الدولة مؤجلة والشرعية معلقة
سمير حمدان يكتب لوطن: هل انتهت صلاحية البنية السياسية الفلسطينية؟

قد تكون فلسطين أمام واحدة من أغرب مفارقات التاريخ السياسي، مؤسسات الدولة بدأت تشيخ قبل أن تولد الدولة نفسها، فبعد ثمانية وسبعين عاماً على النكبة، بُني تمثيل وطني وسلطة وأجهزة وإدارة، لكن السيادة بقيت مؤجلة، وما أُنشئ جسراً نحو الدولة أصبح أكثر رسوخاً من الدولة التي ينتظرها، والخطر أن تصل أخيراً فتجد بنية سياسية صُممت لعالم لم يعد موجوداً .
كانت منظمة التحرير إنجازاً تاريخياً، لأنها منحت شعباً موزعاً بين الاحتلال واللجوء والشتات عنواناً سياسياً، ثم جاءت أوسلو فانتقلت أجزاء من حركة التحرر إلى إدارة السكان تحت احتلال لم ينته، وهنا ولد التناقض، مؤسسة يفترض أن تقود إلى السيادة أصبحت مطالبة بإدارة غياب السيادة، وكلما طال المؤقت تضخمت الإدارة ومصالحها، بينما بقي التحرر مؤجلاً .
حذر إدوارد سعيد مبكراً من مخاطر تحويل أوسلو إلى حكم ذاتي مقيد، ودرس يزيد صايغ بناء مؤسسات الحركة الوطنية قبل الدولة، فيما وصف رشيد الخالدي الحركة الوطنية لاحقاً بأنها تعاني الانقسام وغياب الاتجاه الاستراتيجي، والجامع بين القراءات الثلاث سؤال واحد، ماذا يحدث عندما تعيش المؤسسة أطول من المرحلة التي أنشأتها .
ثم جاء الانقسام بين فتح وحماس ليقسم مصدر الشرعية، لكن فتح نفسها تكشف معضلة أعمق، فهي تضم أجيالاً ورؤى ومراكز قوة مختلفة، ومع اقتراب الانتخابات تتحول المحافظة على وحدة القائمة وموقع الحركة إلى حافز مؤسسي مشترك، مهما بقي الخلاف على القيادة والتجديد، والمشكلة هنا ليست في النيات، بل في الحوافز، فالبنية تكافئ القدرة على التماسك للفوز أكثر مما تكافئ القدرة على الاختلاف لإنتاج مشروع جديد .
والأرقام تجعل السؤال أكثر إلحاحاً، ففي استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في آب ٢٠٢٦ تساوى تأييد فتح وحماس عند ٢٤ في المئة لكل منهما، وقال ٤٤ في المئة إن أياً منهما لا يستحق القيادة، كما أظهر الاستطلاع أن ٦٧ في المئة لا يتوقعون انتخابات حرة ونزيهة، إنها ليست أغلبية لبديل جاهز، بل فجوة بين المجتمع وآليات تمثيله .
وهنا يجب ألا تصبح الانتخابات مساراً منفصلاً عن التغيير، بل بوابته، فالصندوق لا ينبغي أن يعيد توزيع المقاعد فقط، بل أن يفتح المؤسسات أمام المجتمع، والنظام الجديد للمجلس الوطني يخصص ١٥٠ من أصل ٣٥٠ مقعداً للشتات، أي أكثر من أربعة أعشار المجلس، لكن الاختبار ليس في العدد وحده، بل في تحويل الحصة القانونية إلى مشاركة فعلية .
ومن هذه الفجوة يمكن أن يظهر تجمع فلسطيني للتجديد، منصة تبدأ بمؤتمر تأسيسي يضم كفاءات وشخصيات مستقلة وشباباً وخبرات من الداخل والشتات، تختار قيادة محددة المدة، وتعلن تمويلها ومعايير مرشحيها، ثم تدخل الانتخابات ببرنامج واضح، الكفاءة بدل المحاصصة، والبرنامج بدل الولاء، والمساءلة بدل المواقع الدائمة، وظيفتها ليست إضافة مركز قوة، بل فتح الطريق إلى مراكز القوة أمام من بقي خارجها .
ولا يمكن فصل ذلك عن احتلال يقيد الأرض والحدود والحركة والاقتصاد، لكن الاحتلال لا يجوز أن يتحول إلى مبرر دائم لتعليق المحاسبة، وإلا أصبح الاستثناء قاعدة، والمؤقت مصدراً للسلطة .
ومن هنا تأتي فكرة دستور للشرعية قبل دستور الدولة، ميثاق انتقالي يفصل بين التمثيل الوطني وإدارة الحكم وقيادة المشروع السياسي، ويحدد الصلاحيات والمحاسبة وانتقال السلطة، بحيث لا يتحول التاريخ أو السلاح أو المؤسسة إلى حق دائم في القرار .
أمام الفلسطينيين ثلاثة سيناريوهات، انتخابات تغير الأشخاص وتبقي القواعد، إصلاح يغير الصلاحيات والرقابة لكنه يبقي الهيكل، أو إعادة تأسيس تغير قواعد التمثيل والتفويض وانتقال السلطة، الأول يبدل الوجوه، والثاني يحسن الأداء، والثالث يعيد إنتاج القيادة على أسس جديدة .
والمفاجأة أن الدولة قد لا تنهي الأزمة، بل تثبتها، فإذا ورثت المؤسسات المؤقتة والتوازنات القديمة، فقد تمنح أزمة الشرعية حدوداً وعلماً وموازنة .
بعد ثمانية وسبعين عاماً على النكبة، المأساة أن الدولة تأخرت، لكن التجديد قد يكون مطلوباً قبل وصولها، فالسؤال الفلسطيني القادم ليس من سيرث القيادة، بل كيف نمنع القيادة من أن تصبح إرثاً، لأن الدولة لا تحتاج فقط إلى حدود واعتراف، بل إلى بنية سياسية تستحقها .
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


