي لكم من التاريخ لتختبئوا خلفه؟ كم مرة ستستحضرون الشهداء كي تؤجلوا محاكمة الأحياء؟ وكم مرة ستحدثوننا عن الثوابت فيما تتآكل الثوابت أمام أعيننا، وعن الوحدة فيما تتقاسمون ما تبقى من الجغرافيا والنفوذ، وعن الشرعية فيما تخشون الذهاب إلى الشعب والاحتكام إلى إرادته؟ لقد أصبحتم تتعاملون مع القضية كما لو أنها ملكية خاصة، ومع التمثيل الوطني كما لو أنه امتياز لا يجوز الاقتراب منه، ومع المؤسسة كما لو أنها عقار سياسي انتقلت ملكيته إليكم ولم يعد لأصحابه حق المطالبة بمفاتيحه.

الشهداء لم يتركوا دماءهم أمانة في أعناقكم كي تتحول إلى صكوك إعفاء من المساءلة، ولم يذهبوا إلى الموت كي يصبح العجز نظاما، ولا كي تتحول تضحياتهم إلى ديكور يزين منصات الخطباء. لم يتركوا لنا أسماءهم كي نعلقها على جدران المؤسسات، ثم نغلق الأبواب في وجه كل من يسأل عن مصير الحلم الذي ماتوا من أجله. الشهادة ليست تفويضا لمن بقي، والتضحية ليست ملكية خاصة للقيادات، والتاريخ لا يمنح أحدا حق احتجاز المستقبل. ومن يعتقد أن سنوات النضال تمنحه حصانة أبدية، عليه أن يتذكر أن التاريخ لا يحرس أحدا من أسئلة الذين دفعوا ثمنه.

لقد تحول المشهد السياسي الفلسطيني إلى مسرح بائس، تتغير فيه الأقنعة ولا تتغير الأدوار، وتغادر الكلمات أفواه أصحابها لتعود إلينا في كل موسم بالوعود ذاتها والخيبات ذاتها. خشبة مزدحمة بمن يرفضون النزول عنها، وستارة لا تسدل مهما انتهى العرض، وجمهور يطلبون منه أن يواصل التصفيق حتى بعدما انطفأت الأضواء وسقطت الديكورات فوق رؤوس الواقفين. قيادة تتحدث باسم شعب لا تمنحه حق مساءلتها، ومؤسسات ترفع شعار الشرعية فيما تخشى اختبارها، ونخب تتحدث عن المستقبل وهي أسيرة امتيازات الماضي. لقد اختلطت المواقع بالأوطان، والمصالح بالثوابت، والتمثيل بالاحتكار، حتى بات السؤال عن جدوى هذا كله فعلا يستدعي الاتهام والتخوين والتشكيك.

لا تحدثونا عن تعقيدات المرحلة قبل أن تحدثونا عن تعقيدات عجزكم. لا ترفعوا في وجوهنا خرائط موازين القوى وكأننا لا نعرف أن الاحتلال يمتلك السلاح والمال والدعم الدولي، نحن نعرف ذلك من بيوتنا التي سقطت، ومن أعمارنا التي استنزفها الانتظار، ومن أبواب الحياة التي أغلقت في وجوه أبنائنا. لكننا نريد أن نعرف ماذا فعلتم أنتم لتغيير هذه الموازين؟ ماذا صنعتم من وحدتنا الممزقة؟ وأي مشروع وطني بقي بعدما تحول الوطن إلى سلطات متنازعة، والمؤسسات إلى مواقع نفوذ، والقرار الوطني إلى رهينة الحسابات الضيقة؟ بأي حق تطلبون من شعبكم الصبر إلى ما لا نهاية، فيما لا تبدون استعدادا لمغادرة مواقعكم أو مراجعة خياراتكم أو الاعتراف بأن زمنا سياسيا كاملا قد استنفد مبررات بقائه؟

لقد جعلتم من الانتظار سياسة، ومن العجز خطابا، ومن الخلاف على المواقع معركة تستحق كل هذه السنوات من الاستنزاف. كل شيء قابل للتأجيل في قاموسكم، إلا امتيازات السلطة. يمكن تأجيل الانتخابات، وتأجيل الإصلاح، وتأجيل المصالحة، وتأجيل تجديد المؤسسات، وتأجيل استعادة الوحدة، أما البقاء في المواقع فلا يحتمل التأجيل. كأن الزمن الذي يمر على الناس لا يمر عليكم، وكأن أعمار الفلسطينيين ليست سوى مساحة إضافية للمناورة السياسية، وكأن الوطن يستطيع أن يظل معلقا إلى الأبد على حبال خلافاتكم ومصالحكم.

أما أولئك الذين أقاموا حول تاريخهم أسوارا من القداسة، وجعلوا من الوطنية محكمة تفتيش لنوايا الآخرين، فليعلموا أن فلسطين ليست معبدا سياسيا يحرس كهنته أبوابه، وأن الاختلاف ليس تدنيسا للمقدس، وأن مساءلة من يتحدثون باسم الشعب ليست خروجا على الوطنية. لقد أفرغتم المصطلحات من معانيها، ثم نصبتم أنفسكم حراسا لها، وصار كل من يقترب من مواقعكم متهما، وكل من يسأل عن إخفاقاتكم مشبوها، وكل من يطالب بالتغيير مطالبا أولا بإثبات براءته. أي وطن هذا الذي يحتاج فيه المواطن إلى تبرير حقه في السؤال؟ وأي حركة وطنية تلك التي تخشى أصوات أبنائها أكثر مما تخشى خصومها؟

ومن قال إن الفلسطيني ولد ليكون أيقونة للصبر، أو أن عليه أن يحمل إلى الأبد عبء البطولة كي يستحق الاعتراف بحقه في الحياة؟ من قال إن عليه أن يدفن أبناءه ثم يخرج من بين الركام ليقدم للعالم درسا جديدا في الصمود؟ لقد حولتم الإنسان الفلسطيني إلى صورة، وأثقلتم حياته بواجبات الرمز، حتى كأن من حق العالم أن يطالبه بالثبات في اللحظة التي ينهار فيها كل شيء حوله. يريدونه أن يكون بطلا لا يتعب، وأبا لا ينكسر، وأما لا تنفد دموعها، وطفلا يعرف كيف يتعايش مع الموت قبل أن يتعلم معنى الحياة. يريدونه أن يظل واقفا كي لا تسقط الصورة التي رسموها له، فيما لا يسأل أحد عن حقه في أن يجلس، وأن يستريح، وأن يحب، وأن يخطط لغد لا يشبه المقابر.

فلسطين ليست قصيدة رثاء، ولا صورة معلقة على جدار، ولا حكاية نستدعيها كلما ضاق بنا الحاضر. فلسطين إنسان يريد أن يعيش، وأرض يريد أصحابها أن يبقوا فيها، وذاكرة ترفض أن تتحول إلى سلعة في أسواق السياسة. ومن لا يرى فيها سوى رمزا فقد جردها من إنسانها، ومن لا يرى في شعبها سوى مادة للصمود صادر حقه في التعب والاعتراض والحياة. لا نريد أن نكون شهداء في كل خطاب، ولا ضحايا في كل صورة، ولا أبطالا في كل نشرة أخبار. نريد أن نكون بشرا، وأن يكون لنا من الحياة ما يكفي لنعيش دون أن نضطر في كل صباح إلى إثبات قدرتنا على احتمال الموت.

لقد أتقنا صناعة الأصنام السياسية، ثم غضبنا حين اكتشفنا أنها لا تتحرك. رفعنا الأشخاص فوق مقاماتهم، وأحطنا المؤسسات بهالات من القداسة، وخلطنا بين احترام التاريخ وتعطيل الحاضر،

وبين الوفاء للتضحيات والصمت على الذين يتحدثون باسمها. وحين حاول أحدهم كسر دائرة الصمت، تقدمت جوقة التخوين لتلقنه درس الطاعة، وكأن القضية ملك لمن يديرونها لا لمن دفعوا أعمارهم ثمنا لها. هكذا أصبح بعضنا يخشى السؤال أكثر مما يخشى استمرار الخراب، ويخاف على وحدة الخطاب أكثر مما يخاف على وحدة المصير، ويدافع عن بقاء المؤسسات بصورتها القائمة فيما يتآكل مضمونها أمام أعين الجميع.

وما أخشاه أن تكون قد نجحت هذه المنظومة في تحويل العجز إلى جزء من تربيتنا السياسية، وأن نكون قد بلغنا من الاعتياد على الخذلان حدا صرنا معه نبحث له عن الأعذار، ونخشى التغيير أكثر مما نخشى استمرار الكارثة. أن يصبح سقف أحلامنا هو ما تسمح به حدود العجز، وأن نعتاد رؤية الخراب حتى لا تعود الجدران المتساقطة تثير فينا الدهشة، وأن يتحول المستقبل إلى غرفة انتظار طويلة، يجلس فيها شعب بأكمله بينما يتنازع حراس الماضي على مفاتيح الأبواب. فليس أخطر من احتلال الأرض سوى أن يصبح الوعي أسيرا للحدود التي رسمها الاحتلال، وأن تتحول السياسة التي يفترض أن تقود إلى التحرر إلى حارس إضافي على أبواب العجز.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول هذه المكاشفة إلى جلد للضحية، ولا أن تختلط المسؤوليات حتى نساوي بين من يحتل الأرض ويمارس الجريمة، وبين شعب يدفع ثمنها من دمه وبيته وأطفاله. الاحتلال مسؤول عن احتلاله وجرائمه، ولا تسقط هذه المسؤولية مهما بلغ عجزنا أو اختلفت خياراتنا. لكن جرائم الاحتلال ليست رخصة مفتوحة لمن يتحدثون باسمنا كي يعفوا أنفسهم من المحاسبة، وليست ستارا يجوز لهم أن يختبئوا خلفه كلما اقترب السؤال من مواقعهم. لا وفاء لفلسطين في الصمت على إخفاقات من يديرون شؤونها، ولا قداسة لقيادة تخشى شعبها، ولا وطنية في تحويل النقد إلى تهمة والخلاف إلى خيانة.

فليغضب من يغضب، وليضق صدر من تضيق صدورهم. لم يعد لدينا ما يكفي من العمر لمجاملة الذين يطلبون منا الصبر فيما يحتفظون لأنفسهم بحق البقاء. نريد وطنا لا يكون فيه السؤال جريمة، ومؤسسة لا تخاف شعبها، وقيادة تعرف أن المواقع ليست أوطانا، وأن الشرعية ليست ميراثا، وأن التاريخ لا يمنح أحدا حق احتجاز المستقبل. نريد حركة وطنية تستعيد روحها قبل شعاراتها، وتستعيد الإنسان قبل أن تتحدث عن الدولة، وتفهم أن التحرر يبدأ بتحرير القرار الوطني من الارتهان، والمؤسسة من الامتياز، والوعي من الخوف، والمستقبل من قبضة الذين يعتقدون أن بقاءهم شرط لبقاء القضية.

لقد تعبنا من دفن أحلامنا في مقابر الكلمات، ومن سماع المواعظ ذاتها على أنقاض البيوت، ومن رؤية الذين صنعوا الخيبة يخرجون في كل مرة ليحدثونا عن الصبر. تعبنا من وطن نحمله في قلوبنا، فيما يتعامل معه بعض الذين يتحدثون باسمه كما لو أنه منصب لا يريدون مغادرته. تعبنا من أن نظل شهودا على التاريخ فيما يتصرف آخرون كأنهم أصحابه الوحيدون، ومن أن نؤجل حياتنا حتى يفرغ أصحاب السلطة من خلافاتهم، أو يقرروا أن الوقت قد حان كي يسمحوا للمستقبل بالدخول.

ولعل أقسى ما يمكن أن يقال في نهاية هذه الحكاية أن فلسطين لم تخذل أبناءها، ولم تخن أحلام الذين ماتوا من أجلها، لكن الذين تعهدوا بحمل الحلم لم يكونوا جميعا على قدر ثقله. سيكتب التاريخ أسماء الذين احتلوا الأرض ودمروا البيوت، لكنه لن يغفل أسماء الذين امتلكوا فرصة حماية المشروع الوطني فاختاروا حماية مواقعهم، والذين كان عليهم أن يقودوا شعبا نحو الحرية فانتهى

بهم الأمر إلى إدارة انتظاره. سيعرف التاريخ من أغلق الأبواب في وجه فلسطين، ومن وقف خلفها ممسكا بالمفاتيح، ومن أقنع الناس بأن الطريق مغلق إلى أن يحين موعد آخر لا يأتي.

هذه ليست مرثية لفلسطين، ففلسطين أكبر من أن ترثى، وأبقى من أن ينال منها عجز جيل أو إخفاق قيادة. إنها مرثية لزمن سياسي ظن أن بإمكانه البقاء إلى الأبد فوق أكتاف شعب لا ينفد صبره، ولا تنتهي تضحياته، ولا يحق له، في نظرهم، أن يقول كفى. زمن ظن أن الذاكرة بديل عن المستقبل، وأن الشرعية يمكن أن تعيش بلا مساءلة، وأن الأوطان يمكن أن تبقى رهينة لمن يحتكرون مفاتيحها. لكن فلسطين ليست ملكا لحراس المقاعد، ولا التاريخ مزرعة لمن ورثوا مفاتيحه. وسيأتي يوم يدرك فيه الذين أغلقوا الأبواب أن الوطن لم يكن خلفها، وأن الشعب الذي تركوه طويلا في الانتظار كان هو الوطن الذي ادعوا حراسته.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير