أوروبا والاستيطان الإسرائيلي.. بداية العقاب أم مناورة لحفظ ماء الوجه؟

كتب اسماعيل جمعة الريماوي: كانت المستوطنات غير قانونية، وإذا كان الاحتلال والاستيطان يتعارضان مع القانون الدولي، فلماذا ظل الاقتصاد الأوروبي مفتوحاً أمام منتجات خرجت من قلب هذا المشروع؟ ولماذا بقيت الشركات والمؤسسات التي تستفيد من الاستيطان بعيدة عن أي كلفة حقيقية؟ إن الاعتراف السياسي بعدم شرعية الاستيطان من دون اتخاذ إجراءات اقتصادية وقانونية لوقف تمويله أو الاستفادة منه، يجعل هذا الاعتراف أقرب إلى موقف أخلاقي بلا أدوات ضغط.
وم بعد سنوات طويلة من الاكتفاء بالإدانة السياسية والتأكيد على أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية، بدأت بعض الدول الغربية تنتقل، ولو بصورة محدودة، من لغة البيانات إلى محاولة فرض كلفة اقتصادية على مشروع الاستيطان. واتجاه بريطانيا وفرنسا وكندا إلى تقييد تجارة سلع المستوطنات، مع استعداد دول أوروبية أخرى لاتخاذ إجراءات مماثلة، يحمل دلالة سياسية تتجاوز القيمة الاقتصادية المباشرة لهذه السلع، لأنه يضع الاستيطان للمرة الأولى أمام سؤال مختلف: هل يمكن أن يستمر الاحتلال والتوسع الاستيطاني من دون ثمن؟
لا شك أن هذه الإجراءات، بصورتها الحالية، لا تشكل عقاباً اقتصادياً شاملاً لإسرائيل، ولا تهدد اقتصادها، فحجم تجارة منتجات المستوطنات مع الأسواق الأوروبية محدود مقارنة بحجم التجارة الإسرائيلية ككل. كما أن التحدي الأكبر يتمثل في القدرة على التحقق من مصدر المنتجات ومنع التحايل على القيود، خصوصاً في المنتجات الزراعية التي يمكن أن تدخل الأسواق الأوروبية عبر شركات أو قنوات تجارية مختلفة. لكن أهمية الخطوة لا تقاس فقط بحجم الأموال التي ستخسرها المستوطنات، وإنما بما تعنيه سياسياً؛ فحين تبدأ دول غربية في التعامل مع منتجات المستوطنات باعتبارها نتاجاً لمشروع غير شرعي، فإنها تنتقل من الاعتراف النظري بعدم شرعية الاستيطان إلى محاولة ترجمة هذا الموقف إلى إجراءات عملية.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا احتاجت أوروبا إلى كل هذه السنوات حتى تبدأ باتخاذ مثل هذه الخطوات؟ لقد كان الاستيطان يتوسع أمام أعين العالم، وكانت المستوطنات تتحول تدريجياً إلى مدن وكتل استيطانية وشبكة طرق وبنية اقتصادية مرتبطة بالاحتلال، بينما اكتفت العواصم الأوروبية بعبارات القلق والتحذير والدعوة إلى وقف التوسع. وفي الوقت الذي كانت فيه البيانات الأوروبية تتكرر، كانت الوقائع على الأرض تتغير بصورة أسرع بكثير، حتى أصبح الاستيطان أحد أكثر أدوات الاحتلال رسوخاً في الضفة الغربية.
وهنا تكمن المفارقة الأوروبية: إذا ع ذلك، فإن الخطوة الحالية لا ينبغي التقليل من أهميتها، لأنها يمكن أن تكون بداية لمسار أوسع إذا امتلكت أوروبا الإرادة السياسية لاستكماله. فالمشكلة ليست في منع بعض صناديق الخضار أو المنتجات الزراعية القادمة من المستوطنات، وإنما في السؤال الأكبر المتعلق بالشركات والبنوك والاستثمارات والتمويل والبنية الاقتصادية التي تجعل الاستيطان مشروعاً مربحاً وقابلاً للتوسع. وإذا أرادت أوروبا بالفعل التأثير في السياسة الإسرائيلية، فإن عليها الانتقال من معاقبة بعض المنتجات إلى فرض كلفة على منظومة الاستيطان نفسها.
كما أن الإجراءات الأوروبية يمكن أن تفتح فرصة أمام الاقتصاد الفلسطيني، خصوصاً القطاع الزراعي، لاستعادة جزء من حضوره في الأسواق الأوروبية، لكن ذلك لن يحدث تلقائياً. فالمنتج الفلسطيني يحتاج إلى دعم في الإنتاج والتعبئة والتسويق والنقل والوصول إلى الأسواق، ويحتاج قبل ذلك إلى حماية من إجراءات الاحتلال التي تقيد حركة الفلسطينيين وتضرب قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم وأسواقهم. ولذلك فإن
مساعدة الاقتصاد الفلسطيني لا تكون فقط بفتح الأسواق أمام المنتجات الفلسطينية، بل أيضاً بالضغط على الاحتلال الذي يحول دون قدرة الفلسطيني على إنتاج وتسويق ما يملك.
لكن يبقى السؤال الأصعب: هل ما تفعله أوروبا بداية لعقوبات حقيقية، أم محاولة متأخرة لحفظ ماء الوجه أمام ما يحدث في فلسطين؟ الإجابة ستحددها الخطوات القادمة. فإذا توقفت الإجراءات عند بعض السلع، وظلت العلاقات الاقتصادية والسياسية والاستثمارية مع إسرائيل تسير كالمعتاد، فسيكون من الصعب اعتبارها أكثر من رسالة سياسية محدودة. أما إذا تطورت إلى منع الاستثمارات في المستوطنات، ومحاسبة الشركات المتورطة في بنائها وتمويلها، وفرض قيود على المؤسسات التي تستفيد من الأراضي المحتلة، وربط العلاقات الاقتصادية والسياسية باحترام القانون الدولي، فإن أوروبا ستكون قد بدأت فعلاً في تغيير قواعد العلاقة مع إسرائيل.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاحتلال لا يتراجع بسبب البيانات، والاستيطان لا يتوقف بسبب عبارات القلق، والمستوطن لا يخشى الإدانات إذا لم تتحول إلى كلفة حقيقية. ولهذا فإن القضية ليست في قيمة المنتجات التي ستُمنع من دخول الأسواق الأوروبية، بل في الرسالة التي تحملها هذه الخطوة: أن الاستيطان الذي اعتاد أن ينمو بلا ثمن قد يبدأ، ولو ببطء، في دفع ثمن وجوده.
لكن أوروبا أمام اختبار أكبر من مجرد منع منتجات المستوطنات. فإما أن تجعل من القانون الدولي قاعدة تحكم علاقاتها الخارجية، أو تواصل سياسة الانتقائية التي تجعل القانون قوياً عندما يتعلق بخصومها وضعيفاً عندما يتعلق بإسرائيل. وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، لم يعد السؤال هل تعرف أوروبا أن الاستيطان غير قانوني؛ فهي تعرف ذلك منذ سنوات. السؤال الحقيقي هو: هل تملك أوروبا الشجاعة السياسية لتحويل هذا الاعتراف إلى ثمن حقيقي يدفعه الاحتلال، أم ستكتفي بخطوات محدودة لتهدئة ضميرها وحفظ ماء وجهها؟
فالاحتلال الذي لا يدفع ثمناً لاستمراره لا يجد سبباً للتراجع، والاستيطان الذي لا يواجه كلفة سياسية واقتصادية وقانونية سيواصل التوسع. وما تحتاجه فلسطين اليوم ليس مزيداً من البيانات الأوروبية، بل انتقالاً حقيقياً من الإدانة إلى الفعل، ومن الأقوال إلى العقوبات، ومن التعاطف السياسي إلى الضغط الذي يغيّر موازين الواقع على الأرض.
بقلم اسماعيل جمعة الريماوي
بعد سنوات طويلة من الاكتفاء بالإدانة السياسية والتأكيد على أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية، بدأت بعض الدول الغربية تنتقل، ولو بصورة محدودة، من لغة البيانات إلى محاولة فرض كلفة اقتصادية على مشروع الاستيطان ، واتجاه بريطانيا وفرنسا وكندا إلى تقييد تجارة سلع المستوطنات ، مع استعداد دول أوروبية أخرى لاتخاذ إجراءات مماثلة، يحمل دلالة سياسية تتجاوز القيمة الاقتصادية المباشرة لهذه السلع، لأنه يضع الاستيطان للمرة الأولى أمام سؤال مختلف: هل يمكن أن يستمر الاحتلال والتوسع الاستيطاني من دون ثمن؟
لا شك أن هذه الإجراءات، بصورتها الحالية، لا تشكل عقاباً اقتصادياً شاملاً لإسرائيل، ولا تهدد اقتصادها، فحجم تجارة منتجات المستوطنات مع الأسواق الأوروبية محدود مقارنة بحجم التجارة الإسرائيلية ككل، كما أن التحدي الأكبر يتمثل في القدرة على التحقق من مصدر المنتجات ومنع التحايل على القيود، خصوصاً في المنتجات الزراعية التي يمكن أن تدخل الأسواق الأوروبية عبر شركات أو قنوات تجارية مختلفة، لكن أهمية الخطوة لا تقاس فقط بحجم الأموال التي ستخسرها المستوطنات، وإنما بما تعنيه سياسياً؛ فحين تبدأ دول غربية في التعامل مع منتجات المستوطنات باعتبارها نتاجاً لمشروع غير شرعي، فإنها تنتقل من الاعتراف النظري بعدم شرعية الاستيطان إلى محاولة ترجمة هذا الموقف إلى إجراءات عملية.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا احتاجت أوروبا إلى كل هذه السنوات حتى تبدأ باتخاذ مثل هذه الخطوات؟ لقد كان الاستيطان يتوسع أمام أعين العالم، وكانت المستوطنات تتحول تدريجياً إلى مدن وكتل استيطانية وشبكة طرق وبنية اقتصادية مرتبطة بالاحتلال، بينما اكتفت العواصم الأوروبية بعبارات القلق والتحذير والدعوة إلى وقف التوسع، وفي الوقت الذي كانت فيه البيانات الأوروبية تتكرر، كانت الوقائع على الأرض تتغير بصورة أسرع بكثير، حتى أصبح الاستيطان أحد أكثر أدوات الاحتلال رسوخاً في الضفة الغربية.
وهنا تكمن المفارقة الأوروبية: إذا كانت المستوطنات غير قانونية، وإذا كان الاحتلال والاستيطان يتعارضان مع القانون الدولي، فلماذا ظل الاقتصاد الأوروبي مفتوحاً أمام منتجات خرجت من قلب هذا المشروع؟ ولماذا بقيت الشركات والمؤسسات التي تستفيد من الاستيطان بعيدة عن أي كلفة حقيقية؟ إن الاعتراف السياسي بعدم شرعية الاستيطان من دون اتخاذ إجراءات اقتصادية وقانونية لوقف تمويله أو الاستفادة منه، يجعل هذا الاعتراف أقرب إلى موقف أخلاقي بلا أدوات ضغط.
ومع ذلك، فإن الخطوة الحالية لا ينبغي التقليل من أهميتها، لأنها يمكن أن تكون بداية لمسار أوسع إذا امتلكت أوروبا الإرادة السياسية لاستكماله ، فالمشكلة ليست في منع بعض صناديق الخضار أو المنتجات الزراعية القادمة من المستوطنات، وإنما في السؤال الأكبر المتعلق بالشركات والبنوك والاستثمارات والتمويل والبنية الاقتصادية التي تجعل الاستيطان مشروعاً مربحاً وقابلاً للتوسع، وإذا أرادت أوروبا بالفعل التأثير في السياسة الإسرائيلية، فإن عليها الانتقال من معاقبة بعض المنتجات إلى فرض كلفة على منظومة الاستيطان نفسها.
كما أن الإجراءات الأوروبية يمكن أن تفتح فرصة أمام الاقتصاد الفلسطيني، خصوصاً القطاع الزراعي، لاستعادة جزء من حضوره في الأسواق الأوروبية، لكن ذلك لن يحدث تلقائياً، فالمنتج الفلسطيني يحتاج إلى دعم في الإنتاج والتعبئة والتسويق والنقل والوصول إلى الأسواق، ويحتاج قبل ذلك إلى حماية من إجراءات الاحتلال التي تقيد حركة الفلسطينيين وتضرب قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم وأسواقهم، ولذلك فإن مساعدة الاقتصاد الفلسطيني لا تكون فقط بفتح الأسواق أمام المنتجات الفلسطينية، بل أيضاً بالضغط على الاحتلال الذي يحول دون قدرة الفلسطيني على إنتاج وتسويق ما يملك.
لكن يبقى السؤال الأصعب: هل ما تفعله أوروبا بداية لعقوبات حقيقية، أم محاولة متأخرة لحفظ ماء الوجه أمام ما يحدث في فلسطين؟ الإجابة ستحددها الخطوات القادمة، فإذا توقفت الإجراءات عند بعض السلع، وظلت العلاقات الاقتصادية والسياسية والاستثمارية مع إسرائيل تسير كالمعتاد، فسيكون من الصعب اعتبارها أكثر من رسالة سياسية محدودة، أما إذا تطورت إلى منع الاستثمارات في المستوطنات، ومحاسبة الشركات المتورطة في بنائها وتمويلها، وفرض قيود على المؤسسات التي تستفيد من الأراضي المحتلة، وربط العلاقات الاقتصادية والسياسية باحترام القانون الدولي، فإن أوروبا ستكون قد بدأت فعلاً في تغيير قواعد العلاقة مع إسرائيل.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاحتلال لا يتراجع بسبب البيانات، والاستيطان لا يتوقف بسبب عبارات القلق، والمستوطن لا يخشى الإدانات إذا لم تتحول إلى كلفة حقيقية ، ولهذا فإن القضية ليست في قيمة المنتجات التي ستُمنع من دخول الأسواق الأوروبية، بل في الرسالة التي تحملها هذه الخطوة: أن الاستيطان الذي اعتاد أن ينمو بلا ثمن قد يبدأ، ولو ببطء، في دفع ثمن وجوده.
لكن أوروبا أمام اختبار أكبر من مجرد منع منتجات المستوطنات، فإما أن تجعل من القانون الدولي قاعدة تحكم علاقاتها الخارجية، أو تواصل سياسة الانتقائية التي تجعل القانون قوياً عندما يتعلق بخصومها وضعيفاً عندما يتعلق بإسرائيل، وفي الحالة الفلسطينية تحديداً، لم يعد السؤال هل تعرف أوروبا أن
الاستيطان غير قانوني؛ فهي تعرف ذلك منذ سنوات ، السؤال الحقيقي هو: هل تملك أوروبا الشجاعة السياسية لتحويل هذا الاعتراف إلى ثمن حقيقي يدفعه الاحتلال، أم ستكتفي بخطوات محدودة لتهدئة ضميرها وحفظ ماء وجهها؟
فالاحتلال الذي لا يدفع ثمناً لاستمراره لا يجد سبباً للتراجع، والاستيطان الذي لا يواجه كلفة سياسية واقتصادية وقانونية سيواصل التوسع، وما تحتاجه فلسطين اليوم ليس مزيداً من البيانات الأوروبية، بل انتقالاً حقيقياً من الإدانة إلى الفعل، ومن الأقوال إلى العقوبات، ومن التعاطف السياسي إلى الضغط الذي يغيّر موازين الواقع على الأرض.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



