محمود كلّم يكتب لوطن: بعد كل هذه السنوات... أعود إلى صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم

هناك مجازر تنتهي في المكان، لكنها لا تنتهي في الذاكرة؛ تبقى نزفاً مفتوحاً تحت رماد السنين، وكلما ظننا أنها أصبحت ماضياً، أعادتنا إليها الذاكرة من جديد.
بعد كل هذه السنوات، أعود إلى صبرا وشاتيلا.
لا أعود إلى المجزرة باعتبارها حدثاً وقع وانتهى، ولا لأعيد سرد ما كُتب عنها من أرقام وتواريخ وصور، بل أعود إلى الذين عاشوا تلك الأيام، وإلى الشهادات التي تركوها خلفهم، وإلى أصوات سمعتها ودوّنتها قبل سنوات، ثم عدت اليوم لأفتح دفاترها من جديد.
فبعض الشهادات لا تنتهي عندما ينتهي الكلام عنها، وبعض الأسماء لا يغيب أصحابها تماماً؛ تبقى معلّقة في الذاكرة، تنتظر من يعيد إليها صوتها.
أعود إلى الذين حملوا ذاكرتهم معهم طوال العمر، وإلى أولئك الذين جلسوا أمامي يوماً وفتحوا أبواباً من الألم لم يكن من السهل فتحها.
في المرة الأولى، كتبت شهاداتهم كي لا تضيع. واليوم أعود إليها لأطرح سؤالاً مختلفاً:
ماذا بقي من تلك الشهادات بعد كل هذه السنوات؟
وكيف بقيت الذاكرة حيّة في أصحابها، بينما رحل كثير ممن كانوا جزءاً منها؟
لم تكن صبرا وشاتيلا بالنسبة إليّ مجرد عنوان في كتاب أو خبر في صحيفة؛ كانت مكاناً، وناساً، ووجوهاً، وأصواتاً.
وكان الاقتراب من الناجين مختلفاً تماماً عن قراءة ما كُتب عن المجزرة.
هناك فرق كبير بين أن تقرأ أن مجزرة وقعت، وبين أن يجلس أمامك إنسان ويقول لك:
«كنت هناك. رأيت. نجوت».
عندها لا تعود أمام حدث تاريخي فقط، بل أمام إنسان يحمل تاريخاً كاملاً داخل ذاكرته.
كنت أريد أن أعرف ماذا رأى الناس، وكيف عاشوا، وكيف نجوا، وماذا فقدوا، وماذا بقي معهم بعد أن هدأت أصوات الرصاص وغادر القتلة المكان.
كنت أبحث عن الإنسان الذي غالباً ما يختفي خلف الأرقام؛ فالرقم يخبرك بعدد الضحايا، أما الشهادة فتخبرك من كان ذلك الإنسان قبل أن يصبح رقماً.
ولهذا كانت الكتابة عن الشهادات مسؤولية قبل أن تكون عملاً صحفياً.
كان عليّ أن أصغي أكثر مما أتكلم، وأن أترك للشاهد حقه في الصمت قبل الكلام.
فبعض الذكريات لا تخرج بسهولة، وبعضها يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يستطيع صاحبها أن ينطق بها.
وأحياناً لا يكون الصمت فراغاً في الشهادة، بل يكون جزءاً منها.
من بين الأسماء التي بقيت عالقة في بعض الشهادات، اسم مفضي ياسين أبو ساري، المعروف بـ«مفضي أبو دراج».
وبحسب ما ورد في أرشيف جريدة «السفير»، كان أبو دراج من أبناء الظهيرة في جنوب لبنان، ووُصف بأنه من أقدم المتعاملين مع الاحتلال، كما نُسب إليه تولّي المسؤولية الأمنية لمعبر الحمرا قرب رأس الناقورة، في أقصى جنوب لبنان.
وفي 26 كانون الأول/ديسمبر 1993، قُتل في هجوم على معبر الحمرا نُسب إلى المقاومة الإسلامية.
لكن اسم مفضي (أبو دراج) يظهر أيضاً في شهادات مرتبطة بأحداث صبرا وشاتيلا.
فبحسب شهادة سنية محمد قاسم رمضان، المعروفة بـ«أم جهاد»، والتي كانت تقيم في منطقة بئر حسن، قالت لي: «دخلت إلى المنطقة مجموعات مسلحة مرتبطة بقوات لحد، وكان مفضي ياسين أبو ساري، المعروف بأبو دراج، في مقدمتها».
وتقول أم جهاد إنها كانت تعرفه جيداً، وإنه لم يساعد الموجودين على النجاة، بل طلب منهم التوجه إلى مدخل شارع أبو حسن سلامة، مقابل محطة الرحاب، حيث كان يجري تجميع الناس.
لا أورد هذه الشهادة هنا لأعيد سرد تفاصيل المجزرة؛ فلِتلك الشهادات مكانها في المقالات المقبلة.
وبحسب روايات الشهود التي جمعتها ودوّنتها، بدأت المجزرة مساء الخميس 16 أيلول/سبتمبر 1982، نحو الساعة الخامسة والنصف، وكانت البداية، وفق ما رواه الشهود، من محيط نادي الكرمل الرياضي، مقابل السفارة الكويتية.
وبعد نحو ساعتين، عند السابعة والنصف مساءً، كانت قوات الاحتلال قد أحكمت السيطرة على مداخل المخيم، وأضيئت سماؤه بالقنابل المضيئة.
ثم بدأت مجموعات مسلحة بالدخول إلى الأحياء السكنية.
لكنني لن أتوقف هنا عند تفاصيل ما جرى؛ سأتركها لأصحابها.
لعصام عرسان المحمد، ولسمر قاسم أبو حرب، ولسنية محمد قاسم رمضان «أم جهاد»، وليوسف عبد نايف مجذوب «أبو جمال»، ولميلانة بطرس ألها (أم حسين البرجي) .
ولكل شاهد حمل ذاكرة تلك الأيام.
مرت سنوات طويلة منذ صبرا وشاتيلا.
الذين كانوا أطفالاً أصبحوا آباء وأجداداً، والذين كانوا شباباً صار بعضهم يحمل شعراً أبيض، وبعض الذين جلسوا أمامي يوماً لم يعودوا موجودين اليوم.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
ماذا يحدث للشهادة عندما يموت الشاهد؟
هل تموت معه؟
أم تبقى الكلمات التي تركها وراءه؟
وهل يستطيع تسجيل قديم أن يعيد إلينا لحظة عاشها إنسان مرة واحدة، ثم حملها في قلبه طوال حياته؟
ربما لهذا السبب أعود؛ لأن الشاهد لا يبقى إلى الأبد، لكن شهادته تستطيع أن تبقى.
وأعود لأن جيلاً جديداً لم يسمع هذه الأصوات عندما صدرت الشهادات الأولى.
جيل لم يجلس أمام الناجين، ولم يرَ ارتجاف اليد، ولم يسمع الصمت الذي كان يسبق بعض الكلمات.
وأعود لأن المجازر لا ينبغي أن تتحول مع الزمن إلى مجرد تاريخ في كتاب:
16 أيلول/سبتمبر 1982.
خلف التاريخ كانت هناك حياة، وخلف الصورة كان هناك إنسان.
لا أريد أن أتكلم بدلاً منهم، بل أن أعيد أصواتهم إلى مقدمة الحكاية؛ إلى من عاشوا تلك الأيام، ونجوا منها، وحملوا ذاكرتها طوال حياتهم.
في المقالات التالية، سأعود إلى شهاداتهم كما سمعتها ودوّنتها، لأطرح أسئلة بسيطة وقاسية:
ماذا رأوا؟ كيف نجوا؟ من فقدوا؟ وماذا بقي منهم في الذاكرة؟
قال عصام عرسان المحمد:
«المهم ألّا ننسى نحن دم شهدائنا المسفوح في صبرا وشاتيلا...»
ولهذا أعود إلى صبرا وشاتيلا: ذاكرة الدم.
لا لأكتب عن الموت فقط، بل عن الذين بقوا أحياءً وهم يحملون الموت في ذاكرتهم.
هناك حكايات لا يحق لنا أن نغلق دفاترها، وأسماء لا ينبغي أن تسقط من الذاكرة.
بعد كل هذه السنوات... أعود.
وفي المقال التالي، سأترك أحد الشهود يتحدث.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء



