طوابير المياه حكاية انتظار وصراع في غزة

25.09.2026 08:27 PM

 

كتبت الصحفية آمنة الدبش: تحت وطأة الدمار والحصار المائي تحولت طوابير المياه في قطاع غزة إلى مشاهد مأساوية وصراعات يومية في ظل النقص الحاد في المياه وخروج محطات التحلية وشبكات الضخ عن الخدمة واقع دفع آلاف النازحين إلى الانتظار لساعات أمام شاحنات توزيع المياه وسط ازدحامات ومشادات وشجارات وتوتر على أولوية الدور وكميات المياه تطورت في بعض الحالات إلى اعتداءات وسقوط ضحايا .

▪︎ انعدام الأمن المائي
تشير المعطيات الانسانية وفق منظمة اليونيسف (UNICEF) يعاني 82% من الأسر في قطاع غزة من انعدام الأمن المائي فيما لا يحصل نحو 70% من السكان على الحد الأدنى البالغ 6 لترات يومياً للفرد لأغراض الشرب والطهي.
وفي مارس/آذار 2026 بلغ إنتاج محطات تحلية مياه البحر نحو 20 ألف متر مكعب يومياً قبل أن يتراجع إلى نحو 16 ألف متر مكعب يومياً نتيجة نقص زيوت المحركات وقطع الغيار.
وتكشف نتائج مسح ميداني أجرته جمعية أصحاب محطات تحلية المياه في قطاع غزة في يوليو/تموز 2026 وشمل 22 محطة في محافظات القطاع حجم الصعوبات التي تواجهها المحطات في الحفاظ على استمرارية التشغيل فقد تعرضت 82% من المحطات المشمولة بالمسح لأضرار نتيجة الحرب بينما أفادت 77% منها بأن الوقود المتوفر غير كافٍ لتغطية احتياجات التشغيل بينما تعاني 91% من نقص الأغشية والفلاتر.
وتشير هذه الأرقام أن أزمة المياه في غزة تتجاوز نقص الإمدادات والطاقة لتعمّق المعاناة الإنسانية اليومية لسكان القطاع.

▪︎ ساحة صدام
خلف كل مشادة في طوابير المياه مأساةٌ أكبر فحين يصبح الحصول على قطرة ماء معركةً يومية تتحول الحاجة إلى توتر والطابور إلى ساحة صدام في واقعٍ يختبر قدرة النازحين والمجتمعات المحلية على الاحتمال.
من جهته يوضح مندوب مخيم مكة وطيبة خالد الشاعر " أن أزمة المياه لا تقتصر على شح الإمدادات فشاحنات المياه تواجه أيضاً صعوبات في الوصول إلى المخيمات بسبب تضرر الطرقات وضيق الممرات ما يزيد من الازدحام والضغط على نقاط التوزيع."
ويشير الشاعر إلى "أن جانباً من المشكلة يرتبط بالوعي الثقافي المجتمعي وكيفية التعامل مع هذه الظروف مؤكداً أن احترام الآخرين والالتزام بالدور والتعاون بين النازحين إلى جانب تنظيم عملية التوزيع عوامل أساسية للحد من المشادات وضمان وصول المياه إلى الجميع بعدالة."

وفي مخيم النادي يركز مندوب المخيم عمر الشاعر على " أهمية التنظيم الميداني من خلال ضبط عملية الاصطفاف ومنع التجمع العشوائي حول شاحنات المياه للحد من الازدحام واحتواء الخلافات قبل تصاعدها مؤكداً أن التدخل المبكر وتنظيم الدور يساعدان في منع المشادات وضمان وصول المياه إلى النازحين بصورة أكثر انتظاماً."

ويضيف " أن تفاوت الاحتياجات وقيام بعض المزارعين بالحصول على كميات أكبر من المياه يؤدي في بعض الأحيان إلى وصول كميات أقل إلى بقية النازحين ما يزيد من حدة التوتر بين المنتظرين".

▪︎ شهادات النازحين
لا تقتصر تداعيات أزمة المياه على صعوبة الحصول عليها بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيمات حيث يواجه النازحون ضغوطاً متزايدة مع كل طابور انتظار.

يشير أحد النازحين إلى "أن ندرة المياه تزيد الاحتكاك والمنافسة والضغط على الأسر وتخلق بيئة خصبة للنزاعات المحلية خصوصاً مع تجمع أعداد كبيرة من النازحين أمام صهاريج المياه ويوضح أن طول الانتظار والخوف من عدم الحصول على الكمية الكافية يدفعان البعض إلى التوتر والانفعال ما قد يحول الخلافات البسيطة حول الدور أو الكمية إلى مشادات ومشاجرات داعياً إلى تنظيم الطوابير وتعزيز التعاون ومراعاة ظروف الجميع للحد من هذه التوترات."

وفي شهادة مؤثرة يصف المواطن جهاد احمد واقع المياه داخل مخيمه قائلاً " ان هناك مشكلة كبيرة في عدم توفر المياه المالحة للاستخدامات اليومية والمياه الصالحة للشرب ما يدفع النازحين إلى الاعتماد على الصهاريج لتلبية احتياجاتهم الأساسية ومع وصول أي صهريج تتجمع أعداد كبيرة من النازحين حوله في محاولة للحصول على المياه ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى التدافع والازدحام وسط خوف من نفاد الكمية قبل أن تتمكن الأسر من تأمين حاجتها."

▪︎ تدخلات عاجلة
في ظل تكرار التوتر بين المنتظرين تبرز الحاجة إلى حلول لا تقتصر على معالجة الخلافات لحظة وقوعها بل تمتد إلى تعزيز الوعي والتعاون بين النازحين وتهيئة بيئة أكثر هدوءاً أثناء الحصول على المياه.

يرى الناشط المجتمعي (م.ع) " أن المشادات داخل طوابير المياه لا تنفصل عن الظروف القاسية التي يعيشها النازحون في ظل الاحتلال وما يرافقها من نقص المياه ومحدودية الإمدادات ما يزيد الضغط والتوتر أثناء الحصول عليها ، مشيراً إلى أن الحد من هذه الإشكاليات يتطلب تنظيم عملية التوزيع بشكل واضح من خلال تحديد الأدوار والكميات مسبقاً ووجود أشخاص من المخيمات للإشراف على الطوابير والتدخل عند حدوث أي خلاف إلى جانب تنظيم ورشات عمل وندوات توعوية للنازحين حول أهمية الالتزام بالدور واحترام الآخرين وآليات التوزيع بما يسهم في تخفيف التوتر والحد من الخلافات."

وعلى مستوى الاستجابة الرسمية عقدت سلطة المياه اجتماعاً للجنة التوجيهية لمشروع إمدادات المياه لقطاع غزة لبحث سبل تعزيز الاستجابة الطارئة وضمان استمرار خدمات المياه في القطاع.
وأكد رئيس سلطة المياه الوزير زياد الميمي أهمية التدخلات العاجلة لتحسين الوضع المائي في غزة فيما أقرت اللجنة تعديلات طارئة على موازنة المشروع لتعزيز وصول المياه إلى المواطنين.
وشملت التدخلات تشغيل محطات التحلية وتوفير احتياجاتها التشغيلية والطاقة وإدخال وحدات متنقلة لتحلية المياه إلى جانب توسيع نقل المياه بالصهاريج وزيادة نقاط التوزيع في المناطق الأكثر تضرراً.

وفي إطار تسليط الضوء على تداعيات أزمة المياه في قطاع غزة عقد رئيس مجلس إدارة جمعية أصحاب محطات تحلية المياه في غزة احمد أبو جميزة مؤتمراً صحفياً تناول خلاله واقع أزمة المياه وتداعيات الحرب على قطاع المياه موضحاً أن عدد محطات تحلية المياه تراجع بشكل كبير جراء الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب."

اشار ابو جميزة " ان عدد المحطات كانت تبلغ نحو 250 محطة قبل الحرب بينما بلغ عدد المحطات حاليا 74 محطة اي ما يعادل 29.6% من عدد المحطات السابقة بانخفاض يتعدى الـ 70.4% ورغم هذا التراجع الكبير تتنج المحطات نحو 24.053 متراً مكعب من المياه يومياً ولكن استمرار تشغيل المحطات اصبح مهدداً بشكل مباشر سبب نقص مواد التشغيل والصيانة وقطع الغيار."

وطالب أبو جميزة بفتح المعابر أمام إدخال المواد الأساسية المرتبطة بقطاعات المياه والطاقة والنقل والإنتاج وتمكين المنشآت من مواصلة عملها وضمان استمرار خدماتها مؤكداً أن توفير مستلزمات التشغيل لا يمثل مطلباً اقتصادياً فحسب وإنما يرتبط بشكل مباشر باستمرار الخدمات الأساسية وشريان الحياة للمواطنين والنازحين في قطاع غزة."

في غزة لم تعد طوابير المياه مجرد مشهد يومي بل أصبحت انعكاساً لأزمة إنسانية تتداخل فيها ندرة المياه مع النزوح والدمار وتراجع الخدمات الأساسية وبينما ينتظر النازحون دورهم للحصول على جالون ماء تبقى الحاجة إلى حلول تضمن وصول المياه بصورة منتظمة وعادلة وتحفظ في الوقت ذاته كرامة الإنسان وحقه في الحصول على أبسط مقومات الحياة هكذا تختصر قطرة الماء في غزة حكاية شعب.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير