فلسطين في خطابات العالم.. حين تتكاثر الكلمات وتبقى الحقيقة على الأرض

26.09.2026 06:37 AM

كتب اسماعيل جمعة الريماوي: لم تكن فلسطين في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد قضية حاضرة في خطابات بعض القادة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا التي فرضت نفسها على المنبر الدولي، حتى بدا أن من الصعب على أي خطاب رئيسي أن يتجاوز غزة والضفة الغربية والقدس والاستيطان والدولة الفلسطينية ، لكن قراءة هذه الخطابات لا تكشف فقط حجم الحضور الفلسطيني، وإنما تكشف أيضًا اتساع الفجوة بين مواقف الدول، وبين اللغة التي تستخدمها، وبين ما تستطيع أو تريد فعله على الأرض.

في افتتاح أعمال الجمعية العامة، وضع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش القضية الفلسطينية ضمن الأزمات التي تختبر النظام الدولي والقانون الدولي ، وفي كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته، جدد تمسكه بحل الدولتين، وحذر من استمرار الحروب ومن تآكل قواعد النظام الدولي، مؤكدًا أن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة يواجه خطرًا متزايدًا بسبب الوقائع التي تتغير على الأرض.

لكن الخطاب الأممي، رغم وضوحه ، يكشف في الوقت نفسه مأزق الأمم المتحدة نفسها ، فالمؤسسة الدولية تستطيع أن تحذر وتشجب وتصدر القرارات، لكنها تواجه حدودًا واضحة عندما تصطدم إرادتها بإرادة القوى الكبرى ، ولذلك تبدو القضية الفلسطينية في الجمعية العامة وكأنها اختبار مزدوج: اختبار لما يجري في فلسطين، واختبار لقدرة النظام الدولي على تطبيق المبادئ التي يتحدث عنها.

ومن الجانب العربي، جاء خطاب الملك عبدالله الثاني من أكثر الخطابات التي حاولت قراءة القضية الفلسطينية ضمن سياقها الأوسع ، فالأردن لم يتعامل مع غزة والضفة باعتبارهما ملفين منفصلين، وإنما ربط بين استمرار الحرب في غزة وبين ما يجري في الضفة الغربية من توسع استيطاني وتهجير ومصادرة أراضٍ، محذرًا من أن سياسات الحكومة الإسرائيلية أصبحت تهدد مستقبل الدولة الفلسطينية والاستقرار الإقليمي ، وقد جاء الرد الإسرائيلي على خطاب الملك ليؤكد حجم الحساسية التي أثارها الخطاب في الجانب الإسرائيلي.

وهنا تبرز أهمية الخطاب الأردني؛ لأنه لا يتحدث فقط عن وقف الحرب، بل عن المسار الذي يلي الحرب ، فالمشكلة الفلسطينية، وفق هذه القراءة، ليست غزة وحدها، وإنما ما يحدث في الضفة الغربية والقدس أيضًا ، فإذا انتهت الحرب في غزة بينما استمر الاستيطان والتهجير ومصادرة الأراضي في الضفة، فإن العالم قد يكون أنهى جولة عسكرية دون أن يقترب من حل القضية.

أما أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فقد جمع في خطابه بين فلسطين والأزمة الإقليمية الأوسع ، فإلى جانب حديثه عن خطورة الحرب في المنطقة والحاجة إلى الدبلوماسية، أكد أن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن غياب نظام أمني إقليمي عادل، معتبرًا أن الحديث عن نظام دولي عادل يبقى ناقصًا ما دامت فلسطين تعاني، كما وصف ما جرى في غزة بأنه إبادة.

ويكشف الخطاب القطري عن نقطة أخرى مهمة: غزة لم تعد في الخطاب العربي مجرد قضية إنسانية، وإنما أصبحت مرتبطة بأمن المنطقة ومستقبلها، وهذا التحول له دلالته؛ لأن استمرار الحرب لم يعد يُقرأ فقط باعتباره مأساة فلسطينية، بل باعتباره عاملًا يعيد تشكيل العلاقات والأمن والتحالفات في الشرق الأوسط.

أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فذهب باتجاه مختلف قليلًا، إذ ربط القضية الفلسطينية بأزمة النظام الدولي نفسه، وانتقد عجز الأمم المتحدة عن أداء دورها، ودعا إلى توسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإصلاح المؤسسات الدولية.

وبذلك نجد أن الخطاب التركي لا يكتفي بالحديث عن إسرائيل وفلسطين، بل يضع القضية في إطار أوسع: أزمة نظام دولي يرى أردوغان أنه لم يعد قادرًا على التعامل بصورة متوازنة مع الأزمات والحروب.

وفي المقابل، جاء خطاب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ليضيف بعدًا أوروبيًا شديد الوضوح إلى هذه الصورة ، سانشيز لم يستخدم اللغة الدبلوماسية التقليدية التي تكتفي بالدعوة إلى السلام، بل تحدث بصورة مباشرة عن غزة، وأعلن أن حكومته تدين ما وصفه باستمرار الإبادة في القطاع، وأشار إلى حظر مدريد تصدير السلاح إلى إسرائيل ، كما وضع موقف إسبانيا ضمن موقف أوسع ضد ما وصفه بحروب العدوان، متناولًا أوكرانيا ولبنان وإيران إلى جانب غزة.

أهمية خطاب سانشيز أنه جاء من عاصمة أوروبية، لا من دولة عربية أو إسلامية ، وهذا يجعل حضوره في النقاش الفلسطيني مختلفًا من حيث الدلالة السياسية، فإسبانيا كانت من الدول الأوروبية التي اعترفت بدولة فلسطين، وسانشيز يحاول في خطابه أن يجعل الموقف الإسباني جزءًا من تصور أوسع يقوم على أن احترام القانون الدولي لا يمكن أن يكون انتقائيًا.

وهنا يلتقي الخطاب الإسباني مع الخطاب الأممي والعربي في نقطة أساسية، لكنه يختلف عنها في درجة التركيز على مسؤولية الدول ، فالعرب يتحدثون عن وقف الحرب والتهجير والاستيطان وإقامة الدولة الفلسطينية، والأمم المتحدة تتحدث عن القانون الدولي وحل الدولتين، بينما يضيف سانشيز سؤالًا يتعلق بما تستطيع الحكومات الأوروبية أن تفعله عندما ترى ما تعتبره انتهاكات للقانون الدولي.

ولم يكن سانشيز وحده في هذا الاتجاه الأوروبي ، فقد انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طريقة التعامل مع أزمة غزة، وانتقد عنف المستوطنين، بما يعكس أن الملف الفلسطيني أصبح حاضرًا بقوة في النقاش الأوروبي حول السياسة الخارجية والقانون الدولي.

أما الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، فقد أضاف إلى هذا المشهد صوتًا من خارج العالم العربي وأوروبا، فقد تحدث عن الآثار الممتدة للحرب على أجيال الفلسطينيين، وانتقد ما اعتبره عجزًا دوليًا أمام ما يجري في غزة، وربط القضية الفلسطينية بأزمة أوسع في النظام متعدد الأطراف.

وهكذا، فإن فلسطين في هذه الجمعية العامة لم تعد قضية عربية تتحدث باسمها الدول العربية وحدها ، هناك صوت أممي، وأصوات أوروبية، وأصوات من أميركا اللاتينية، وتركيا، إلى جانب المواقف العربية، وكلها تلتقي عند نقاط مختلفة حول ضرورة وقف الحرب، وحماية المدنيين، ورفض التهجير، والحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية.

لكن وسط هذا المشهد، يأتي الخطاب الأميركي في اتجاه مختلف في الأولويات، فقد ركز الرئيس دونالد ترامب جزءًا كبيرًا من خطابه على إيران والحرب الإقليمية، بينما كان حضوره في الملف الفلسطيني مختلفًا عن الحضور الذي ظهر في خطابات عدد من القادة الآخرين ، وبحسب التقارير عن خطابه، ذكر إسرائيل مرة واحدة فقط ولم يذكر بنيامين نتنياهو، بينما احتلت إيران مساحة كبيرة من كلمته.

وهذه المفارقة تستحق التوقف ، ففي الوقت الذي تصدرت فيه فلسطين خطابات الملك عبدالله وأمير قطر وأردوغان وغوتيريش وسانشيز ولولا، لم تحتل القضية الموقع نفسه في الخطاب الأميركي ، وهذا لا يعني غياب الملف الفلسطيني عن السياسة الأميركية، لكنه يكشف اختلافًا واضحًا في ترتيب الأولويات والخطاب السياسي أمام الجمعية العامة.

والنتيجة الأهم من قراءة هذه الخطابات مجتمعة هي أن العالم لم يعد مختلفًا كثيرًا حول تشخيص الأزمة الفلسطينية بقدر اختلافه حول كيفية التعامل معها ، فهناك اتفاق واسع على أن غزة شهدت كارثة إنسانية هائلة، وأن الاستيطان والتهجير في الضفة يمثلان خطرًا على حل الدولتين، وأن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها إذا كان المطلوب تحقيق استقرار دائم في المنطقة.

لكن السؤال الذي بقي معلقًا فوق قاعة الأمم المتحدة هو: ماذا بعد الخطابات؟

فالكلمات القوية لا توقف مستوطنة، والبيانات لا تمنع مصادرة أرض، والاعتراف بالدولة الفلسطينية لا يكفي وحده لحمايتها من التآكل الجغرافي والسياسي، والتحذير من التهجير لا يعيد بالضرورة من هُجّر إلى بيته.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي كشفتها الدورة الحالية للجمعية العامة: كلما ازداد الحضور الفلسطيني في خطابات قادة العالم، بدا الواقع الفلسطيني أكثر حاجة إلى ترجمة هذا الحضور إلى فعل سياسي.

فلسطين لم تعد بحاجة إلى إثبات أنها قضية دولية ، خطابات قادة العالم أثبتت ذلك ، ولم تعد بحاجة إلى إثبات أن الاستيطان والاحتلال والتهجير هي جوهر الصراع؛ معظم الخطابات الدولية أصبحت تتحدث عن ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، القضية الآن هي الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل.

وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي تتركه الجمعية العامة للعالم: هل تكون هذه الدورة مجرد موسم جديد للخطب والبيانات، أم بداية لتحول في السياسات؟ هل يتحول الحديث عن الدولة الفلسطينية إلى حماية فعلية لإمكانية قيامها؟ وهل تتحول التحذيرات من الاستيطان والضم والتهجير إلى إجراءات قادرة على وقف تغيير الواقع؟

إن فلسطين في نيويورك لم تكن غائبة عن أحد، بل ربما كانت أكثر حضورًا من أي وقت مضى في خطابات قادة العالم ، لكن الفلسطينيين لا يعيشون في قاعة الجمعية العامة، بل يعيشون على الأرض؛ وهناك لا تُقاس المواقف بعدد الكلمات، وإنما بما تستطيع هذه الكلمات أن تمنعه أو تغيره.

لقد تحدث العالم كثيرًا عن فلسطين، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد أن تنتهي الخطب وتغلق أبواب الجمعية العامة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير