عامان على اغتيال نصرالله.. كيف قادت الاستخبارات الإسرائيلية إلى هدفها في الضاحية؟

26.09.2026 08:44 PM

وطن للأنباء: مع حلول 27 أيلول، تمرّ عامان على اغتيال الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصرالله، في غارة إسرائيلية استهدفت المقر المركزي للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت، في عملية شكّلت واحدة من أبرز العمليات العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية خلال الحرب مع الحزب.

ومنذ الساعات الأولى للعملية، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية نشر تفاصيل متلاحقة حول كيفية تحديد موقع نصرالله، وآلية اتخاذ القرار السياسي والعسكري باستهدافه، وصولاً إلى تفاصيل الضربة الجوية. وخلال العام التالي، ظهرت معلومات إضافية من الجيش الإسرائيلي و«الموساد» حول الدور الذي لعبته الاستخبارات والعملاء العاملون داخل بيروت.

وتستند غالبية هذه التفاصيل إلى الرواية الإسرائيلية الرسمية أو إلى تقارير صحافية إسرائيلية نقلت عن مسؤولين عسكريين وأمنيين، فيما لا يمكن التحقق بصورة مستقلة من بعض التفاصيل العملياتية والاستخبارية الواردة فيها.

معلومات استخبارية قادت إلى الهدف
بحسب ما أوردته صحيفة «إسرائيل هيوم»، حصلت إسرائيل على معلومات استخبارية أفادت بوجود نصرالله داخل منشأة تحت الأرض في الضاحية الجنوبية، فيما كان القرار المبدئي بتنفيذ العملية قد اتُّخذ قبل أيام، بانتظار معلومات إضافية لتأكيد وجوده في الموقع.

ووفق الرواية نفسها، حافظت القيادة الإسرائيلية على مظهر يوحي بأن الأمور تسير بصورة طبيعية، في وقت كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يستعد للسفر إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي أن سفر نتنياهو إلى نيويورك دخل ضمن خطة خداع هدفت إلى دفع نصرالله للاعتقاد بأن إسرائيل لن تنفذ عملية كبيرة أثناء وجود رئيس حكومتها خارج البلاد.

أما «نيويورك تايمز»، كما نقلت عنها «إسرائيل هيوم»، فأفادت بأن معلومات استخبارية أشارت إلى عقد نصرالله اجتماعاً لقيادة الحزب داخل منشأة تحت الأرض جنوب بيروت، وأن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كانت تعرف بوجود المنشأة أسفل مبانٍ سكنية في منطقة مكتظة بالسكان.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، أدت معلومات في الوقت الحقيقي إلى تأكيد وجود نصرالله داخل الموقع، لتصدر بعدها الأوامر بتنفيذ الغارات.

عشرات القنابل في ثوانٍ
وفق صحيفة «يديعوت أحرونوت»، كانت طائرات مقاتلة إسرائيلية في حالة تأهب فوق لبنان خلال الأيام التي سبقت العملية، بانتظار المعلومات التي تسمح باستهداف قيادة «حزب الله».

وبحسب تفاصيل ظهرت لاحقاً، نقلت «تايمز أوف إسرائيل» عن مسؤولين دفاعيين إسرائيليين أن إسرائيل كانت تعرف موقع نصرالله منذ أشهر، وأن أكثر من 80 قنبلة أُلقيت خلال العملية، ما أدى إلى تدمير ستة مبانٍ في الضاحية الجنوبية.

وأضافت الصحيفة أن طائرات من طراز F-15I نفذت المهمة، بمشاركة طيارين من الاحتياط إلى جانب الطيارين النظاميين، وأن عشرات الذخائر أصابت الموقع خلال ثوانٍ.

وفي أيلول 2025، كشفت شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تفاصيل إضافية، بحسب ما أوردته «جيروزاليم بوست» و«واللا»، مشيرة إلى أن العملية نُفذت عند الساعة 18:21 من يوم 27 أيلول 2024، ضمن عملية أطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم «النظام الجديد».

وبحسب الرواية نفسها، أسقط سلاح الجو الإسرائيلي 83 قنبلة بصورة متزامنة على الموقع الواقع تحت الأرض، ما أدى إلى مقتل نصرالله وقائد جبهة الجنوب في «حزب الله» علي كركي وعدد من القيادات الموجودة في المقر.

قرار الضربة اتُّخذ في نيويورك
تكشف الرواية الإسرائيلية أن قرار استهداف نصرالله مرّ بمراحل سياسية وعسكرية متسارعة.

فبحسب «تايمز أوف إسرائيل»، وافق نتنياهو على تنفيذ الضربة قبل وقت قصير من إلقائه خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بعدما كانت الحكومة الإسرائيلية قد أعطت موافقة مبدئية على العملية.

وتقول الصحيفة إن وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت ورئيس الأركان هرتسي هليفي أيدا تنفيذ العملية، فيما أبدى بعض الوزراء تحفظات خشية تأثيرها على العمليات العسكرية في قطاع غزة.

وبحسب الرواية ذاتها، أبلغ غالانت وهليفي نتنياهو بأن المعلومات الاستخبارية باتت كافية وأن نصرالله موجود داخل المخبأ، ليعطي رئيس الحكومة الضوء الأخضر النهائي قبل توجهه إلى الجمعية العامة.

أما «إسرائيل هيوم»، فأوردت أن نتنياهو أجرى من نيويورك سلسلة مشاورات أمنية، بينها اجتماع حكومي هاتفي مطول، قبل أن تُجرى مشاورات إضافية وصولاً إلى الموافقة النهائية على العملية.

واشنطن لم تُبلّغ مسبقاً
وبحسب «تايمز أوف إسرائيل»، لم تكن الولايات المتحدة على علم مسبق بالضربة، وفق رواية نقلتها الصحيفة عن مسؤول أميركي.

وأفادت الرواية بأن واشنطن أُبلغت بعد دخول الطائرات الإسرائيلية الأجواء وبدء العملية.

وجاء ذلك في وقت كانت فيه اتصالات أميركية ـ إسرائيلية جارية بشأن إمكانية التوصل إلى وقف مؤقت للقتال، ما جعل توقيت العملية موضع اهتمام في التغطية الإسرائيلية.

«الموساد» والعملاء داخل بيروت
ولم تقتصر الرواية الإسرائيلية على دور الاستخبارات العسكرية، إذ ظهرت في أيلول 2025 معلومات إضافية حول الدور المنسوب إلى «الموساد» في جمع المعلومات داخل بيروت.

وبحسب ما نقلته «يديعوت أحرونوت» عن مسؤول في الجهاز، كان عملاء للموساد يعملون داخل بيروت وتحت ظروف أمنية بالغة الخطورة لتوفير المعلومات التي ساعدت في تنفيذ العملية.

وقال مسؤول التجنيد والتشغيل في الموساد، وفق الصحيفة، إن العملية اعتمدت على تعاون بين الموساد والجيش ووزارة الدفاع والصناعات الأمنية والأوساط الأكاديمية.

وتشير هذه الرواية إلى أن تحديد موقع نصرالله لم يكن نتيجة معلومة منفردة وصلت في اللحظات الأخيرة، بل حصيلة عمل استخباري تراكمي امتد لفترة طويلة.

نصرالله لم يكن يعلم أنه الهدف التالي
بحسب ما كشفت عنه شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ونقلته «واللا»، بقي نصرالله في موقعه خلال الأيام التي سبقت اغتياله، رغم سلسلة العمليات التي استهدفت قيادات الحزب.

وتقول الرواية الإسرائيلية إن نصرالله لم يكن يعلم أنه أصبح الهدف التالي لإسرائيل، في وقت كانت فيه الأجهزة الإسرائيلية تجمع معلومات دقيقة عن المقر السري الذي كان يستخدمه.

كما أشارت المعلومات الإسرائيلية إلى أن المخبأ الذي كان يوجد فيه نصرالله بُني باستخدام تكنولوجيا إيرانية، وأن موقعه كان محاطاً بدرجة عالية من السرية حتى داخل الدوائر الضيقة في الحزب.

الأيام الأخيرة قبل الضربة
جاءت العملية بعد سلسلة ضربات إسرائيلية استهدفت قيادات «حزب الله»، كان من أبرزها تفجير أجهزة الاتصال واغتيال القيادي إبراهيم عقيل.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، واصلت أجهزة الاستخبارات مراقبة المعلومات المتعلقة بموقع نصرالله، فيما بقيت طائرات سلاح الجو في حالة استعداد لتنفيذ الضربة فور التأكد من وجوده.

وعند الساعة 18:21 من 27 أيلول 2024، بدأت العملية التي استهدفت المقر تحت الأرض، وانتهت بمقتل نصرالله وعدد من كبار قيادات الحزب، وفق التفاصيل التي أعلنها الجيش الإسرائيلي لاحقاً.

عملية اعتبرتها إسرائيل نقطة تحول
في تقييم العملية، نقلت «تايمز أوف إسرائيل» عن مسؤولين في سلاح الجو الإسرائيلي اعتبار الضربة ناجحة من الناحية العملياتية، فيما وصف مسؤولون إسرائيليون العملية بأنها نقطة تحول في الحرب مع «حزب الله».

كما اعتبر مسؤول في «الموساد»، خلال الذكرى الأولى للعملية، أن اغتيال نصرالله جاء في ختام نحو عشرة أيام من العمليات المكثفة التي بدأت بتفجير أجهزة الاتصال وتواصلت مع استهداف عدد من كبار قادة الحزب.

عامان من الأسئلة حول العملية
بعد عامين على اغتيال نصرالله، لا تزال العملية حاضرة في صلب الرواية الإسرائيلية عن الحرب، خصوصاً لناحية الدور الذي لعبته الاستخبارات في تحديد الموقع، والتنسيق بين الأجهزة الأمنية، واستخدام الخداع العملياتي، وصولاً إلى الضربة الجوية التي استهدفت مقراً تحت الأرض في منطقة مكتظة بالسكان في الضاحية الجنوبية لبيروت.

لكن، في مقابل كثافة التفاصيل التي نشرتها وسائل الإعلام والجهات الرسمية الإسرائيلية، تبقى بعض الجوانب المتعلقة بمصادر المعلومات وآليات الاختراق الاستخباري وتوقيت بعض القرارات غير قابلة للتحقق المستقل، ما يجعل الفصل بين المعلومات المعلنة والرواية الإسرائيلية والتفاصيل التي لم تُثبت من مصادر محايدة أمراً أساسياً عند قراءة العملية بعد عامين على وقوعها.

تصميم وتطوير